مقالات الرأي

فلسطين (بوصلتهم).. لكن ضد حرية الشعب السوري!

 

استخدم الحكام العرب، كما العدد الأكبر من الأحزاب السياسية، إن لم يكن جميعها، القضية الفلسطينية، والقهر والعذاب الذي تعرض له الفلسطينيون منذ 1948 فصاعدًا، لاستقطاب تأييد مختلف الشرائح في البلاد العربية، وفي مشرقها تحديدًا. ولقد انطلى ذلك على الفلسطينيين أنفسهم في البداية، أما وأن هذا الاستخدام قد واجه أكثر من اختبار، تبين من خلاله حالة الانفصام بين الخطاب الدعائي الإعلامي وبين السلوك العملي، حتى أن بعض الأنظمة (القومية) مضت في طريق قمع الفلسطينيين، ومحاولة مصادرة إرادتهم، فبدأت الخديعة تلك تتصدع وتتكشف عن أهداف لا علاقة لها بفلسطين.

جاء الاختبار السوري، اختبار وضعته الثورة الشعبية السورية، ليظهر الاستخدام الأسوأ لاسم فلسطين وللتجمعات الفلسطينية داخل سوريا، حين سعى النظام لوصم ثورة الحرية في سوريا بأنها نقيض للقضية الفلسطينية، و”للصمود والممانعة والمقاومة” بوجه إسرائيل. ولو توقف ذلك على دعاية وتضليل النظام لكان ذلك أقل شرًا وضررًا، أما وأن عددًا كبيرًا من (النخب اليسارية والقومية)، في سوريا والبلاد الأخرى، جعلت من ذلك الادعاء مبررها للوقوف ضد الثورة وضد انتصار الحرية، تحت ذريعة “فلسطين هي البوصلة”، فإن فلسطين هنا وعلى أيدي هؤلاء، وضعت سلاحًا بيد النظام ليفتك ويبطش بالشعب السوري، وليدمر البلد على كافة الصعد.

لا تتوقف هذه المشكلة الخطيرة عند دائرة النظام وتوابعه وملحقاته من تيارات كانت تدعي اليسارية والوطنية والقومية والعداء لإسرائيل وأميركا. فالأكثر ضررًا وإساءة للشعب السوري وثورته، وللفلسطينيين وقضيتهم، أن عددًا ليس قليلًا من (النخب) الفلسطينية، كتاب وشعراء وسياسيين، ركَبوا مواقفهم على ظهر (البوصلة)، وأطلقوا على مركوبهم هذا اسم فلسطين، والصمود والممانعة. وكأنهم أصدروا حكمهم، منذ آذار/ مارس 2011، على ثورة الحرية بأنها تخدم العدو الإسرائيلي، وبالتالي فهم يقولون هنا إن نظام الأسد يقف مع القضية الفلسطينية، ويقوم بدوره في المواجهة مع إسرائيل، وذلك محض ضلال، سواء بتاريخ علاقة الأسد الأب بالقضية الفلسطينية، ومحاولته المتواصلة لاستثمار النضال الفلسطيني، بإخضاع مواقف قياداته لأجندات نظامه، التي في مقدمتها، استكمال السيطرة الفئوية المطلقة على مقدرات البلد، وقمع كل صوت انتقادي أو معارض، أو بسلوك الابن في سنوات الثورة ومنذ بدايتها، فكثيرًا ما صرح المتحكمون بالقرار السياسي والاقتصادي، أن إضعاف النظام أو سقوطه سوف يلحق الأذى بإسرائيل، في رسالة واضحة منهم تطلب من إسرائيل حمايتهم.

في سنوات الثورة قدم النظام وحلفاؤه الإقليميون، حزب الله تحديدًا، أفضل الخدمات لإسرائيل، ضد “فلسطين البوصلة”، فماذا يسمى إهدار النظام لطاقته الصاروخية، تارة بتبديدها في قصف المدن السورية، وهي صواريخ بعيدة المدى (باليستية)، وتارة أخرى بالسماح لإسرائيل بتدمير المخزونات الكبيرة منها في القلمون وحمص وعلى أطراف مطار دمشق، وفي الساحل السوري. ورغم أن السلاح الكيماوي المحرم دوليًا، ولا يقبل كل عاقل باستخدامه في الحروب الخارجية، قام النظام بتسليمه بعد أن استخدمه ضد السوريين في أكثر من مدينة ومنطقة، وهو ما شكّل عامل اطمئنان لأمن إسرائيل. وبالأساس كان الحصول عليه من أموال واقتصاديات البلد. وماذا نسمي اتهام النظام لفصائل الثورة المسلحة في الجبهتين الغربية والجنوبية، بأنها تطلق القذائف على إسرائيل، ليستدرج أعمالًا عسكرية منها ضد مواقع الثورة.

أساسًا، ألا يخدم ذلك التدمير الشامل للبنية (الوطنية) للجيش السوري، في زجه بالكامل، ومنذ الشهر الثاني للثورة، ليقاتل ضد المواطنين العزل، مما أدى لتدمير بنيته العددية والتسليحية واللوجستية، وصولًا إلى الكشف عن هويته الفئوية الطائفية، الذي عبرت عنه تلك الوحشية التي قامت بها ألويته ووحداته في كل أنحاء سوريا. وعبر أكثر من محلل وخبير إسرائيلي عن الاطمئنان الكامل على الجبهة الشمالية لإسرائيل، موضحين ما لحق بسوريا وسلاحها من دمار وخراب. وعلينا ألا ننسى تلك الخطوة الرمزية التي أهداها بشار الأسد لإسرائيل عبر حليفه الروسي بوتين، بتسليم الدبابة الإسرائيلية (الميركافا) لإسرائيل، وهي كانت قد سقطت بأيدي مقاتلين فلسطينيين في السلطان يعقوب، في البقاع اللبناني في نهايات حرب1982 على لبنان، وسلموها للسلطات السورية.

ذلك غيض من فيض عن دعاة “البوصلة”، أما الحليف الأول ميدانيًا لسلطة بشار الأسد، حزب الله، فما قام به بعد إذعانه لإسرائيل في نهاية حرب 2006، على لبنان، أن أعاد تأهيل قواه العسكرية واللوجستية، للوضع اللبناني الداخلي أولا، ولتنفيذ المهام الموكل بها في الإقليم، من مركز القرار في طهران. فكان انخراطه عسكريًا في الحرب ضد الشعب السوري، وأرسل طلائع قواته المدربة والمسلحة جيدًا إلى الأراضي السورية، وترك الجنوب والبقاع مكشوفين لأي عمل إسرائيلي ضد لبنان، وأقله أن طمأن إسرائيل أمنيا في جبهة الجنوب، وكان ادعاؤه في البداية أنه ذهب لحماية المراقد الدينية في سوريا، وثم أعلن صراحة أنه يخوض حرب الدفاع عن حلف “المقاومة والممانعة” ضد “مؤامرة أميركية” وبالتالي هي مؤامرة تخدم إسرائيل.

تلقى حزب الله ضربات إسرائيلية نالت من السلاح الإيراني المرسل له من طهران، وفي المناطق السورية المحاذية للحدود مع لبنان، ولم يحرك ساكنًا، مكتفيًا بتصريحات نارية، واتهامات للثورة السورية بأنها تتلقى الدعم من إسرائيل. كما اغتالت إسرائيل عددًا من رجالات الحزب وقياداته الميدانية، كان آخرهم سمير القنطار. وألقى الحزب بقواته في القتال ضد المخيمات في سوريا، اليرموك وحندرات ودرعا. وأوقف كل نشاط مسلح له ضد إسرائيل منذ 2006، واستمر هكذا خلال سنوات الثورة السورية.

هكذا انكشف الوجه الحقيقي للحزب، وسقطت بوصلة فلسطين وتحطمت منذ أن صار “طريق فلسطين” يمر عبر تصدير القتل للمدن والبلدات السورية، من القصير والزبداني إلى حلب وإدلب.

المؤسف أن قيادات من الفصائل الفلسطينية، ليس فقط العميلة للنظام السوري، بل وجبهات اليسار، ورموز في السلطة الفلسطينية، استمر بعضها في التحالف مع نظام الأسد، وبعضها في التدليس له، فضلًا عن توجيه اللوم في المسؤولية عما لحق بالفلسطينيين من قتل وتهجير واغتيال واختطاف وتدمير، إلى الثورة والمعارضة. ومع الأسف لا يمكن وصف قيادات الفلسطينيين بهذا الخصوص سوى بالخسة والنذالة، بحق الفلسطينيين والسوريين. ولم يجرؤ أحد من تلك القيادات على القول، للنظام وتحالفه الإجرامي:

إن ما يقومون به جريمة ضد فلسطين، القضية، والشعب. ويكفيهم ادعاءاً بأنهم يعملون من أجل فلسطين. لقد تركوا التحالف الدكتاتوري الفاشي – الإيراني – الحزب اللهي، يقتل السوريين والفلسطينيين ويدمر حياتهم ويهجرهم، ويستمرون في الادعاء أن فلسطين هي “البوصلة”!

مقالات ذات صلة

إغلاق