تحقيقات وتقارير سياسية

كيري – لافروف: سورية والحلول المؤجلة

جاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، بأن المسألة السورية “ستشهد خطوات حاسمة باتجاه الحل”، تزامنًا مع تصريحاتٍ لنظيره الروسي، سيرغي لافروف، تحدث فيها عن تخلي واشنطن عن شرطها بتنحي أو رحيل الأسد، كمقدمة للدخول في مرحلة انتقالية، وأُخرى للمبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان ديمستورا، عبّر -خلالها- عن أمله في جولة مفاوضات جديدة، بين المعارضة والنظام خلال آب/ أغسطس.

 

تُرجمت ارتدادات النشاط الشفهي للدبلوماسية الدولية على الأرض، باستكمال قوات النظام السوري حصارها لأكثر من 400 ألف مدني في أحياء حلب، الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، وتصعيدٍ متواصل في العمليات على جبهات الغوطتين، بريف دمشق وإدلب ودرعا؛ ما يشير إلى جولة جديدة من التصعيد الميداني، يُمنح خلالها النظام وحلفاءه مُهلًا أخرى؛ لتغيير المعادلات العسكرية في الميدان، كمدخل لفرض شروطهم في مشاريع التسويات المزمعة، ومن جهةٍ أخرى، ترويض جمهور الثورة؛ للقبول بما رُفض سابقًا، والتعامل مع ما هو معروض، حتى لو لم يُلبّ الحد الأدنى المتوافق عليه، لأي حل سياسي للملف السوري.

 

التناقض بين التصريحات أو المواقف الدبلوماسية، وبين الواقع على أرض الميدان، في ما يخص المسألة السورية ليس بجديد، إلا أن اللحظة الراهنة -ربما- تتطلب قراءة مغايرة لمجمل محددات واحتمالات أي حل مُزمع للصراع، ومدى قدرة الأطراف الفاعلة فرضه على الجميع؛ فالحديث المتصاعد -خلال الآونة الأخيرة- عن تقارب أميركيٍ – روسي، اقترب من إنتاج روافع جديدة؛ للدخول في مفاوضات بين طرفي النزاع في سورية، بغض النظر عن مصير الأسد، لا يبدو حتى اللحظة مُقنعًا للمعارضة، خاصةً المسلحة منها، ومن جهةٍ أخرى، وعلى الرغم من بعض التحليلات التي ذهبت إلى أن هناك تفاهمات بين موسكو وواشنطن، تتعلق بمصير رأس النظام السوري، وترتيبات بشأن المرحلة الانتقالية، بناءً على تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، إلا أن أيًّا من مؤشرات هذا التفاهم ليست واضحة حتى اللحظة.

المعطيات السابقة، تُعيد -ببساطة- إنتاج المعادلة القديمة، بأن أي تغيرٍ جوهري للسياسة الدولية، تجاه الملف السوري، لم يطرأ بعد، وبالتالي، الحديث عن حل سياسي ممكن أو قريب، يبدو -حتى الآن- غير منطقي، لحسابات عديدة، منها: الانتخابات الأميركية المقبلة، وقناعة الروس، وأطراف إقليمية أخرى، بأن الأوضاع لم تنضج لإنتاج الحل، ومازالت هناك هوامش من الوقت؛ لتحسين شروط التفاوض لكل الأطراف، ولوكلائهم داخل التوازنات السورية.

 

تتحدث جميع الأطراف -اليوم- عن أهمية إيجاد حل في سورية، وإنهاء حمامات الدم المتواصلة منذ أكثر من خمس سنوات، إلا أنه لم يُقَدَّم أي تصور عملي قابل للتطبيق أو التنفيذ، لأسبابٍ (حسب مصادر في المعارضة) تتعلق ببنية النظام الخدمية، لأكثر من نصف قرن سابق، وعدم قناعة المجتمع الدولي ببديل وطني، يمكن أن يملأ الفراغ في حال سقوط النظام، إضافةً إلى ترتيباتٍ لم تنجز -بعد- بين القوى الكبرى، متعلقة بخطط إعادة صياغة المنطقة جيوسياسيًا، بناءً على قواعد النفوذ، ومناطق المصالح المتغيرة؛ نتيجة معادلات متعددة، لا ترتبط بسورية فحسب، وإنما بملفات كثيرة أيضًا، منها ما يقع خارج المنطقة كليًا.

 

وبالتالي، تبقى المسألة السورية -حتى اللحظة- مضمار تجارب لقوى دولية عديدة، مُتَّفقة في بعض المضامين، ومتضاربة في بعضها الآخر؛ ما قد يجعل من احتمالات بلورة حل، مهما كان مجزوءًا، في المدى المنظور محدودة جدًّا، وذلك وفق رأي العديد من المهتمين بالشأن السوري؛ لأن ما حدث في سورية أسس لقاعدةٍ سياسية جديدة، فحواها “عدم قدرة سايكس – بيكو على استيعاب التحولات والتبدلات الناشئة في المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وديمغرافيًا”، من هنا، قد يكون للعوامل الذاتية السورية دورٌ حاسم خلال المرحلة القادمة (الوقت الضائع في السياسة الدولية)، في بلورة روافع جديدة لمجمل القضايا المتعلقة بالصراع؛ ما يؤدي إلى إنتاج حلول جزئية أو مسكنات مرحلية، تساهم في إيقاف أو تقنين آلة القتل والحصار، بانتظار نضج دولي – إقليمي لإنتاج حل جذري، قابل للحياة والتنفيذ، يحمل مقومات الحد الأدنى المقبول لجميع الأطراف.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق