مقالات الرأي

الإسلام السياسي وفشل الدولة الوطنية

بات واضحًا بعد الربيع العربي انكشاف الدولة الوطنية العربية، ومنها الدولة الوطنية في سورية، أمام معطيات الحراك الذي عرفته دول الربيع العربي، والذي أظهر حجم التناقضات التي تعتري تلك الدولة، خصوصًا لجهة افتقارها المرونة الكافية للقيام بما يسمى “التحول المرن”، للتكيّف مع مطالب شعبية وفئوية واسعة، وما محاولة الدولة الوطنية مواجهة ذلك الحراك، من خلال فائض العنف الذي اختزنته لعقود طوال، سوى تأكيد أنها غير قادرة بنيويًا على القيام بالتحول المطلوب الذي يحمي الدولة الوطنية بوصفها، أو كما يجب أن تكون، ذات استقلالية عن النظام السياسي.

 

وإذا كان ظهور الإسلام السياسي بنسخته القاعدية أو الداعشية، إضافة إلى عودة الحراك الإخواني، هو أحد سمات تراجع الدولة الوطنية، فإن قراءة تجليات الإسلام السياسي في تلك النسخ، ومقاربة دورها الراهن أو المستقبلي غير ممكنة عملياً، من دون مقاربة الدولة الوطنية، وإعادة دراستها في سياقها التاريخي (سياق تطورها منذ الاستقلال عن الانتداب الأجنبي)، وصولًا إلى حالة التفكك الراهن.

 

إن ما يجعلنا معرفيًا بالدرجة الأولى، وعمليًا بالدرجة الثانية، أن نقارب الإسلام السياسي من خلال فشل الدولة الوطنية، هو الابتعاد عن نظرية المؤامرة، والتي تحاول -في كل مرة- ربط معطيات البنى المحلية بالخارج، أي: ربط تطور سياقنا التاريخي بالآخر المتفوق حضاريًا واقتصاديًا وعسكريًا؛ ما يُلغي -في نهاية المطاف- كل محاولة لفهم الظاهرة من داخلها، وإعاقة بلورة سياق مفهوم لتطورها، وصولًا إلى بناء صورة مطابقة للواقع عن الظاهرة في بنيتها الداخلية.

 

إن الدول التي طالها الربيع العربي (تونس، مصر، سورية، اليمن) تتسم بسمات مشتركة، من حيث إنها على الرغم من القشرة السياسية – المدنية الرقيقة التي تغلف النظام الحاكم، إلا أنها جميعًا حُكِمت من خلال طبقة العسكر، وقد استمرت هذه الطبقة في الحكم، محاولة التكيف -بالدرجة الأولى- مع الخارج، ومع المشكلات والأزمات في النظام الدولي، خصوصاً انهيار العالم القطبي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، كما حاولت، بدرجات متفاوتة بين بلد وآخر، أن تقيم نوعًا من الزواج بين السلطة والمال، وهو ما ينطبق -بشكل أكثر بروزًا- على الحالتين المصرية والسورية.

 

خلال عقود من حكم العسكر، وبحكم الدور الوظيفي للطبقة الحاكمة (وهو ما يحتاج إلى بحث مستقل)؛ فقد تمّ تغييب أي حراك سياسي داخلي، وجعل كل حراك سياسي مربوطًا بالنظام الحاكم، وكانت المواجهة الأبرز، في مرات عديدة، بين النظام الحاكم و القوى الإسلامية، فإضافة إلى الصراع مع الإخوان المسلمين، عرفت مصر -بدرجة أكبر وأكثر حدة- حركات جهادية محلية (الجماعة الإسلامية في مصر، تأسست مطلع سبعينيات القرن الماضي)، مع انتشار حالة من المظلومية الدينية، في مستوى العقل الجمعي لدى فئات واسعة؛ وهو ما سيتم تحريضه واستثماره خلال معارك الربيع العربي، والتي انفتحت على حالة من العنف، غير مسبوقة في تاريخ الدولة الوطنية العربية.

 

قد يميل بعضنا إلى نزع الصفة السياسية عن المشاريع الجهادية، لكن هذه المشاريع هي -في الأساس- مشاريع سياسية اتخذت من الجهاد وسيلتها؛ لتحقيق مشروعها، بالتناقض مع الدولة الوطنية. لقد قبلت الدولة الوطنية الحدود التي فُرضت عليها، من خلال اتفاقيات سايكس بيكو، أو اتفاقية كامب ديفيد، وعلى الرغم من الخطاب القومي الذي تبنته النظم الحاكمة في دول الربيع العربي، وخصوصاً الناصرية والبعث، إلا أنها -فعليًا- قبلت بحدود الدولة الوطنية، ضمن منظومة الأمن والاستقرار في العالم العربي، وهو ما ترفضه القوى الجهادية التي عملت -فعليًا- على تقويض الحدود (مثال الربط بين العراق والشام – ومثال شمال سيناء وغزة)، فهي لا تعترف -فعليًا- بالدولة الوطنية، وتجدها عقبة في وجه مشروعها الإسلامي العابر للحدود.

 

لقد تغذى الإسلام السياسي -بعد الربيع العربي- على فشل الدولة الوطنية، وإذا كانت السيادة هي أحد مؤشرات قوة الدولة الوطنية؛ فإن سقوط سيادة الدولة الوطنية على منافذها الحدودية، كما في المثال السوري، فإن سقوط تلك السيادة جعل من الممكن -عملياً- نقل السيادة إلى القوى الإسلامية، التي بنت وجودها على أنقاض الدولة الوطنية.

 

إن قراءة الخلل الذي أصاب العقد الوطني في الدول الوطنية، حيث انحصر نطاق الولاء للنظام السياسي، إلى مجموعة من المتنفذين والمتكسبين، وضعف البنى السياسية والنقابية، وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع، وأبرزها فئة الشباب، جعل الدولة الوطنية تبدو -مع انطلاق الربيع العربي- هيكلًا فاقدًا للمعنى، وبات من الممكن اختصار بقايا الدولة الوطنية إلى نواة عسكرية أمنية، كان عليها أن تقاتل لأجل بقائها، ولطالما أنها لا تتقن غير العنف المتمركز لديها؛ فإنها آثرت أن تواجه قوىً عنفية، بدلاً من السماح لقوى ذات طابع علماني ديمقراطي أن تنمو في رحم الحراك، وأن تحول ربيع الثورات إلى خريفٍ دامٍ، من دون الأخذ في الحسبان مخاطر هذا الانزلاق، الذي سيقضي على الدولة الوطنية بحد ذاتها.

 

لقد خرج الإسلام السياسي فعليًا، بنسخته الجهادية الراهنة، من رحم الدولة الوطنية في لحظة مأزقها التاريخي، معلنًا في الوقت ذاته، نهاية الدولة الوطنية التي تأسست منذ وثوب العسكر إلى سدة الحكم، ويفتح هذا الأمر الباب أمام أسئلة عديدة حول مستقبل الإسلام السياسي برمته (هنا لا بد من التذكير بخيارات حركة النهضة التونسية، بفصل العمل السياسي عن العمل الدعوي)، كما يفتح الباب أمام أسئلة لا حصر لها، حول الدولة الوطنية الجديدة التي يمكن أن تنشأ، خصوصًا مع تنامي النقاش حول هوية الدولة، ودستورها، وعقدها الاجتماعي، مع ميل واضح إلى فكرة اللامركزية في صيغها المتعددة، ونظام الحكم، وسط صراع عنفي في سورية واليمن وليبيا، وصراع سياسي غير بعيد عن العنف كما في مصر، أو صراع سياسي كما في تونس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق