أبحاث ودراسات

الانقلاب التركي الفاشل والدروس المستفادة

كانت ليلة الخامس عشر من تموز/ يوليو الجاري، ليلًة عصيبةً، ومفصليةً، في تاريخ تركيا الحديث؛ فقد قام ضباط من رتب مختلفة، ومن تشكيلات عسكرية متنوعة، بمحاولة انقلاب عسكري، تركّزت في أنقرة وإسطنبول، وامتدت تداعياتها إلى مدنٍ أخرى، وهاجم الانقلابيون جوًّا وبرًّا، مؤسّسات الدولة الحيوية، ومراكز القرار فيها، حيث قصفت طائراتهم -أوّل ما قصفت- مقرّ البرلمان التركي، رمز الديمقراطية التركية. لكنّ نزول الملايين من الشعب التركي، إلى شوارع كافّة المدن التركية وساحاتها، أفشل الانقلاب بعد ساعات قليلة على انطلاقته، وقدم للشعوب الطامحة إلى نظم حكم ديمقراطية، دروسًا بليغة يجدر الوقوف عندها، وقراءتها، بعيدًا من الانحيازات، والمواقف المسبقة، المبنية على انقسام طائفيّ، أو قوميّ، أو أيديولوجي.

 
أولًا: حول الانقلاب التركي الفاشل
 
يختلف هذا الانقلاب عن الانقلابات الأربعة التي سبقته، وما كان لها من أثر سلبيّ، في مسيرة تركيا الحديثة، وتطورها. فهو لم يكن انقلابًا مؤسّسيًا؛ ذلك أن وزارة الدفاع، وهيئة الأركان العامة، والمجلس العسكري الأعلى، لم تكن على علمٍ به، حيث تبيّن لاحقًا، أن مركز ثقل الانقلابيين، كان في قيادة القوى الجوية.

 

إن الانتشار الواسع لقوى الانقلاب وعناصره بين قطعات الجيش التركي، والرابط الخيطي الذي كان يجمعهم، صعّب من اكتشاف أمره بصورة مبكرة، غير أن المستجدات التي أحاطت به من جهة، وخشية افتضاح أمره في اللحظات الأخيرة من جهة أخرى، أملى على الانقلابيين تقديم ساعة الصفر، وسرعة التحرك في التنفيذ، عبر قرارٍ بدا أنه كان عفويًا ومتسرعًا، وأتى في سياق حسابات مغلوطة، إلى حدٍّ كبير؛ ذلك أنه من غير المعقول، أن يكون التخطيط لعمل بهذا الحجم، وفي دولة مثل تركيا، وليد لحظته.

ولعل من بين الحسابات تلك؛ قراءة الانقلابيين الاستدارة التركية الأخيرة، بإعادة ترتيب علاقاتها مع كل من روسيا وإسرائيل، على أنها دليل ضعف وضيق.

 

بعد ساعة من بدء الانقلاب، وظهور أردوغان على شاشة هاتف نقال في إسطنبول، ودعوته الشعب التركي إلى النزول إلى الشوارع، والدفاع عن الديمقراطية؛ تقاطرت الملايين إلى شوارع المدن التركية الرئيىسة وساحاتها، خاصةً في إسطنبول، التي تُعدّ ساحة الحسم، بحكم ثقلها السكاني، والاقتصادي، والتاريخي. عند هذه اللحظة؛ بدأت بوادر الفشل تتضح شيئًا فشيئًا.

 

نزل الشعب التركي إلى الشوارع والساحات، وطوّق الدبابات، وفكّ الحصار عن مطار إسطنبول، وجسري البوسفور والفاتح، وهذا ما شكّل العامل الحاسم في إفشال الانقلاب. لقد دافع الأتراك عن حكومتهم الشرعية، وتجربتهم الديمقراطية وحكمهم المدني، وعن الإنجازات التي تحقّقت لهم، عبر هذه المسيرة، في مستوى معيشتهم، وفي مجال الحريات العامة والخاصة، وعبروا عن رفضهم القاطع للحكم العسكري، الذي اكتووا بناره أكثر من مرة.

 

لكن، أيضًا، كان ملاحظًا الدور الكبير للمخابرات في إفشال الانقلاب، فهل دافعت المخابرات فعلًا عن الديمقراطية؟ أم عن حكم حزب العدالة والتنمية؟ أم أن تركيبتها وانسجامها هما مصدر قوتها؟ وفي هذا، يخشى كثيرون، من أن تتحول إلى نواة دولة أمنية، أو أن تشكل خطرًا على الديمقراطية التركية في المستقبل.

 

طالت الاعتقالات الآلاف من الضباط والعسكريين الذين شاركوا، أو اشتُبه في ضلوعهم في هذا الانقلاب، بينهم مئة وستة وعشرون جنرالًا، وامتدت لتطال أيضًا، كثيرًا من العاملين في وزارة الداخلية، وسلك القضاء، وجرى الفصل الموقّت من الوظائف، لآلافٍ أخرى في وزارات الخدمة المدنية، تمهيدًا لمحاكمتهم.

 

تتهم الحكومة التركية “الكيان الموازي” أو “الحكومة الموازية” بتدبير الانقلاب، وهذا الكيان يتبع الداعية الإسلامي فتح الله غولن، المقيم في الولايات المتحدة، والذي يتحدّر من منطقة أرضروم، ويدعو إلى إسلام اجتماعي صوفي، ويرفض العلمانية الأتاتوركية، وتتبع له جامعات، وآلاف المدارس الدينية، وأكثر من مئة مركز ثقافي، داخل تركيا وخارجها، وكذلك وسائل إعلامية مقروءة، ومسموعة، ومرئية. ومن المعروف أنه تحالف -انتخابيًا- مع حزب العدالة والتنمية، المتعايش مع العلمانية قبل عشر سنين، لكن عُرى هذا التحالف انفصمت، منذ العام

2014.

توحي الإجراءات الواسعة، والحازمة، التي اتخذت بحق “الكيان الموازي” وأنصاره؛ حيث أغلقت مدارس، وجامعات، ووسائل إعلامية، بأن الحكومة تريد لهذه المناسبة، أن تكون فرصةً، لاجتثاث هذا التيار، وهي تقدمت بطلب رسمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، لتسليمها زعيمه، كما يريد إردوغان أن يجعل من فشل الانقلاب، فرصةً لتطهير الجيش من المناوئين، سواءً من يتبع منهم الداعية غولن، أم من لديهم حنين إلى مرحلة سيطرة العسكر، وانقلاباتهم المدمرة، وقد قالها صراحة: “إنها مناسبة أمام الجيش التركي لتطهير نفسه”.

 
ثانيًا: الشعب التركي يحافظ على تجربته الديمقراطية
 
لم تنزل الملايين من الشعب التركي، التي لبّت نداء إردوغان، إلى شوارع المدن التركية وساحاتها، دفاعًا عن إردوغان وحزب العدالة والتنمية فحسب، بل دفاعًا عن الشرعية والديمقراطية، وعن الإنجازات التي تحققت لها، سواء في مجال الاقتصاد، أم في مجال الحريات؛ فالجموع التي احتشدت رفعت العلم التركي، ولم ترفع أعلام أحزاب، أو صور زعماء وقادة، كما أنها لم تهتف بحياة أشخاص، وقد شملت أطياف المجتمع التركي بأسره، وأحزابه كافةً، وكان لافتًا إجماع المعارضة التركية، على رفض الانقلاب والحكم العسكري، ولعل قول زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كلشيدار “لقد أمضينا تسعين عامًا، نأتي إلى الحكم عبر الانتخاب، ونغادره، عبر الانتخاب، ولسنا في حاجة إلى حكم عسكري” ذو دلالة بالغة، لا يقل عنها دلالةً، ذلك العجوز الذي افترش الشارع بين الجنود الانقلابيين، صارخًا في وجوههم: “لقد كنت عسكريًا إبان انقلاب إيفرين، ولا أريد أن تعيدوني إلى تلك الذكريات المريرة، أنا ملك تركيا ولست ملكًا لأحدٍ آخر”. لكن، بمقدار ما يبدو هذا الإجماع في ظاهره، على أنه تعزيز لشعبية إردوغان، والأمر يحتمل شيئًا من هذا القبيل؛ إلا أنه سوف يكون حدًا عليه، وعلى نزوعه التفردي في السلطة. فالشعب التركي المطمئن إلى ديمقراطيته، وإنجازاتها، يعي -عمليًا- أنها أبقى من الأشخاص، مهما عظمت أدوارهم. وعليه، فمن غير المتوقع، أن يوافق الأتراك، والأحزاب المعارضة التركية، على تعميم -أو ديمومة- الإجراءات التي اتخذها، أو هدّد باتخاذها، إردوغان والحكومة التركية، بحق الانقلابيين، ومنها إعادة العمل بعقوبة الإعدام، التي ألغيت عام 2004، نزولًا عند شروط الاتحاد الأوربي. وإذا أصَر إردوغان، وحكومته، على المضي في إجراءات انتقامية واسعة النطاق، وطالت من هم خارج المتورطين المباشرين، وإذا استغل هذه اللحظة السياسية، الملائمة له، لتحقيق تطلعاته، بتعديل الدستور، وزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية؛ فمن المؤكد أنه سيرتكب خطأ جسيمًا، سوف يُعيد تركيا إلى الوراء، ويضعها في دائرة الدول الاستبدادية، ويكون الانقلاب الفاشل، قد حقق، بذلك، واحدًا من أهم أهدافه. لكن كلام بن علي يلدريم، في اليوم الرابع بعد الانقلاب، يشي بأن تعميم العقاب الجماعي، هو إجراء موقّت، حين قال: “لن يُظلم أحد في تركيا، وستبقى تركيا بلد العدالة”. ولعلّ ما يؤكد هذا التوجه، أيضًا، أن القرارات التي صدرت عن الاجتماع المشترك، لمجلس الأمن القومي، والحكومة، في 20 تموز/ يوليو 2016، اقتصرت على إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، كما أطلق حتى الآن سراح 2400 معتقلًا، من أصل ثلاثة عشر ألفًا، ممن شملهم الاعتقال.
 
ثالثًا: تركيا الحديثة وتجربة حزب العدالة والتنمية
 
تُعدّ تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، تكثيفًا للتحولات، والتطورات، التي مرّ بها تيّار الإسلام السياسي، في تركيا الحديثة، التي أسسها مصطفى كمال، بعد الحرب العالمية الأولى، بصفتها دولة قومية علمانية، كما يُعدّ إردوغان واحدًا من قادة هذا التيّار، الذي نما ببطء ومعاناة، في ظل هذه الدولة، بدءًا من عدنان مندريس، ومرورًا بتورغوت أوزال، وصولًا إلى نجم الدين أربكان وغيرهم، لكنه امتاز عنهم بالقدرة على الإنجاز، وحسن الإدارة، والالتصاق بالناس، مذ كان حاكمًا لولاية إسطنبول.

 

تتميز تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم، بأنها تصالحت مع القومية التركية، وقبلت علمانية الدولة، وأخذت بليبرالية الاقتصاد، ما مكّنها من تحقيق هذه القفزة الاقتصادية الهائلة، بالدرجة ذاتها، التي حرص فيها الحزب على احترام الحريات، والعملية الانتخابية، وسيادة القانون، وهي بهذا المعنى تجربة وطنية رائدة، ذات مرجعية إسلامية، في عمقها الحضاري، بلا أوهام إمبراطورية.

 

أراد الغرب لتركيا الحديثة، أن تكون جسرًا بينه وبين الشرق الإسلامي، كما أرادها رأس حربة أطلسية، ومصدًا في وجه المدّ الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية، لكن منذ مطلع التسعينيات، بدأت الأمور تتغيّر، خصوصًا أن النخب التركية التي تغرّبت واجهت صدًا من الفضاء الثقافي الأوروبي، ما زال يقف حائلًا دون دخول تركيا إلى الاتحاد، وراحت تنمو هُويةٌ تركيةٌ جديدة ترسم دورًا جديدًا لتركيا يتحدّد ويتناسب مع موقعها الجيوساسي المهم وإمكاناتها وتاريخها، وانداحت رؤى تورغوت أوزال، وبعده تنظيرات أحمد داوود أغلو، حول دواعي وإمكانات الدور الجديد في وسط النخب التركية، وبات ممكنًا ممارسة هذا التوجه في الاقتصاد وفي السياسة.

 

لقد قطعت التجربة التركية في عهد “العدالة والتنمية” شوطًا طويلًا على طريق التقدم، وحققت إنجازات نوعية على جميع الصعد، وغادرت إلى حدّ بعيدٍ الدور الذي أراده لها الغرب، وراحت تتبلور هُوية ثقافية وحضارية تركية جديدة، ذات ملمح إسلامي معتدل، سعت للاندياح في مجالها الحيوي، القريب والبعيد، اعتمادًا على الحامل الاقتصادي، بشكل أساسي. ومن الخلاف حول الدور، تنبع أغلب المشكلات التي تواجه تركيا، في داخلها ومن حولها، لإجبارها على النكوص عن توجهاتها الجديدة، وعليه، يمكن قراءة الانقلاب في أحد وجوهه، من هذه الزاوية.

 
رابعًا: ردّات الفعل الدولية على الانقلاب وتداعياتها
 
يظلّ مفهومًا في عالم الدول الحديثة، عدم التسرع في إعطاء موقفٍ من الانقلاب، قبل أن تتضح الصورة النهائية، وهذا ما فعلته أميركا والدول الأوروبية، على عكس الانفعال الصبياني، لبعض أطراف “حلف المقاومة أو الممانعة”، خاصةً في جانبه السوري، أو الموقف البائس للحكم العسكري في مصر. لكن، بمجرد أن تبيّن فشل الانقلاب، بدأت الدول الغربية تعرب عن رفضها له، وتأييدها للحكومة الشرعية المنتخبة ديمقراطيًا.

 

لم تتوقف الأمور عند هذا الحدّ، بل تتالت التصريحات الغربية التي دانت الإجراءات الحكومية بعد فشل الانقلاب، من اعتقالٍ وطردٍ من الخدمة، وقد رأت أنها جاءت خارج نطاق القانون؛ فقد صرّح وزير الخارجية الفرنسي أن “ما حدث في تركيا، لا يعطي حكومتها صكًا على بياض، لانتهاك حقوق الإنسان”. في الوقت ذاته، صرّحت مفوضة الشؤون الخارجية في الإتحاد الأوروبي، ماغريني، مهددًة “بأن إعادة العمل بعقوبة الإعدام، سيُغلق باب الاتحاد الأوروبي في وجه تركيا، نهائيًّا”. أما ألمانيا، فقد عدّت الاعتقالات عملًا مقززًا، وقريبًا من هذه المواقف، كانت ردّات فعل الولايات المتحدة وروسيا.

 

قد يأخذ بعض المحلّلين على الأوروبيين معاييرهم المزدوجة، تجاه القضايا ذاتها التي تخصّ حقوق الإنسان، بحسب الدولة المعنية، وهنا، تحضر بقوة المقارنة بين مواقفهم المتشددة، والمستنفرة تجاه التصرفات التركية -ما بعد الانقلاب الفاشل- وبين مواقفهم غير المبالية، بل، والمتعامية عما مارسه انقلاب السيسي في مصر، والفظائع التي ارتكبها في حق معارضيه. وإذا كان من غير الممكن للمرء ألّا يتحفظ على هذه الازدواجية في المعايير، كونها تمسّ النسق القيميّ، الذي توصلت إليه البشرية حتى الآن؛ فإنه من المنطقي أيضًا، الأخذ في الحسبان حساسية الأوروبيين، تجاه ما يجري في تركيا، مقارنة بما جرى ويجري في مصر، ذلك أنهم يعدّون تركيا جزءًا من فضائهم القانوني والقيمي، وهي التي أمضت حتى الآن نحو أربعة عقودٍ، من التفاوض معهم، لدخولها الاتحاد الأوروبي، كما أنها عضوُ مؤسِّس في حلف شمال الأطلسي.

 

هذا، ويُلمّح المسؤولون الأتراك، إلى تورط أطراف خارجية، بشكلٍ ما، بدعم الانقلاب، وهذه التلميحات أكثر ما وجهت إلى الولايات المتحدة، وبدرجة أخف إلى فرنسا، التي أغلقت سفارتها في إسطنبول، قبل أيام من الانقلاب، من دون إبداء الأسباب؛ لذلك، سارعت الولايات المتحدة، إلى نفي أي علاقة لها بالانقلابيين، وعرضت المساعدة في التحقيقات، كما حذّرت بأن هذه الظنون التركية تضرّ بالعلاقات الأميركية-التركية.

 

وعلى الرغم من توتر العلاقات التركية مع الأميركان والأوروبيين، في السنوات الأخيرة، على خلفية الصراع الدائر في سورية، وغيره؛ فإنه من المستبعد أن تتورط الولايات المتحدة، أو أيٌ من دول الأطلسي، بعمل من هذا النوع في تركيا، ذلك أن تركيا، بموقعها الإستراتيجي، وإمكاناتها العسكرية، كعضو في الأطلسي، وكذلك ارتباطها بقضية الهجرة التي تقلق الأوروبيين، هي دولة مهمة، وأي تورطٍ من هذا القبيل، سيكون مكلفًا لهم.

لا شك في أن الغرب -عمومًا- لم يعد مرتاحًا لسياسات إردوغان، ولنزوعه الاستقلالي في تركيا، وهو لا يمانع من دحرجته خارج السلطة، لكن، ليس بهذه الطريقة.

 
خامسًا: هل ستتأثر المسألة السورية بالانقلاب التركي؟
 
كان من الطبيعي، أن يسود القلق الشديد، أوساط اللاجئين السورين في تركيا، عندما بدأ الانقلاب، فعددهم فيها يقارب الثلاثة ملايين، وينتشرون في جميع المدن التركية تقريبًا، ولا يقتصر وجودهم على المخيمات، وباتت لدى بعضهم مصالح، ونشاطات، وفاعليات اقتصادية، وهي لبعضهم الآخر محطة انتظار وانطلاق نحو أوروبا، ولعلّ الأهم من ذلك كله، أنها أكبر قاعدة، تمارس فيها المعارضة السورية، وتنظيماتها المدنية بجميع أنواعها، نشاطاتها السياسية والإغاثية والطبية والإعلامية، كما تعدّ ممرًا حيويًا، لإمداداتها العسكرية.

 

تعاملت الحكومة التركية، منذ انطلاقة الثورة السورية، بإيجابية عالية، افتقدتها كثير من الحكومات العربية، وانحازت إلى الثورة، وأبدت حماسًا كبيرًا للتغيير في سورية، فناصبها النظام العداء، كما تسبب لها هذا الانحياز بمشكلات سياسية، وتوتر، في علاقاتها مع حلفائها التاريخيين، من أميركان وأوروبيين، وكذلك مع حلفاء النظام، حيث وصلت إلى حافة الحرب مع روسيا، بعد أن أسقط سلاحها الجوي طائرة روسية، اخترقت مجالها الجوي، نهاية العام الماضي، أما على المستوى الداخلي؛ فلم تكن المعارضة موافقة على الانخراط التركي في القضية السورية، ولا على هذا الاستقبال المفتوح للاجئين، وتداعيات مشكلتهم على العلاقة التركية مع أوروبا، وكان أبرز المعارضين لهذا التوجه، حزب الشعب الجمهوري، ربما لقربه المعهود من النظام السوري.

 

لا شك في أن تركيا، تحملت أعباءً ثقيلًة، سياسية ومادية، تجاه اللاجئين السوريين والمعارضة السورية، وكان من الطبيعي، أن يولّد هذا نوعًا من الحساسية في أنفس بعض الأتراك، لكن، لو قُيّض لهذا الانقلاب أن ينجح؛ لربما تأثرت حياة اللاجئين هناك بشكلٍ سلبي، ولحوصر نشاط المعارضة، أو أُبعدت، وقُطعت طرق إمداداتها، وربما تموضعت تركيا في موقع مغاير من الصراع. أما وأن الانقلاب قد فشل؛ فمن غير المتوقع أن يطرأ تغيير في المواقف التركية، ولا في سياساتها، اللهم إلا في حدود ما قد تقتضيه إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية، كالتي بدأتها أخيرًا.

 
سادسًا: دروس للسوريين
 
كان السوريون أكثر المعنيين والمتابعين للحدث التركي. الموالون راودتهم، بانفعال مفضوح، أحلام صيفية قصيرة بنجاح الانقلاب، وسقوط تجربة “العدالة والتنمية”، والإطاحة بإردوغان، ففي أكثر من مكان رُفعت صور الجنرال أوزتورك، قائد الانقلاب المفترض، وأُضيئت السماء في سائر المدن والقرى والبلدات، في المنطقة التي يسيطر عليها النظام، وشهدت إطلاق الأعيرة النارية الغزير، احتفاءً بالحدث. أما في الطرف الآخر؛ فقد ساد الخوف من نجاح الانقلاب، وتَجرّعِ اللاجئون والمعارضة تداعياته المرَة.

 

لكن، وبعد أن فشل الانقلاب، وتبدّد الخوف؛ فإنه من الجدير بالسوريين جميعًا، على تنوعهم واختلافهم، التمعّن مليًا في الدرس التركي، والإفادة منه بما يخدم مستقبل سورية وشعبها، وبما يُتيح لهم فرصة أن يكونوا مواطنين، في دولة وطنية حديثة، ومجتمع ديمقراطي تعددي، وبما يمكّنهم من إعادة بناء وطن، مزقته ولاءاتهم الما قبل وطنية، وانحيازاتهم الأيديولوجية، وأخذت تهدِّده بالضياع.

 

  • لعل الدرس الأول يعني الإسلاميين، وتيار الإسلام السياسي السوري على وجه الخصوص، ذلك أن حزب العدالة والتنمية، الحاكم لثلاث دورات انتخابية على التوالي، هو حزب إسلامي، قَبِـل علمانية الدولة التركية، وتعايش معها، ولم يسعَ لأسلمة الدولة، ولا المجتمع التركيين، ولم يحاول التغوّل، والاستحواذ عليها، عبر السلطة التي يُمسك بها، كما فعل البعث في سورية والعراق على سبيل المثال، وكما كاد أن يفعل الإخوان المسلمون في مصر، بعد تبوّئهم الرئاسة عبر انتخابات ديمقراطية، وبعد أن رفضوا نصائح إردوغان لهم، بإرساء علمانية الدولة، لو أُتيحت لهم الفرصة. فهل يتفكّر الإخوان المسلمون السوريون في هذه التجربة الإسلامية الفريدة، وفي كل هذه الأمور، كونهم يغذّون السعي للسلطة منذ عقود، ويعملون على مغادرة فردانيتهم المدمرة، وأحيانًا براغماتيتهم المنفرة؟
  • الأكراد السوريون هم بدورهم معنيون بالوقوف عند الحدث التركي، فحزب الشعوب الديمقراطية التركي، وقف في مواجهة الانقلاب، وهو الذي يعدّ الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني الـ pkkالذي يخوض بدوره حربًا ضروسًا، منذ ثلاثة عقود، مع الدولة التركية، كذلك فعلت بقية القوى الكردية، والمواطنون الأكراد في تركيا، الذين وقفوا إلى جانب الديمقراطية، التي تتيح لهم فرصًا أفضل، للفوز بحقوقهم، مقارنة بحكم عسكري، سبق أن أذاقهم الويلات. في حين أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري الـ pyd، وهو الفرع السوري لـلـ   pkk التركي، أعلن فدرالية، وحكمًا ذاتيًا من طرف واحد، في مناطق سيطرته، في محاولة منه لفرض أمر واقع على السوريين، وعلى مستقبل سورية، وفي استغلال لرياحٍ مواتية، يعتقد واهمًا أن السياسة الأميركية توفرها له، كفرصة سانحة، فراح يقتل، ويهجر المدنيين من العرب، ومن الأكراد المناوئين له، بل، واستقبل أكثر من ألفٍ، من العسكريين الأتراك الهاربين من بلدهم بعد فشل الانقلاب. فهل يعيد الـpyd خاصةّ، والقوى الكردية الأخرى عامةً، حساباتهم الخاطئة، ويشاركون مواطنيهم السوريين، في بناء مستقبل سورية الديمقراطي، الذي خرجت الثورة من أجله؟
  • يُكثر المسؤولون الأتراك بعد فشل الانقلاب، من الحديث عن إعادة هيكلة الجيش تلافيًا للثغرات، في آلية تنظيمه، وتراتبيته العسكرية، وهو الجيش الذي ألقى انقلابيوه أسلحتهم، ورفضوا قتل المدنيين، الذين أحاطوا بهم، لأنّ جيشًا يتحلى بالمسؤولية، وبالعقيدة الوطنية، لا يقتل مواطنيه، فلعلّ في هذا درسًا للسوريين، عندما سيعيدون هيكلة جيشهم، وفق مقتضيات الحلّ السياسي المطروح، أو سواه، يفيدهم في إرساء عقيدة قتالية جديدة له، تقوم على فكرة الدفاع عن الوطن؛ ذلك أن الجيش السوري، الذي قتل مئات الألوف من السوريين، في جميع المناطق التي اجتاحها، لم يقم بهذا تنفيذًا لأوامر قيادته العليا فحسب، بل لأن عقيدته التي تربى عليها، وهي مؤسسة في الدستور السوري، حدّدت مهمته بـ “حماية الثورة “، وهنا لا يهم أن يكون ” أعداءالثورة”- افتراضًا كانوا أم واقعًا- من مواطنيهم في الداخل، أم من الطامعين في الخارج!
  • أكد الحدث التركي، أن البشر يدافعون عادة عن مكتسباتهم الحقيقية وإنجازاتهم، أكثر مما يدافعون عن أوهام، وشعارات، وديمقراطيات، بقيت في الحيّز الإيديولوجي.
  • في هذه المناسبة، يمكن الوقوف، أيضًا، عند مواقف كثيرٍ من المعلقين، أو الباحثين المنحازين إلى الثورة السورية، من سوريين وغير سوريين، الذين يهاجمون إردوغان، وحكومته، لعدم التدخل في سورية من أجل نصرة الشعب السوري، ويتجاهل هؤلاء أن تركيا دولة أطلسية، وهي حليفة للولايات المتحدة، التي تتّخذ مواقف وسياسات مغايرة تجاه المسألة السورية، ويتجاهلون كيف أن الولايات المتحدة، عمدت إلى خذلان تركيا، في موقفها إلى جانب الشعب السوري، وإلى لجم مواقفها، كما لجمت مواقف دولٍ غيرها أيضًا.
  • يُرجّح أن تستطيع تركيا تجاوز أزمتها الراهنة، وتطويق تداعيات الانقلاب، بفضل إرادة شعبها، وحرصه على التجربة الديمقراطية. أما مستقبل تركيا الديمقراطي واستقرارها، فإن ضمانته تتحدّد في القدرة على التعامل مع الواقع، وتعقيداته، بمزيدٍ من الحكمة والانفتاح، وبنبذ روحيّة الثأر والانتقام، وباحترام سيادة القانون.
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق