قضايا المجتمع

طريق الموت إلى تركيا: شبكات منظّمة تتاجر بأوجاع السوريين

شكَّل قرار الحكومة التركية، القاضي بإغلاق المعابر البرية مع سورية، والذي ترافق مع تشديد كبير من “الجندرمة” التركية على الحدود؛ لمنع دخول اللاجئين، مشكلة جديدة، فاقمت الوضع المأساوي المتردي -أصلًا- للمواطنين السورين، والتي شكّلت تركيا لهم ملاذًا آمنًا طوال فترة الثورة، ومع تزايد حجم القتل والدمار الذي تسبب به الطيران الروسي، المساند لقوات النظام، والذي تزامن مع تقدم ما يسمى بـ “قوات سورية الديمقراطية”، في ة مناطق عدة من الشمال السوري، على حساب تنظيم الدولة الإسلامية، وفصائل الثورة في ريف حلب الشمالي، ازداد عدد النازحين باتجاه الحدود التركية، بشكل كبير جدًا، في محاولة منهم للدخول إلى تركيا؛ بحثًا عن ملاذٍ آمن من آلة القتل والدمار، ليصطدموا بتشديد كبير من السلطات التركية، التي لم تتوانى عن إطلاق النار على أي شخص يحاول تجاوز الحدود بطريقة غير شرعية.

 

إن هذا الوضع الجديد خلق واقعًا جديدًا في الشمال السوري، وحلقة جديدة في مسلسل المأساة السورية، فحوادث القتل المتكررة من قبل “الجندرمة” التركية، لمواطنين سوريين حاولوا عبور الحدود التركية، بطرق غير مشروعة، أصبحت شيئًا مألوفًا، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية وإهانة من يتم اعتقالهم أثناء محاولتهم عبور الحدود، والنتيجة كانت انتشار ظاهرة تهريب البشر عبر الحدود بشكل كبير جدًا، بما تحمله -في طياتها- من استغلال معاناة الناس وآلامهم؛ حيث يروي مواطنون سوريون قصصًا مأساوية عن تجربتهم المريرة في تجاوز الحدود، واستغلال المهربين السوريين إخوتهم السوريين، أمام مرأى، إن لم نقل بإشراف، قوى ثورية، كان من المفترض أنها التحقت بالثورة لحماية الشعب السوري من الظلم وامتهان كرامته.

 

يتحدث أبو شادي لـ جيرون عن تجربته المريرة مع عائلته المكونة من 8 أفراد، خلال عبوره إلى الأراضي التركية، والرجل شبه مشلول؛ فلا يستطيع المشي بشكل طبيعي، نتيجة مشاكل عصبية في قدميه، فيقول: “إن ما حدث معي -خلال تجربتي في تجاوز الحدود- شيءٌ لا يمكن نسيانه، فمنذ مغادرتنا منطقة جرابلس، باتجاه مناطق أعزاز، بدأت معاناتنا؛ فتجاوز مناطق سيطرة “داعش” إلى مناطق سيطرة الجيش الحر، كان عن طريق مهربين، وذلك بعد دفع مبالغ معينة لتأمين طريق تهريب، بعيدًا عن أعين عناصر تنظيم “داعش”، وعند وصولنا إلى مناطق الجيش الحر، عوملنا بشكل سيء، بحجة التحقق من عدم انتمائنا لتنظيم “داعش”، مكثنا -بعدئذ- عدة أيام في أعزاز، على أمل الدخول من معبر باب السلامة، لكن المبالغ التي طُلبت منا كانت فلكية، وخاصة لعائلة كبيرة مثل عائلتي، توجهنا بعد ذلك إلى محافظة إدلب، وبالتحديد إلى قرية خربة الجوز، وهناك مكثنا أكثر من 15 يومًا في العراء، بانتظار وعود المهربين بتأمين طريق آمن للعبور إلى تركيا، وفي محاولتي الأولى، التي كلفت 400 دولار لكل شخص من عائلتي، أمسك بنا عناصر “الجندرمة” بعد أن قطعنا كيلومترات عدة داخل الأراضي التركية، وتعرضنا للضرب والإهانة، وتمت إعادتنا -صباحًا- إلى الأراضي السورية، وعندما  طلبنا من المهرب إعادة المبلغ الذي دفعناه أبى، بحجة عدم مسؤوليته عن إرجاعنا من قبل “الجندرمة”، وعلى الرغم من وعوده بأن هذا المبلغ لرشوة عناصر “الجندرمة”؛ لغض الطرف عن دخولنا، وبعد عدة أيام، أعدنا المحاولة واستطعنا بصعوبة بالغة، وبكثير من الحظ تجاوز الحدود، لنصل إلى بيت في إحدى المزارع، حيث تم تجميعنا هناك، ودخل علينا شخص سوري طلب منا مبلغ 500 ليرة تركية من كل عائلة وإلا سيقوم بإبلاغ “الجندرمة” عن وجودنا، ليتم نقلنا -بعد ذلك- إلى مدينة الريحانية، وكوننا لا نحمل بطاقة “الكملك” التركية، وهو ما قد يعرضنا للاعتقال، على يد دوريات الشرطة التركية المنتشرة بين المدن التركية، طلبت من الشخص الذي قام بنقلنا إلى مدينة الريحانية سيارة أجرة؛ ليقلنا وعائلتي إلى مدينة غازي عينتاب، وطلب مني مبلغ  1600 ليرة تركية، وهو مبلغ كبير جدًا، لكن لم يكن لدي خيار آخر، لكن بعد مسير استغرق أقل من ساعة، طلب منا السائق النزول، وعندما قلت له: إنني دفعت مبلغ 1600 ليرة تركية، قال بأنه لم يستلم سوى مبلغ 200 ليرة تركية”.

 

أما أبو عثمان من مدينة منبج، فقد تحدث لـ جيرون عن تجربة دخوله إلى تركيا، قائلًا: “في أعزاز الدخول عن طريق التهريب شبه مستحيل؛ لأن “الجندرمة” تطلق النار -بشكل مباشر- على أي شخص يحاول الدخول؛ لذلك قررت الذهاب إلى محافظة إدلب، وهناك التقيت بعدة مهربين، وجميعهم يتحدثون عن اتفاقهم مع “الجندرمة” التركية، وأن الطريق آمن للتهريب، لكن حقيقةً كلهم يكذبون، فكل ما يقال عن شراء الطريق ورشوة الجندرمة كلام كاذب، وهذا ما لاحظته من خلال تفاوت المبالغ بين الناس الذين كانوا معنا في أثناء عبور الحدود؛ فالذين يدفعون مبالغ قليلة يرسلونهم أولًا؛ كي يستكشفوا بهم الطريق، فإن لاحقتهم “الجندرمة” يرسلون الذين دفعوا مبلغًا أكبر؛ للدخول عبر طريق آخر أكثر أمنًا. أما بخصوص إرجاع المبالغ للذين لم يستطيعوا الدخول، فمرهون بمدى معرفة الشخص جهة عسكرية، تستطيع إلزام المهربين بإعادة المبلغ، وإلا فإن المهرب يرفض إعادة المبلغ”. وعن طريقة دخوله إلى تركيا قال:” يوجد معبر غير رسمي لمن لديه “كملك” تركي، ويقيم في تركيا، يستطيع الدخول إلى سورية والعودة خلال 15 يوم، من خلال إذن رسمي من السلطات التركية، يقوم المهربون بتزوير “كملك” وإذن للشخص الراغب بالدخول بشكل آمن، بعد دفع مبلغ يصل إلى ألف دولار للشخص الواحد، وهو ما قمت بفعله، وأثناء دخولي إلى تركيا شاهدت مئات المواطنين السورين محتجزين في 3 “هنغارات” تابعة “للجندرمة”، من أجل إعادتهم إلى الأراضي السورية عبر المعبر غير الرسمي نفسه”.

 

أمام هذا الواقع المأساوي، تقف كل مؤسسات المعارضة السورية، بما فيها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والحكومة السورية الموقتة، موقف المتفرج والعاجز؛ ليهدد هذا الموقف مشروعيتها في أن تكون ممثلًا للشعب السوري الثائر، في حين يُحمّل كثيرٌ من المواطنين الفصائل العسكرية الموجودة في المنطقة، مسؤولية ضبط تجاوزات المهربين الذين يلقون بأبناء شعبهم إلى حتفهم، من أجل مكاسب مادية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق