تحقيقات وتقارير سياسية

ما الذي يمكن أن تحمله معركة داريا من تداعيات؟

تستعر الأحداث الميدانية في مدينة درايا المحاصرة، والواقعة جنوب غرب العاصمة السورية دمشق، ليبدأ معها الحديث عما يمكن للمعركة الأخيرة التي استطاع النظام -خلالها- التقدم داخل المدينة على حساب المدافعين عنها، أن تحمله من احتمالات للعاصمة ومحيطها عسكريًا وسياسيًا.

 

العميد المتقاعد في جيش النظام، هيثم حسون، قال في تصريحات لجريدة “السفير” اللبنانية قبل أيام: إن مصير داريا سيقرر مصير الغوطة الغربية بشكل كامل، مضيفًا: “التقدم الأخير في المدينة يمثل مدخلًا لعملية عسكرية واسعة، سيشهدها الجنوب السوري قريبًا، بعد الانتهاء من التحضيرات، حيث تمثل داريا نقطة الربط بين ريف القنيطرة (جنوبي البلاد) وريف دمشق الغربي، وصولًا إلى الأحياء الجنوبية لدمشق”.

 

تصريحات العميد المتقاعد تأتي في سياق ترويج النظام لمرحلة ما بعد داريا، بمعنى أن الأخير، وضمن مفهومه وقناعاته بات متأكدًا من حتمية سقوط المدينة، ويرسم الخطط لمراحل متقدمة جيو- سياسيًا.

 

غير معروف -حتى اللحظة- ما إن كانت المدينة الصامدة، منذ ما يقارب الأربع سنوات، ستسقط أم لا، لاسيما مع المعلومات الواردة من داخلها على لسان القادة الميدانيين، مؤكدةً الدفاع عن المدينة والأهالي فيها حتى الرمق الأخير الأمر الذي يحمل في طياته مؤشرين:

الأول، فشل النظام في اقتحام المدينة؛ ما يعني مرحلة جديدة من الحصار أكثر ضراوة على خطا مضايا، وجنوب دمشق سابقًا، الأمر لذي قد يجبر المدافعين عن المدينة الدخول في مفاوضات مع النظام، تؤدي -نهايةً- إلى خروج المدنيين والمسلحين منها. والثاني، اقتحام المدينة بما يحمله من أبعاد وجدانية، أولًا، لما تمثله داريا في ذاكرة الثورة، وثانيًا، ارتكاب مجازر مروعة بحق من تبقى من المدنيين.

 

تستند المعارك الأخيرة في داريا، والتي وصلت إلى الأحياء السكنية، إلى جوهر تكتيكات النظام وحلفائه العسكرية، المبنية على القناعة بعدم إمكانية الحسم العسكري الشامل، وترتكز على خطط بديلة، تستهدف قطاعات بعينها في المناطق الحيوية، وفق ما صار يُعرف بـ “سورية المفيدة”، على أساس مناطق سيطرة مختلف القوى المتنازعة على الأرض.

 

سيُنهي إحكام النظام السوري سيطرته على المدينة المحاصرة -مرحليًا- التصورات السابقة، لإمكانية وصول فصائل الجبهة الجنوبية المعارضة إلى الريف الغربي للعاصمة، وما يعنيه ذلك من محاصرة الأول في قلب دمشق، وفتح خطوط الإمداد والمواصلات للمعارضة المسلحة، باتجاه المحافظات جنوبي البلاد (درعا والقنيطرة)؛ ما من شأنه أن يقلب معادلات الصراع عسكريًا وسياسيًا، وهذا مشكوك في أنه مسموح به -إقليميًا ودوليًا- حتى الآن.

 

لا يخفي النظام السوري طموحاته بإحداث تغيرات ديموغرافية؛ لإنشاء قواعد اجتماعية مؤيدة له، في محيط العاصمة، بما يجعله آمنًا داخلها، وهذا ليس بالجديد؛ فالزبداني أكبر مثال على ذلك، إضافةً إلى ما حدث في مناطق جنوب دمشق، منذ النصف الثاني للعام 2013، من توطين آلاف الشيعة المستوردين من إيران وغيرها، في محاولة لإنتاج مشروع، شبيه بالضاحية الجنوبية في بيروت (وفق ناشطين)، وربما يكمن -هنا- أحد أهم أسباب إصرار النظام وأنصاره -حاليًا- على اقتحام داريا؛ لبناء خطوط دفاعية متقدمة عن العاصمة بوجه الجنوب، ومن ثم إنهاء ملف الأحياء الجنوبية والريف الغربي للعاصمة بشكل مطلق، بناءً على سيناريو يماثل ما حدث في حمص قبل عامين أو أكثر.

 

نجاح النظام وحلفائه لا يتوقف -فحسب- على مدى القدرات العسكرية، وإنما يرتبط -أيضًا- بقبول الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري بتوجه كهذا، دون أن نغفل الخيارات المتاحة للمعارضة العسكرية؛ لتعطيل تلك الخطط، بشرط ألا تتجاوز الأخيرة الخطوط الحمراء، المتفق عليها من المجتمع الدولي الذي مازال في إطار إدارة الصراع، وعدم الدخول في مراحل متقدمة لإنتاج حلول جذرية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق