تحقيقات وتقارير سياسية

كلمة رياض حجاب في افتتاح ورشة عمل مركز حرمون للدراسات المعاصرة حول “المفاوضات والعملية السياسية في سورية”

كلمة رياض حجاب في افتتاح ورشة عمل مركز حرمون للدراسات المعاصرة حول “المفاوضات والعملية السياسية في سورية” في 27 و28 تموز/ يوليو 2016

أيها السيدات والسادة:

تُعقد هذه الندوة، في ظل تفاعلات دولية متعددة، وتوترٍ إقليميٍّ غير مسبوق، وتصعيد عسكريّ من جانب النظام، والقوى الداعمة له، على مختلف الجبهات.

وتتفاقم خسائر الشعب السوري، من جراء القصف، والقتل، والاعتقال التعسفيّ، والتهجير القسريّ، وما أنتجته سياسة القمع الممنهج، من انتشار للتطرف، والجماعات الإرهابية، والميليشيات الطائفية العابرة للحدود، في حين يشعر السوريون بفقدان الأمل، والإحباط، بعد فشل المجتمع الدولي، في وقف الانتهاكات، التي تُرتَكب بحقه، من دون أن يظهر في نهاية الأزمة بصيصُ أمل.

وتنعكس هذه الأحداث المروعة، على الأمن الإقليميّ والدولي؛ حيث يندلع التنافس والصراع، على النفوذ في الساحة السورية، وتتنامى أزمة اللجوء، في مختلف الدول العربية والغربية، في حين أصبح تنظيم “داعش” أحد أبرز مهدِّدات الأمن العالمي.

ومنذ تأسيسها؛ أدركت الهيئة العليا للمفاوضات، أنه لا يمكن البدء في مفاوضات جادةٍ، من دون توفير مناخ آمن، واستحداث آليات مجديةٍ للتفاوض، وتبنّي أجندةٍ ناجعةٍ، لتحقيق عملية انتقال سياسيّ، تستجيب لمطالب الشعب، وتحقق أهداف الثورة السورية المجيدة.

ولذلك؛ فقد ناشدنا المجتمع الدوليّ للقيام بدوره، في تنفيذ البنود الإنسانية، بقرار مجلس الأمن (2254)، خصوصًا المواد (12و13و14) فيما يتعلق بفك الحصار عن المدن، والمناطق المحاصرة، وتمكين الوكالات الإنسانية من توصيل المساعدات، إلى جميع من هم في حاجة إليها، والإفراج عن جميع المعتقلين، ووقف عمليات القصف الجويّ والمدفعيّ، والهجمات ضدَّ المدنيين والأهداف المدينة.

وما زلنا نبذل جهدًا مضنيًا لإقناع المجتمع الدوليّ، بتأمين أجواء ملائمة، لدفع العملية السلمية، عبر إيجاد آلية إشراف دولية، لضمان التزام مختلف الأطراف الآمنة، وإسقاط المساعدات من الجوّ، إن تعذر إيصالها برًّا إلى المناطق المتضررة، والمحاصرة.

كان جدول أعمال الهيئة -منذ اليوم الأول لتأسيسها- مزدحمًا، ولم تمنحنا التطورات المحلية، والإقليمة والدولية، رفاهية العمل في أحوال مواتية، أو توفّر لنا لحظة استقرار.

وعلى الرغم من ذلك؛ فقد عقدنا العزم على الوقوف في وجه التحديات، آخذين في الحسبان، أنه لا يمكن التعامل مع الوضع الأمني، والإنسانيّ المروّع في سورية، بمعزل عن التطورات الإقليمية؛ حيث أسفرت الأزمة عن تدهور الأوضاع، من جرّاء تنامي الصراع الإقليميّ والدوليّ على سورية، التي تحولت إلى دولةٍ فاشلةٍ، ولذلك؛ فقد بادرنا إلى تبني إستراتيجيةٍ، تقوم على أساس محاولة تحييد المؤثرات الخارجية، على الصعيد الداخلي، والمطالبة بوقف حملات القصف الهمجيّ، والسعي لتحقيق توافق دوليّ، على إنشاء هيئة حكم انتقالي، كاملة الصلاحيات التنفيذية وفق بيان جنيف.

وفي زياراتنا المتعددة، إلى مختلف العواصم العربية والعالمية؛ حذرنا من خطورة الانجرار خلف الجدليات الروسية والإيرانية، بإمكانية التحالف مع النظام، الذي ينتج الإرهاب، ويتذرع به في الوقت نفسه، وسيلةً لإطالة أمد بقائه في الحكم، ونبهنا إلى أن تصعيد العمليات العسكرية، وقصف المناطق الآهلة بالسكان بقصد الضغط على أوروبا، كي تنصاع لإملاءات موسكو وطهران، من خلال الدفع بموجات جديدة من الهجرة نحو أوروبا، والسعي لإطالة أمد الصراع، وتغذية أجندات الجماعات الإرهابية، التي تستهدف منظومات الأمن العالمي.

كما طالبنا المجتمع الدوليَّ، بإطلاق مبادرةٍ دوليةٍ، تهدف إلى التزام القرارات الدولية ذات الصلة، والتزام للقرار رقم 2268 المتعلق بوقف الأعمال العدائية في سورية، وإخراج آلاف المقاتلين الأجانب، المنضوين في التشكيلات الطائفية، ومجموعات المرتزقة من شتّى الجنسيات، واستحداث آلية إشراف دولية، تضمن التزام وقف القتال، وخروج هذه القوات، والجدية في محاربة الإرهاب.

وفي هذه الأثناء؛ سار النظام على طريقته المتوقعة، في إفشال الجلسات الثلاث، التي عقدت في جنيف، سعيًا لاستنزاف الدبلوماسية الدولية، وإدراكًا منه ضعف مواقف أصدقاء الشعب السوري، الذين لم يتمكنوا من توحيد مواقفهم، أو الوفاء بالتزاماتهم تجاهنا.

وعلى الرغم من تعثر العملية التفاوضية، وتعدد الإحباطات؛ إلا أن الهيئة العليا للمفاوضات، قد عملت في الأشهر السبعة الماضية، على تحديث إستراتيجيتها التفاوضية وفق المستجدات، وذلك من خلال عقد الاجتماعات العادية، والطارئة، والتنسيق مع مختلف مكونات الهيئة، وبادرت عند إبرام اتفاق الهدنة الموقّتة بين واشطن وموسكو، وفرضه بالقرار الأممي رقم 2268؛ إلى إنشاء لجان، لمراقبة خروقات النظام وحلفائه، وتقديم التقارير إلى المجتمع الدولي، بصورةٍ يوميةٍ، كما قامت بصوغ مجموعة من الوثائق المرجعية، التي تحدّد السقف التفاوضيَّ، انطلاقًا من مرجعية بيان الرياض، وثوابت الثورة.

وعلى الرغم من تخاذل المجتمع الدولي، وتسارع الأحداث؛ الإ أن الهيئة تعمل وفق أجندة ثابته، تهدف إلى صوغ إستراتيجيةٍ شاملةٍ، تعالج مختلف التحديات المتعلقة بالمفاوضات، ومن ذلك؛ غياب الأجندة التفاوضية، وعدم تحديد جدول زمنيٍّ لإنجاز، وارتهان العملية السياسية بقرارتٍ خارجيةٍ، وبتوافقات أميركية-روسية، تغيب عنها الشفافية، وتعدد المشهد القتاليّ، وتنامي النزعات الانفصالية عند بعض المجموعات الإثنية، التي تحظى بدعم خارجيّ، يهدد وحدة البلاد، فضلًا عن تلكؤ المجتمع الدولي، في دفع روسيا وإيران لالتزام القانون الدوليّ، وغياب التوافق الدوليّ على مصير الأسد.

وفي مواجهة هذه التحديات؛ تهدف إستراتيجية الهيئة، إلى تفعيل الدبلوماسية العربية والغربية، لتحقيق أهداف الثورة، وإدارة العلاقات البينية، بين القوى السياسية والفصائل، والتأسيس لآلية تفاوضيةٍ ناجعةٍ، تخرجنا من الحقلة المفرغة، الناتجة عن تلاعب النظام، وسعية لاستنزاف الدبلوماسية الدولية.

وفي الوقت ذاته؛ تسير الهيئة بخطًا وئيدةٍ، نحو إصدار وثيقة، تحدد الإطار التنفيذي للعملية السياسية، وفق بيان جنيف، والقرارات الدولية ذات الصلة، وثوابت الثورة التي آلت على نفسها، ألّا تحيد عنها؛ حيث تمثل مغادرة بشار الأسد، وزمرته، ممن تلطخت أيديهم بدم الشعب السوري، نقطة انطلاق لعملية انتقال سياسيّ، يمارس الشعب فيها حق تقرير المصير، وإقرار دستوره، ونظامه السياسي، والاقتصاديّ، والقضائيّ، وذلك من خلال تشكيل هيئة حكم انتقالي، تتمتع بالصلاحيات التنفيذية كافة، والمحافظة على وحدة الأراضي السورية، وضمان استمرار عمل الوزارات، والمؤسسات، والهيئات الخدمية والعامة في الدولة، وإعادة هيكلة مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وتشكيلها، وتسهيل العودة الطوعية للاجئين والنازحين، ووضع إطار تنفيذي واضح للمحاسبة، والعدالة الانتقالية، وتبنّي برنامج شامل للتصدي للإرهاب، ومكافحته، سواءً أكان إرهاب الدولة الذي مارسه النظام، أم إرهاب الأفراد والجماعات والتنظيمات، والقضاء على الحواضن الفكرية والتنظيمية التي تنجبه، كالتطرف، والطائفية، والاستبداد السياسيّ، والفساد.

وحرصنا على ألّا تكون هذه الرؤية، مقتصرةً على الهيئة، أو بعض مكوناتها فحسب؛ بل بذلنا جهدنا، في تمثيل تطلعات الشعب السوري، وذلك، من خلال الدعوة إلى إطلاق حوار وطنّي، وإجراء مراجعة دستوريةٍ شاملةٍ، والتحضير للفترة النهائية، من خلال انتخابات تشريعية ورئاسية، تؤذِن بانتهاء المرحلة الانتقالية، ونحن نعمل على تدشين هذه الرؤية، في القريب العاجل بإذن الله.

وبالتزامن مع الجهد الذي نبذله في تجسيد مطالب الشعب السوري، في عملية انتقال سياسيّ، تستجيب لتطلعاته، وتلبي مطالبه؛ فإن الهيئة تعمل على تجسيد سياسة حازمة، إزاء التوافقات الأميركية-الروسية، التي تدفع في اتجاه خفض سقف الثورة، وإطاله أمد نظام بشار المترنح، والسعي إلى تقسيم البلاد، وتكرار الأخطاء، التي تمّ ارتكابها في بعض دول الجوار، حيث دأبت الهيئة في اتصالاتها مع الإدارة الأميركية، على تبيين موقف الثورة السورية، والتأكيد على ضرورة تلبية ثوابتها، وطالبت مسؤوليها بالشفافية والوضوح، حول اتصالاتها مع الروس.

وفي ظل ارتباك المواقف الأميركية، وتناقض إجابات مسؤوليها؛ كثفنا اتصالاتنا مع الدول الشقيقة والصديقة، للخروج بموقف موحد، يدعو إلى مكافحة الإرهاب في سورية بسائر أنواعه، بما في ذلك إرهاب الدولة، الذي يشكل الحاضنة الأساسية للإرهاب، وكذلك الإرهاب الخارجيّ، الذي تقف خلفه الميلشيات الطائفية، والمرتزقة، والدول الداعمة لنظام بشار القمعيّ، وإرهاب تنظيم “داعش”، ويحذر في الوقت نفسه من مخاطر الموقف الروسيّ، الذي يتستربمكافحة الإرهاب لاستهداف جميع فصائل المعارضة المعتدلة، والاستمرار في ارتكاب المجازر ضد الشعب السوري الأعزل، ويبين خطورة التعاون مع القتلة، بحجة احتوائهم، أو تحت أي ذريعة أخرى واهية.

ونعمل في الوقت الحالي، على تدشين حملةٍ، تطالب بتعريف واضح للإرهاب، وتوضح مخاطر الاستجابة للسلوك التوسعي الروسيّ، واستحالة احتوائه منذ الأزمة الأوكرانية، وتحذر من مخاطر التنازلات، التي تقدمها الإدارة الأميركية في الملف السوريّ، وتبين حقيقة الوضع الميدانيّ، المتمثل في تداخل القوى على الأرض، واتخاذ الجماعات الإرهابية من المدنيين دروعًا بشرية.

وندرك قبل ذلك كله؛ أن قوة المعارضة السورية، تكمن في تماسكها، ووحدة مواقفها، وتعزيز آليات التواصل والتنسيق، بين مختلف مكوناتها من جهةً، والتمسك بمطالب الثورة من جهة أخرى، إذ ليس من حقنا التنازل عن حقوق الشعب السوريّ، أو الموافقة على أي إجراءٍ يمنح نظام الأسد القمعيّ الشرعيّة، أو يبرر الجرائم التي ترتكب في حق شعبنا، أيًّا كان مصدرها.

لتحقيق ذلك الهدف الساميّ؛ بادرت الهيئة إلى تشكيل لجنة للحوار السياسي والمجتمعيّ، بهدف تعزيز سياسية الانفتاح، نحو سائر مكونات المجتمع، والنهوض بدور المرأة السورية بصورة خاصةٍ، وتشجيع مشاركة مختلف الفعاليات والقوى الشعبية، متمثلةً في منظمات المجتمع المدني، ومؤسسات الإدارة المحلية، يحدونا الأمل في جمع الكلمة، وتوحيد الصف، وتعزيز الجبهة الداخلية، في مواجهة مختلف التحديات.

ولا يفوتني في هذا المجال، أن أسدي جزيل الشكر والامتنان، لسائر أعضاء الهيئة العليا للمفاوضات، الذين تحلّوا بأعلى درجات التفاني، والحرص على تحقيق التوافق، وما بذلوه من جهدٍ كبيرٍ للمحافظة على التماسك الداخلي للهيئة، بكامل مكوناتها.
كما أتوجه بالشكر، للإخوة؛ رئيس الوفد المفاوض وأعضائه.

وعلى الرغم من أنّ قصور الموارد، كان سببًا في وقوع شيءٍ من التقصير، وورود بعض الملاحظات؛ إلا أننا لم نرغب في أن يكون ذلك على حساب قيام الهيئة بالأعمال المنوطة بها، والسعي لتمثيل طموحات الشعب السوري، وقضيته العادلة في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، من دون التنازل عن ثوابت الثورة ومبادئها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأربعاء 27 تموز/ يوليو 2016

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق