ترجمات

إسرائيل: الموقف من الحرب في سورية

The Syrian area of Quneitra is seen in the background as an out-of-commission Israeli tank parks on a hill, near the ceasefire line between Israel and Syria, in the Israeli-occupied Golan Heights, August 21, 2015. REUTERS/Baz Ratner/File Photo

 

تُعَدُّ سورية، تقليديًا، “الباحة الأمامية” في نظر الحكومات، ومؤسسات الدفاع الإسرائيلية، المتعاقبة، عند تحليل المخاطر، أو إطلاق التحذيرات المسبقة، أو نقاش جاهزية القوات. وتشكّل ميزانية الدفاع في إسرائيل، نحو 7.7 في المئة، من مجموع الدخل القومي الإسرائيلي، (بحسب تقارير 2011، وهي آخر التقارير المتوفرة)، وتشمل مخصصات كبيرة، هدفها مواجهة تهديد الجيش السوري. وإبّان الحروب العربية الإسرائيلية، حصل الجيش السوري على أعلى الدرجات، عند تحليل الخبراء العسكريين، والجنرالات الإسرائيليين، للجيوش العربية، من حيث قدرتها، على تشكيل تهديد للأمن الإسرائيلي. حيث تمتع جنوده، بشكل عام، بروح قتالية عالية، واتصفت قيادته، وقدرته على التحكم، والإدارة، بالصلابة والكفاءة، وبالتحليل العام؛ أثبت الجيش السوري، كونه العدو الأكثر عنادًا لقوات الدفاع الإسرائيلية. إضافةً إلى القوات التقليدية الضخمة؛ فقد بنت سورية نظامًا للأسلحة الكيماوية المتنوعة، يُعدّ الأخطر، والأوسع، من نوعه في المنطقة.

باختصار؛ وعلى قائمة إسرائيل للتهديدات الأكبر، والأكثر استمرارية لعقود ثلاثة خلت، فقد احتلت سورية مكانةً عاليةً، لم يسبقها إليها في تلك القائمة إلّا إيران، ببرنامجها النووي.

وسعى رؤساء الوزراء الإسرائيليون، على نطاق واسع، بمن فيهم بنيامين نتنياهو، إلى تحييد الجيش السوري -بسبب احتمالية تهديده للأمن الإسرائيلي- عبر القنوات الدبلوماسية، والأساليب السياسية. وحدثت المفاوضات الإسرائيلية-السورية، على أساس “الأرض مقابل السلام”، في مناسبات عديدة، عادةً، عبر وساطة أميركية، وتركزت حول ترتيبات أمنية تفصيلية، كان من المفترض لها، أن تؤمّن استقرارًا على المدى الطويل في المنطقة. ولم تثمر تلك المفاوضات، لكن، نشأت درجة مؤكدة من الاحترام بين القادة –على الرغم من عدم التقاء حافظ الأسد في أواخر عهده، ولا بشار، بنظرائهم الإسرائيليين، في أي من المناسبات- وكذلك ساد شيء من الاحترام، بين الفريقين المتفاوضين لكل من البلدين.

وأنتجت اتفاقية فضّ الاشتباك، التي وقعت عام 1974، نوعًا من الهدنة، بحكم القانون، وكذلك بحكم الأمر الواقع، وحرص كل من الطرفين، على المحافظة عليها منذ ذلك الحين. وكان النشاز الوحيد، الذي خرج عن ذلك اللحن شبه المثالي، هو ظهور حزب الله، وحاميه الإيراني، وذلك باستخدام سورية، معبرًا لشحنات من الأسلحة النوعية، خصوصاً، الصواريخ بمختلف أنواعها. وتبنّت إسرائيل سياسة الضربات الاستباقية، ضد تلك الشحنات، الأمر الذي حمل إمكانيات احتكاك مع النظام السوري. ومع ذلك؛ وفي عرض لحكم سليم آخر، كانت ردود الأفعال، دومًا، متحفظة، ومحسوبة بوضوح، للمحافظة على هدوء الوضع، واستقراره.

كانت ضربات إسرائيل الاستباقية مؤثرة، وكفوءة من ناحية التنفيذ العملياتي، ولكن كانت خائبة على المدى الطويل؛ فقد استطاع حزب الله، تكديس القذائف والصواريخ، وبناء قوة عسكرية ضخمة، ثم قام بإعادة بنائها، ومضاعفتها أضعافًا بعد الحرب اللبنانية، في عام 2006، عبر لعبة إيرانية، ومساعدة سورية نشطة.

ثم جاء “الربيع العربي” بكل طاقته الضخمة، وصخبه، وتحولت سورية إلى منطقة كارثة إنسانية، وجيو إستراتيجية، مباشرة، في باحة إسرائيل الأمامية، مزيلًا “قواعد العلاقات” التي تم بناؤها، بتأنٍّ، عبر عقود، ومحطمًا أكوامًا من التقييمات الاستراتيجية، والتعاليم العسكرية. تفاجأت إسرائيل مفاجأة كبرى بذلك، مثل غيرها من اللاعبين من الدول الإقليمية، وتوقع إيهود باراك –وزير الدفاع في حينها، ورئيس قوات الدفاع الإسرائيلية السابق، ورئيس الوزراء الأسبق- سقوطَ بشار الأسد “خلال أسابيع أو أشهر” مرددًا ما اجتمع عليه الرأي، ضمن المؤسسة السياسية والعسكرية، وكان ذاك التوقّع، مبنيًا على عقود من العمل الاستخباري الدقيق، و”المعرفة الحميمة” المفترضة، بحالة المافيا السورية، بدينامياتها الداخلية العميقة.

وحين اتضح، تدريجيًا، لصناع القرار الإسرائيليين، أنهم لم يعرفوا الشيء الكثير، عن تعقيدات الوضع الداخلي السوري؛ ظهرت حاجة ماسة، إلى إعادة صوغ السياسة الإسرائيلية، تجاه سورية، وإعادة تعريف مصالح الأمن القومي، ضمن ذلك المحتوى. وبعد سلسلة من المداولات داخل مجلس الوزراء، تم تنفيذ استجابة سريعة، على شكل نظام حدود معزز، ونظام رسائل إستراتيجي مضاعف، ومساعدات إنسانية محدودة. وبنت قوات الدفاع الإسرائيلية، ما دعته بالـ “السياج الذكي”، يحيط بكل مرتفعات هضبة الجولان، مغطيًا خطّ “فض الاشتباك” على طوله، وأنشأت مستشفًى ميدانيًّا للجرحى السوريين من المدنيين، وبعثت برسائل واضحة، عبر قنوات مختلفة، أنها لن تتساهل مع أي غارة، تخترق “مناطقها السيادية”، وتضمن ذلك هضبة الجولان المحتلة. وأثبت أن المخاوف السابقة، من تدفق أمواج كبيرة من اللاجئين، ومن هجمات متكررة من مختلف الجماعات الإرهابية، مبالغ فيها، على الأقل؛ إذا أخذنا في الحسبان تلك الخطوات الاحترازية، التي تحسّبت لِما لم يحدث على أرض الواقع.

ولكن ماذا عن إستراتيجية أكثر شمولية؟ ما الدور الذي على إسرائيل أن تلعبه، في هذا المفصل التاريخي والتحوّلي، الذي تمر به الدولة السورية، كونها جزءًا من ثورة عامة، في كل الإقليم؟

ناقشت إسرائيل هذه الأسئلة مع افتراض أساسي واضح؛ في أنّ الهدف العام الاستراتيجي، كان -وسيبقى- مجابهة إستراتيجية السيطرة الإقليمية لإيران، وقد عُدَّ الوضع في سورية حربًا بالوكالة، بين محور الشيعة الإيرانيين، وخصومهم السنة. وعمليًا، تم إهمال حقيقة كون الصراع في سورية، قد جاء على أعقاب احتجاجات لمدنيين سوريين، تحركوا بدوافع داخلية، وطالبوا بحريات مدنية. وبهذه الصيغة؛ فالاستخلاص المنطقي الذي كان من المفترض، أن يحدّد المصالح الإسرائيلية، هو إسقاط نظام الأسد، الموالي لإيران. لكن إسرائيل كانت متمنعة، دومًا، عن اتخاذ قرار، تدعم فيه قوات المعارضة بأي شكل ملحوظ. ويمكن شرح ذلك التناقض الداخلي، بذكر مقولة شهيرة مسجّلة لـ “مناحيم بيغن” رئيس الوزراء الإسرائيلي، بين عامي 1980 و1988، حين قال: إبّان الحرب الإيرانية العراقية: “نتمنى لكلا الطرفين النجاح الكبير”.

ومع عدم وجود بديل واضح لنظام الأسد، ومع حساب القدرات التقليدية، وغير التقليدية، للجيش السوري؛ شعرت إسرائيل بالقلق من انتشار الفوضى، وبخاصةٍ، من احتمال أن تقع الأسلحة في أيدي حزب الله؛ ولذلك اختارت الابتعاد عن اتخاذ خطط استراتيجية، وأعلنت عن أنها ستردّ على التهديدات الأمنية المباشرة فحسب؛ مثل نقل قذائف، أو هجوم يُنفّذ في مناطق حدودية، وابتعدت بحزم، عن صوغ أي موقف سياسي، حيال النظام السوري، أو عن مرحلة ما بعد الصراع. وقد خدمت تلك السياسة المصلحة الإسرائيلية بشكل جيد، على الأقل؛ في أعين مهندسيها. وفي “اختبار النتائج” الذي يُقدَّر تقديرًا عاليًا –وهو من أفكار إيهود باراك، وتحول، لاحقًا، إلى مبدأ أساسي، في المداولات السياسية، والحوارات العلنية- تم منع معظم، إن لم يكن كل، التهديدات، التي صدرت عن سورية، بنجاح، مع وجود حوادث حدودية صغيرة، في غضون السنوات الخمس الماضية من الصراع، وكان هنالك تفسير مسهب، لتلك الأحداث البسيطة.

ولكن هنالك جانب آخر لتلك السياسة، وكانت له نتائج سلبية واضحة، لم تناقش بشكل كاف؛ فمع اختيار نهج “الحد الأدنى”، المدفوع بأسباب أمنية، اختارت إسرائيل، كذلك، أن تهجر المشهد السياسي الديبلوماسي، وتجنّب معه، أي تأثير في تشكيل نهاية سياسية في سورية. وليس في ذلك إضاعة لفرصة تاريخية، ترتبط مباشرة بـ”باحتها الأمامية” فحسب؛ بل تهيئة نموذج من ميادين الصراع المستقبلية في المنطقة، ويعمق ذلك الانغلاق على الذات، والعزلة الإسرائيلية في المنطقة، وفي المجتمع الدولي. ويمكن مقارنة النهج الإسرائيلي بإستراتيجية إيران الإقليمية الفاعلة والناجحة. فمن جانب آخر؛ تمكنت إيران من وضع نفسها، عاملًا أساسيًّا في كل ميدان شرق أوسطي تقريبًا؛ حيث تُعدّ “جزءًا من المشكلة” من وجهات نظر عديدة؛ فقد جعلت من نفسها لاعبًا لا يمكن الاستغناء عنه، في أي حل من الحلول. وباستخدام ما يدعوه الباحث الأميركي/اللبناني نسيم نيكولاس طالب، إستراتيجية “البقاء في تركيبة اللعبة” اشترت إيران لنفسها “خيارات متنوعة من الأسهم” في سوق الشرق الأوسط المستقبلية، بينما بقيت إسرائيل، من جهة أخرى، خارج السوق.

علاوة على ذلك، ومن منظور داخلي؛ فقد خسرت إسرائيل كثيرًا من الأرضية الأخلاقية؛ فمع تلقي الدولة اليهودية تاريخًا من المعاناة الإنسانية، وخسارة ملايين من الناس في مجازر الإبادة الجماعية، التي حصلت ضدهم، كان من المفترض على إسرائيل، أن تتحدث بصوت الأخلاق والإنسانية، في وجه المذبحة السورية. ولكنها اختارت ألاّ تفعل، منكرة مسؤوليتها التاريخية المفترضة، وتاركة الباب مفتوحًا لمزيد من الاتهامات، عن النفاق والمعايير المزدوجة. وللمفارقة؛ لم يتردد السياسيون الإسرائيليون في السنوات الست السابقة، في شنّ هجوم حاد، ضد الحكومات الأوروبية والأميركية، لوقوفها مكتوفة الأيدي، بينما يُذبح مئات الآلاف، من المدنيين الأبرياء في سورية.

ومؤخرًا؛ وبعد أن بدأت المفاوضات تتجه -على ما يبدو- في اتجاه اتفاقية سياسية؛ حاولت إسرائيل استعادة بعض التأثير والنفوذ، وعقدت اجتماعًا حكوميًا رسميًا، على سفح مرتفعات الجولان، المشرفة على بحر الجليل. كانت تلك رسالة واضحة، لإعادة تثبيت حقها في المنطقة، التي تقع ضمن خريطة الحدود السورية، المعترف بها دوليًا. ولكن، وُوجِهَ التصرف الصريح، برفض سريع من الولايات المتحدة، وألمانيا، والأمم المتحدة.

وأضيف التنسيق الإسرائيلي الروسي، إلى الخليط السياسي في المنطقة، منذ نشر الطائرات، وانتشار الجند الروس المحدود، في سورية أواخر 2015، وعلى عكس تقارير الإعلام، فإنّ توافق المصالح الإسرائيلية-الروسية في سورية، محط تساؤل كبير؛ فرغبة إسرائيل في رؤية انكماش النفوذ الإيراني في سورية، تقع في الجهة المعاكسة لرغبة الروس.

وبالنظر إلى المستقبل، ما بعد الانتخابات الأميركية، ستظل السياسة الإسرائيلية الخاصة بسورية، تعاني من نقص في الإستراتيجية والشركاء الإقليميين والدوليين، وسيظل التعفّف العملي يجني الثمار، ومن المرجح أن يبقى كما هو. ولكن، إن كان هنالك من اتفاقية سياسية، فربما توقّع عليها كل الأطراف المشاركة في سورية، ما عدا إسرائيل، وداعش، وجبهة النصرة، وسيغدو انغلاق إسرائيل على نفسها، أوضح من أي وقت سابق.

 

عن الكاتب

إران إتزيون، ديبلوماسي وباحث استراتيجي مع أكثر من 20 عامًا من الخبرة، في مناصب حكومية رفيعة. كان رئيس التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ونائب رئيس مجلس الأمن القومي في مكتب رئيس الوزراء.

في 2014-2015 كان باحثًا زائرًا، في معهد ليونارد ديفيس للعلاقات الدولية، ومعهد ترومان لترقية السلام، وكلاهما في الجامعة العبرية، القدس.

في 2015، أسس ICSF (المركز الإسرائيلي للتوجه الاستراتيجي) وهو منظمة تخطيطية وتنفيذية، غير حكومية، تعنى بإنتاج مبادرات مبتكرة، تقدم إلى عملية صناعة القرار الإسرائيلية، وإلى الرأي العام.

 

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية  Israel on the Outer in Syria’s Civil War
اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية  Eran Etzion   إران إتزيون
مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي  معهد الشرق الأوسط      Middle East Institute
تاريخ النشر  19\ 7\ 2016
رابط المادة  
اسم المترجم مروان زكريا

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق