قضايا المجتمع

السوريون في لبنان: قصة آلام وأوجاع

يتكبد اللاجئ السوري في لبنان أعباء نفسية كثيرة، أبرزها الفقر والعجز، في الوقت الذي يستمر فيه لبنان في اتخاذ قرارات بحقه، تقوض إمكاناته في البقاء، وتحد من أبواب الرزق لديه، حيث قالت منظمة (هيومان رايتس ووتش) في تقرير لها، رصد حالة السوري في لبنان، حتى نهاية عام 2105 إن “70% من اللاجئين السوريين في لبنان، يعيشون تحت خط الفقر”.

كما قالت في تقرير نشرته المنظمة، في 19 تموز/ يوليو 2016، إن “أكثر من نصف الأطفال السوريين في لبنان، والبالغ عددهم 500 ألف تقريبًا، لا يحصلون على تعليم رسمي، تعترف به الحكومة اللبنانية”، وذلك، نتيجة مدخول أهاليهم المحدود، وسياسات الحكومة اللبنانية المجحفة، بحق إقامة اللاجئين السوريين على أراضيها.

وبحسب مصادر حكومية لبنانية، فإن نحو 18% من اللاجئين السوريين في لبنان، يعيشون في 1400 مخيم عشوائي، موزعين في البلاد، في حين أن 82% منهم، منتشرون في معظم أنحاء لبنان، ويبلغ عدد السوريين في لبنان نحو مليون و700 ألف لاجئ.

مخيمات بأموال اللاجئين الفقراء والمُستَغلّين

يقول عبد الله الطويل، الناشط الإنساني، ومنسق فريق شباب الإحسان التطوعي في لبنان، في مقابلة مع (جيرون)، إن معظم المخيمات الموجودة في لبنان “هي مخيمات عشوائية، حيث قامت مجموعة عائلات جمعها الفقر والشقاء، باستئجار أرض بمبلغ سنوي، وأنشؤوا المخيمات على نفقتهم الخاصة”.

وأكد الطويل: أن الوضع “ليس كما تتصوره الأغلبية، من أن المخيمات تابعة لمنظمات، وأنها منحت مجانا. بالعكس؛ فأغلب المخيمات تم إنشاؤها بنفقة أصحابها، وتبلغ تكلفة الخيمة الواحدة بين 600 و1200 دولار، ويدفع ساكنو الخيمة بعد إنشائها أجرة شهرية للأرض، تتراوح بين 30 و75 دولار”.

أبو لؤي، لاجئ سوري في لبنان، وأب لـثلاثة أطفال، أكد لـ (جيرون) أن “كثيرًا من السوريين، الذين التقاهم في المخيمات، يدفعون أجرًا شهريًا لصاحب الأرض، مقابل بقائهم في خيمتهم، مضيفًا أن هذه الخيم مصنوعة من هيكل خشبي، وغطاء من البلاستيك، لا يقي حرّ الصيف، ولا يرد برد الشتاء”.

وأكد الطويل قول أبو لؤي، موضّحًا أن هذه الخيم معرضة جدًا للاحتراق، وحدث هذا في كثير من المخيمات، كما أنه في الشتاء تُحاصر الثلوج الخيم، وتشل الحركة، خصوصًا أن معظم المخيمات، تم إنشاؤها في مناطق بعيدة عن السكن.

وأكد كثير من اللاجئين الذين التقتهم (جيرون)، أن بعض السوريين الذين لا يملكون (أجرة) إقامتهم في الخيم، يضطرون للقيام بأعمال مجانية لصالح صاحب الأرض، التي أُقيمت عليها الخيمة، وذلك إذا ما أخذنا في الحسبان؛ أن المساعدات الأممية لكل لاجئ سوري في المخيمات تبلغ نحو 17 دولارًا أمريكيًا فقط في الشهر. ولأن لبنان أصدر حزمة قوانين مجحفة بحق السوري، الذي يريد أن يعمل في البلاد؛ فقد لجأ إلى العمل بعيدًا عن أعين الحكومة اللبنانية، وبأجور زهيدة تصل إلى خمسة دولارات في اليوم.

طالبت (هيومان رايتس ووتش) في 19 حزيران/ يونيو 2016، الحكومة اللبنانية، بمراجعة شروط الإقامة، والسماح للذين انتهت إقامتهم بتجديدها، وتفعيل (إعلان النوايا)، الذي قدمته في مؤتمر المانحين في لندن، في شباط/ فبراير هذا العام، ومراجعة الأطر الناظمة، لإجازات عمل السوريين في لبنان، ومازال السوريون في انتظار استجابة الحكومة اللبنانية لطلب المنظمة.

أطفال بلا مدارس، وأهل لا حيلة لهم

يوجد في لبنان، بحسب الإحصائيات الرسمية، أكثر من 500 ألف طفل سوري لاجئ، تتراوح أعمارهم بين 3 و18 سنة، في حين قالت وزارة التربية اللبنانية: إن عدد الأطفال غير اللبنانيين المسجلين في المدارس، للعام الدراسي 2015 – 2016، لم يتجاوز 158 ألف طفل.

وعلى الرغم من أن لبنان يقدم التعليم للأطفال السوريين مجانًا؛ إلا أن أكثر الأهالي لا يستطيعون تأمين ثمن المواصلات لأطفالهم، والذي يبلغ 20 دولارًا، للطفل الواحد شهريًا، في حين أن آخرين من ذوي الأطفال، لا يملكون حتى ثمن القرطاسية لأطفالهم.

عبد الله الطويل، قال: “إنه على الرغم من أن الأمم المتحدة -عبر منظمات أوروبية- تقدم التعليم للكثير من المناطق؛ لكن ضعف الإمكانات المادية، يمنع معظم الأهالي من إرسال أطفالهم إلى المدارس”، موضّحًا أن هذه الحالة، أدت إلى “ظهور حالات تطوع، من شباب ونساء، لتقديم التعليم داخل الخيم، للتعويض عن هذا النقص”.

في حالات كثيرة، دفع سوء الحال بالأطفال إلى العمل بدل الدراسة، فأصبح المتجول، في كثير من القرى والمدن اللبنانية، يرى الأطفال السوريين يبيعون المحارم، الحلويات، والبسكويت، من أجل بضعة دولارات يعودون بها إلى أهلهم آخر النهار.

ويضيف الطويل: إن منطقة عرسال الحدودية مع سوريا، تحتضن وحدها، أكثر من 2000 طفل سوري يتيم، لا معيل لهم، مرجّحًا أن يصل إجمالي الأطفال السوريين اليتامى في لبنان، إلى 15 ألف طفل.

أمل، تبلغ من العمر 33 عامًا، وأمٌّ لطفلين، قالت لـ (جيرون): “طفلاي في سن الدراسة، وأنا لا أستطيع إرسالهم إلى المدرسة، لا أملك ثمن ملابس لهم، فكيف لي أن أحتمل تكاليف النقل”، مؤكّدةً أن بعض الأسر التي لا معيل لها، أرسلت أطفالها إلى العمل بدل الدراسة. وقالت: “لولا أطفال تلك الأسر؛ لمات أفرادها من الجوع، فالرجال غالبيتهم بلا عمل، نتيجة القوانين الصارمة التي وضعتها الحكومة اللبنانية من جهة، ونتيجة الخوف من الاعتقال والتسفير التعسفي إلى سوريا في حال عملوا من دون تصريح رسمي، من جهة ثانية”.

وفي السياق ذاته، طالبت منظمة (هيومان رايتس ووتش)، في تقريرها الصادر يوم 19 تموز/ يوليو من العام الجاري، الحكومة اللبنانية بضمان “تنفيذ جيد لسياسته الإيجابية، لإلحاق الأطفال السوريين بالمدارس، ومحاسبة المتورطين بالعنف في المدارس، بما في ذلك العقاب البدني. وأكّدت أنّ على وزارة التربية، السماح للمنظمات غير الحكومية، تأمين برامج تربوية غير رسمية، ذات جودة عالية، إلى أن يصبح التعليم الرسمي متاحًا، لجميع الأطفال في البلد”.

خوف من الموت وانتكاسات نفسية

لم يتخلص السوري في لبنان من (خوف الموت)، بعد هروبه من بلاده، التي لم يدخر فيها النظام السوري أي وسيلة قتل، إلا واستخدمها ضد الشعب السوري، الذي لا ذنب له إلا المطالبة بالحرية والكرامة، بل بات الخوف من الموت في لبنان مضاعفًا، حيث لا يدري الشخص أين سيُدفن بعد موته، ولا يدري إن كانت عائلته ستتمكن من دفع التكاليف اللازمة لمواراته تحت التراب أم لا.

يقول سوريون التقتهم (جيرون): إن الموت بات مصيبة تعصف بالسوري وعائلته، ولاسيما أن الأهالي يجدون صعوبة بالغة، في إيجاد أماكن يدفنون فيها موتاهم، منوهين إلى أنه في أكثر الأحيان “يضطر الأهل إلى دفع رشاوى للبنانيين، أو يدفعهم العوز إلى التذلل لأشخاص من أجل مساعدتهم، في الحصول على مكان يدفنون فيه موتاهم”.

يؤكد الطويل، أن هناك عددًا قليلًا جدًا من المقابر، التي تستقبل جثامين السوريين، أغلبها في مدينة طرابلس شمال لبنان”، وتابع: “رأيت بعيني حالة وفاة، اضطر أهل الفقيد فيها إلى نقله من بيروت إلى طرابلس، من أجل أن يدفنوه هناك، وعلينا ألا ننسى أن كلفة القبر الواحد مع الكفن تتجاوز الـ 200 دولار، وهو رقم ليس بالسهل على كثير من السوريين أن يدخروه”.

من بين المصائب التي تعصف بالسوري هناك أيضًا المشاكل النفسية، والتي ظهرت نتيجة ظروف عديدة، لعل أبرزها الفقر، والعوز، وانعدام الحيلة، فضلًا عن واقع الحال المأساوي الذي يعيشه، ويقول الطويل: إن هناك حالات من الأمراض النفسية، باتت تظهر بين السوريين، مثل الفصام، والاكتئاب، والجنوح للانتحار، وكل ذلك بسبب الحال المأساوية التي يعيشها السوريون.

وأشعلت لاجئة سورية النار في ملابسها، في آذار/ مارس من عام 2014, محاوِلةً الانتحار أمام مركز للأمم المتحدة شمال لبنان، وعلى مرأى أولادها الأربعة، وذلك بسبب شعورها باليأس إزاء عجزها، عن تأمين مساعدات غذائية لعائلتها.

كما أقدم الشاب السوري حسن رابح، في حزيران/ يونيو من عام 2016، على الانتحار في العاصمة بيروت، حيث ألقى بنفسه من شرفة الشقة التي كان ضيفًا فيها، وذلك بسبب انهيار وضعه المادي، وانعدام الفرص المتاحة أمامه.

وعلى الرغم من كل المآسي؛ يقول السوريون: إن هناك كثيرًا من اللبنانيين، ليسوا راضين عن تصرفات الحكومة، ولا السلوك العنصري لبعض اللبنانيين بحق السوريين، مؤكدين أن وجود هذه الأصوات، وسط هذا الواقع السيء، يبعث في النفس الأمل بتغيرات مستقبلية، يدفع إليها اللبنانيون أنفسهم، من خلال مسيراتهم وحملاتهم الإعلامية، التي تؤكد أن الشعب السوري هو أخ للشعب اللبناني، وأن لبنان هو موطن السوري، إلى أن تنال بلاده الحرية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق