مقالات الرأي

في وداع سورية القائمة.. لا أسف ولا آمال

مع انطلاق الثورة السورية، كانت (الآمال الكبيرة) تُشعُّ من عقول السوريين وقلوبهم وأصواتهم الصادحة للحرية، وكانت مجمل تلك الآمال تدور حول نهاية الدولة الأمنية الاستخبارية الشمولية، وولادة الدولة الديمقراطية المدنية الجامعة، والقابلة للسير فوق سكة التاريخ الحديث المُولِّد للديمقراطيات المعاصرة وموجاتها المتلاحقة في العالم.

 

كان الاعتقاد السائد؛ وربما ما زال، أن طريق الحرية والكرامة طويل، لكنه سيُولّد وطنًا جامعًا من رماد الدولة الفاشيَّة، ونظامًا تعدديًا من رماد السلالة الطوطمية، وبلدًا واحدًا قابلًا للعيش، بدلًا من المنفى الدائم للسوريين في بلدهم، والمنفى (الموقّت) لهم بعد الثورة.

 

تبدو تلك التصورات اليوم، كأضغاث أحلام، لا يؤدي التعلق (النوستالجي) بها سوى إلى الخيبة والعيش في الماضي بالمعنيين السوسيولوجي و(العاطفي)، وإلى الفشل والتغريد خارج السرب (الواقعي) للسياسة العالمية والإقليمية، والسياسات الداخلية المحلية الموازية، بالمعنيين السياسي والعسكري.

 

ففي ظل انتصار (الزعران) و(البلطجيَّة) و(الشبيّْحة) على المستوى المحلي والإقليمي والدولي بشكلٍ متوازٍ، وفي ظل انتصار السياسة الواقعية المصفَّاة؛ بشكل قياسي، من أي مبدأ أو أخلاق أو قيمة عالمية أو مُحرز حضاري، وفي ظل الفوضى واللاقطبية الدولية التي تمنع أي دولة، مهما كانت، من فرض ما تريده وما تراه ملائمًا من دون اعتبار لمصالح الدول الكبرى والصغرى، وفي ظل انتشار العنصريَّة والإرهاب وما يخالطهما من انكفاء دوديّْ على مستوى العالم، يبدأ بالدولة والاتحادات الدولية، ويمر بالانكفاء القومي والديني، لينتهي بالانكفاء الطائفي وحتى العشائري في أصغر التفافاته الدودية.

 

في ظلِّ هذه الأوضاع؛ التي لا يبدو أنها تسير نحو الانحسار، بل التمدد والتوسع والتعولم، لا آمال كبيرة في بقاء سورية موحَّدة ضمن الصورة التي كانت عليها منذ استقلالها الأول منتصف القرن الماضي، وهذا ما حاول تأكيده، بخبث يتلحَّف البراءة، جون برينان مدير الاستخبارات المركزية الأميركية مؤخرًا، وبطريقة لا فرق كبير فيها، إن كان كلامه مجرَّد توقعات أم تخطيط واستراتيجية، فطالما أن أهل الأرض يسيرون بخطىً حثيثة نحو المزيد من التفرُّق والتفتُّت والتشرذم والتشتُت، وبناء العوالم المنفصلة، والمرويات المتكاملة، و(السرديات الكبرى) التي تقول وتكتب وتسرد وتعيش ما يحدث منذ خمس سنوات ونصف بطرق مختلفة جدًا، ومتباعدة جدًا، طرق تقل العناصر التي تجمعها لتصل إلى حدود صفرية، في الوقت الذي تزيد فيه مروياتها تماسكًا لتصبح حقائق وتواريخ مدعومة بالشواهد والشهداء والدماء المُسالة والتضحيات الكبرى.

 

وطالما أن أهل الأرض، بات نصفهم خارج أرضهم، من دون أمل قريب بالعودة، وطالما أن من تبقى فوق تلك الأرض يعيشون تحت احتلالات متعددة، حرفيَّة ورمزيَّة، لأرضهم، يصبح كلام برينان مجرد تحصيل حاصل، لا فرق فيه بين المؤامرة والوصف الحيادي (الواقعي). فما فعله الأسد الصغير في سورية، لا يحلم فيه أعتى أعدائها، وأكبر المخططين لتدميرها أو تقسيمها.

 

إن حقيقة ما يعيشه الناس العاديون اليوم في سورية لا يتوقف عند الحرب والجوع والفقر والنزوح والتشرد، ولا عند السرقة والنهب والتعفيش والخطف وانعدام الأمان، بل هو احتلالات محلية متعددة بتعدد المجتمعات المحلية ذاتها، فالأسد الذي رفض التنازل عن السلطة، فرّخ سلطات على شاكلته، موازية ومشابهة له، في كل سورية.

سلطات تحتل الفضاء الرمزي للسوريين مثلما تحتل حياتهم، والأسدية التي احتلت الفضاء السياسي ونهبت اقتصاد البلد بلا منازع سابقًا، أعادت إنتاج نفسها في معظم المناطق (المحررة) إن كانت تحت مسمى داعش، أو النصرة، أو البي واي دي، وهي مؤهلة لتتمدد نحو قطاعات جديدة ودوائر أخرى سواء أكانت طائفية أو عشائرية أو قومية أو غيرها.

إن سورية، الدولة الموحَّدة الفاشيَّة (الآمنة والأمنيَّة) القديمة، تلك الدولة التي كانت تفوح من جدرانها رائحة الخوف والاستخبارات والمخبرين، لا أسف عليها، بل إن الثورة لم تقم إلا لإنهائها وتبديلها بسورية حرّة ومستقلة وواحدة، والثورة التي قام بها السوريون لم تكن خطأً تاريخيًا، حتى لو ندم الكثيرون عليه اليوم بعد النتائج الكارثية التي خسر فيها الجميع.

 

قامت الثورة السورية لوضع الدولة فوق سكَّة التاريخ المعاصر للدول الوطنية الديمقراطية، لكن النظام السوري كان أكبر من الدولة، وأصغر من الوطنية، وفضَّل انهيار الدولة وتحطيم البلد فوق أهلها على تغيير نظامها السياسي، وتصرّف حرفيًا ضمن شعارات “الأسد أو نحرق البلد”، “الأسد أو لا أحد”، “الأسد أو بلاها هالبلد”، ليطابق، لأول مرة في تاريخه، شعاراته مع الواقع، بعد كل الشعارات الجوفاء القديمة حول “الوحدة والحرية والاشتراكية” وغيرها.

 

لكن سورية المأمولة أيضًا باتت بعيدة، فالحلم السوري الأصيل الذي رافق الثورة، بسورية موحدة ديمقراطية وحرة، سورية لكل السوريين، سورية بنظام سياسي متغير على قاعدة الدولة الثابتة، لم يعد ممكنًا في المدى القريب ولا المتوسط، بل إنه حتى بعد النظام اللامركزي، أو الفدرالي، أو الإدارات الذاتية، المتوقع استجلابه عبر الحلول السياسية التي لا تنصب سوى الأفخاخ المتعاقبة، فإن ما يُخشى ليس تقاسم الأرض والثروة والفضاء السياسي فحسب، بل إن المهمة الأصعب التي ستواجه السوريين عاجلًا أم آجلًا، هي كيف يمكنهم التخلص من زعرانهم الذين حولتهم الحرب إلى أمراء يتقاسمون المشهد في جميع أنحاء سورية، وكيف سيستعيدون السياسة بعد انتهاء الحرب، فواحد مثل الأسد، على سبيل المثال، لن يتمكن من حكم حتى (سورية المفيدة) إن انتهت الحرب، لن يسامحه “العلويون” قبل غيرهم، لكنه سيتمكن من ذلك بالقوة العارية وحدها، وهذا مصير الجولاني أو صالح مسلم وغيرهم من أمراء الطوائف والقوميات والمناطق.

 

ليس الخوف من انتهاء سورية القديمة، (سورية الأسد)، بل الخوف الأكثر تهديدًا للشعب السوري هو من بقائها، عودة سورية، بأسد واحد، أو بأسديات متعددة، هو المخيف، الخلاص من الأسدية الأم، هو بداية الحل

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق