سورية الآن

هل يصبح أشرف ريفي محور مرحلة سياسية قادمة

جاء فوز قائمة قرار طرابلس في الانتخابات البلدية التي جرت -أخيرًا- في لبنان، بمنزلة الإعلان عن شخصية سياسية لبنانية جديدة، تمثلت بشخص اللواء أشرف ريفي، حيث حصلت قائمته على 18 مقعدًا من أصل 24، مقابل قائمة مدعومة من تيار المستقبل ونجيب ميقاتي، وفيصل كرامي والجماعة الإسلامية وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية، وغير ذلك من مكونات طرابلسية، وربما هذه النتائج في طرابلس التي يُنظر لها كعاصمة ثانية، تعطينا مؤشرًا على توجه سياسي مقبل، قد يغير من التركيبة الحالية، ويساهم في تظهير وجوه سياسية جديدة وتغييب وجوه أخرى.

 

ومن خلال تسليط بعض الضوء على تطور الحالة السياسية اللبنانية الخاصة بتيار المستقبل، كونه الثقل الأساسي في طرابلس، يمكننا أن نفهم التبدلات التي جرت، وكذلك المقبلة على المشهد السياسي اللبناني برمته، ولتعود بنا الأحداث إلى الرابع عشر من شباط/ فبراير عام 2005؛ إذ ما بين وجه بيروت الشاخص بعيني الأمل نحو المستقبل، ووجه بيروت الذي يحاول أن يشيح النظر عن ماض أليم، فيه صور لحرب دموية لم ترحم أحدًا، دوى صوت الانفجار الرهيب على مسافة قريبة من بحرها؛ لتتالى الأخبار وتعلن اغتيال رئيس وزراء لبنان، رفيق الحريري، وعدد آخر من الضحايا، حيث امتزجت سحب السياسة الداكنة مع سحب الدخان الأسود؛ لتعلن أيضًا -مع اغتيال الرجل- تبدل وجه لبنان كل لبنان، توقع بعضهم -حينئذ- تغير وجه الشرق، كل الشرق.

 

القرار الدولي 1559 ومقدمات اغتيال الرئيس الحريري

لم يكن صعبًا على المتابعين للشأن العام وقتها، وتطور الحالة اللبنانية وصعود ملف الوجود السوري في لبنان إلى السطح، مع تصاعد لهجة العديد من الزعماء المحليين، وقدرة الرئيس الحريري على نسج تحالفات داخلية من خلال تدوير الزوايا بما يخدم رؤيته، كما عُدّ زعيمًا سنيًا معتدلًا، يقود مشروعًا وطنيًا لبنانيًا، إضافة إلى أن الرجل كسب احترامًا دوليًا مهمًا، كل ذلك جعل المتابعين يعلنون اتهامهم المباشر لنظام الأسد،  بشار الأسد على وجه التحديد، مضافًا إليه منظومته الأمنية الممتدة من إيران إلى لبنان، حيث الذراع الأهم، والخبير -أيضًا- في العمليات الخاصة، ألا وهو حزب الله.

 

لا شك في أن صدور القرار الدولي الشهير 1559 عن مجلس الأمن، في 13 أيلول/ سبتمبر عام 2004، أي قبل الاغتيال بأشهر بسيطة، والذي يدعو إلى انسحاب القوات الأجنبية -كافة- من لبنان، وحل جميع الميليشيات المحلية والأجنبية، وبسط سيطرة الحكومة اللبنانية على الأراضي اللبنانية كافة، وإجراء انتخابات رئاسية، دون تدخلات خارجية، ساهم بتحريك الملف اللبناني، ويُذكَر -هنا- أن الخلاف كان محتدًا في الشارع وفي البرلمان، حول التمديد للرئيس إميل لحود، حيث اعتبرت في حينها سابقة سياسية ودستورية خطرة في لبنان.

 

بعد عملية الاغتيال، تتابعت حالة الاستقطاب الداخلي، بشكلها الحاد، حتى نهاية شهر شباط/ فبراير، والنصف الأول من آذار/ مارس، وهنا برزت مجموعة القوى السياسية التي انحازت -مباشرة- إلى النظام السوري، وعلى رأسها حزب الله وحركة أمل، مع بعض الأحزاب الصغيرة، وقد عملت -بشكل واضح وحثيث- لحشد جمهورها في 8 آذار/ مارس، بساحة رياض الصلح، ولتعلن شكرها للأسد ونظامه، ورغبت حينها أن تغطي على ما كان يُعد من قبل تيار المستقبل وحلفائه في تجمّع في 14 آذار، فيأتي هذا التجمع المهيب، ويعلن جل قادة لبنان -حينئذ- اتهامهم لبشار الأسد ونظامه باغتيال رفيق الحريري.

 

جاء هذا الاغتيال الذي وصف بالزلزال، ليعطي توصيفات جديدة للمشهد اللبناني، وعليه فما حصل بعد الاغتيال، وعلى الرغم من وجود بعض الشخصيات المحلية من بقية الطوائف اللبنانية، إلى جانب حاضنة حزب الله وحركة أمل، لكن بقي التيار الأساسي، هنا هو الشيعية السياسية، مقابل طوائف لبنان المجتمعة في ساحة الشهداء، أي: ما سمي بـ 14 آذار.

 

تيار المستقبل والثورة السورية

سطع نجم سعد الحريري وريثًا سياسيًّا لمشروع والده، وتعاطف معه عدد كبير من اللبنانيين، واستفاد من الأضواء المسلطة على ذلك الحدث الجلل في اغتيال والده، وخاصة أن خصمه شخصية كحسن نصر الله، بما يمثله تحت صفة المقاومة، مضافًا إليها بشار الأسد وريث حافظ الأسد في سورية، فقد أخذ سعد الحريري زخمًا إعلاميًا وسياسيًا بشكل واضح وكبير، ولكن الرجل لم يكتشف مدى الدهاء السياسي لدى خصومه، ومدى قدرتهم على التلاعب بالمصطلحات، وأيضًا بالجغرافيا والأمن الإقليمي، ومدى ترابط تلك الشبكة التي نسجوها في كامل منطقة الشرق الأوسط، من خلال الصفقات الأمنيّة التي يمكن أن يقدّموها -دوليًا- إلى ما يسمى بملف الإرهاب والتنظيمات المحسوبة عليه.

 

تشكّلت المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري، ودخلت في لعبة الوقت والمماحكة غير المجدية، ودخلت باب الصفقات السياسية على ما يبدو، أثناء ذلك دخل الحريري في لعبة التوازنات المحلية والإقليمية، واضطر لمصالحة بشار الأسد في قصره بدمشق، وربما كانت زيارته للأسد هي النكسة السياسية الأبرز.

 

ثم جاءت الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، ولا شك في أن موقف تيار المستقبل كان داعمًا لها بشكل واضح، ولكن ومع تدخل حزب الله السافر والمباشر في سورية وتلك الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين، ومع تعطيله الحياة السياسية اللبنانية، وتقديم خدماته للمشروع الإيراني على حساب المشاريع الوطنية، بقي تيار المستقبل يتلاعب بالألفاظ السياسية التي لا تقدّم ولا تؤخّر، وبقي سلبيًا حتى مع محاصرة حزب الله للاجئين السوريين ومساعدة الجيش اللبناني له، وهذا جعل العديد من اللبنانيين يشعرون بالخيبة، والسنّة بشكل خاص أصبحوا يشعرون بمرارة وجودهم كأتباع غير مؤثرين لا بالملفات الداخلية ولا بالإقليمية.

 

ريفي ومشروعه السياسي

من هنا يمكن القول إن موقف اللواء أشرف ريفي في موضوع محاكمة الوزير ميشال سماحة، وتحدّيه مواقف حزب الله على أكثر من صعيد، وما عبّر عنه من مواقف أيضًا حول اغتيال العقيد وسام الحسن، رئيس فرع المعلومات عام 2012، حيث كان حينها اللواء أشرف ريفي مديرًا عامًا لقوى الأمن الداخلي اللبناني، وكان داعمًا للحسن، وقد يكون ما قاله ريفي في ذكرى اغتيال الحسن -في ما بعد- معبرًا عن توجهه السياسي؛ حيث قال: “لقد اعتبر بعضهم أن طريق القدس تمر عبر الزبداني، وأثبتت الوقائع الميدانية أن الزبداني كانت ستالينغراد السورية، ومنها بدأ العد العكسي. عزيزي وسام تشهد الساحات السورية تطورات جديدة، ولم أدخل في التنظير حول الدور الروسي الجديد، وأقل ما يمكنني أن أقوله إنه لم يبدأ هذا الدور إلا عندما فشل المشروع الإيراني في سورية”.

 

بعد تلك النتائج الانتخابية التي حصدها ريفي، أعلن أن مشروعه القادم هو السياسة، وهنا يأتي السؤال: ترى هل سيكون ريفي أقوى من تلك التوازنات الداخلية والخارجية، وهل سيشكل فريقه السياسي، أم ستجبره التوازنات نفسها، المدعومة دوليًّا، على الدخول في لعبتها السياسية المقروءة سلفًا، والتي ستؤثر حكمًا على شعبيته؟ ربما ليس في السياسة تكهنات واضحة، لكن وقوفه في وجه كل تلك الأسماء العتيدة بطرابلس قد تجعل الآخرين يحتاجونه أكثر ما يحتاجهم؛ ولهذا ربما يستطيع الرجل التأثير في المشهد السياسي اللبناني المقبل، في وقت مازال سعد الحريري مترددًا في المواقف، وطموحه الواضح -حتى الآن- هو الجلوس إلى طاولة مفاوضات، تضمه وخصومه، دون الاستفادة من تجارب الماضي التي لم يحترمها الخصوم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق