قضايا المجتمع

السفارات الأوروبية ورحلة البحث عن الغد الضائع

على أبواب السفارات، يشهد السوريون عذابات من شكل جديد، أُسر سورية تنتظر اللقاء، بعد لأيٍ وعناء، وأمهات يحملن أفئدتهن على أياديهن، في عواصم جديدة، لم يكن يخطر أنهن قد يطأنها يومًا.
تلك الصور التي تراها، وأنت تمرّ أمام سفارات الدول الأوروبية، وتشهد في عيون الناس اندلاع الوجع، وهم يتصيدون بارقة أمل في عيون الخارجين من امتحانات جديدة، فرضتها عليهم قسوة الحياة.

أمام تلك السفارات، أطفال يحدّقون في أسوار السفارات العالية، والأبواب المزوّدة بأجهزة الإنذار، يحاولون أن يلتقطوا صورة لغد أجمل، يعيشون في كنفها، بصحبة جميع أحبّتهم، دون أن يكون بث الإنترنت هو ما يجمعهم بهؤلاء.

عند البوابة الخارجية للسفارة السويدية في أنقرة، تجلس امرأة سبعينية مثقلة بهموم، بادية في قسماتها المتعبة، مع ثلاثة أطفال وابنتها الشابة، يتكئ الأطفال الثلاثة على السور الحجري للسفارة، وعيونهم متسمرة، ترصد الباب الذي سيُفتح؛ ليشرع أمامهم بوابة جديدة للحياة، بوابة تجمعهم بأمهم التي غادرتهم قبل عام ونصف العام.

الجدة التي أنهكتها الرحلة الطويلة من مرسين إلى أنقرة، ترصد الباب أيضًا، بعينين متوسلتين إلى موظفي الأمن في السفارة، ولسانها يلهج بالدعاء، أملًا في أن تمضي المقابلة على خير، وأن يجتمع الأطفال بأمهم التي آثرت أن تخوض رحلة الموت غرقًا وحدها، بعبور ذلك الحيّز الصغير من البحر اللئيم، البحر المليء بالفخاخ، فخ خفر السواحل التركية الذي قد يعيدك إلى حيث جئت، وفخ القراصنة الذين قد يلقونك في قاع البحر، دون أن يتردد أحدهم ليسأل نفسه كم من الأطفال قد تركت خلفك! وكذلك فخ الغرق؛ لأنك تورطت في شراء سترة مغشوشة، أو ركبت في قارب متهالك، لا يقوى على حمل شخصين؛ فإذا به يمتلئ بخمسين شخصًا باحثين عن فرصة حياة خارج ثلاجة الشرق التي تجمّد الأرواح والعقول، وتستنزف كل ما يمكن استنزافه.

داخل مبنى السفارة، وتحت أنظار موظفي أمن السفارة، وأجهزة مراقبتها اللئيمة، يبدأ أطفالي الثلاثة بالتساؤل عن موعد لقائهم بوالدهم، وعن الطائرة التي ستحملهم إلى السويد، ويسألني طفلي الصغير عن الغرفة التي سيرى والده فيها؛ فأكتم أنفاسي، وأحاول أن أُلطّف أجوبتي؛ كيلا يصاب الصغير بالصدمة ، إذ ما زال لا يعي أن الطريق ما زال طويلًا وشاقًا.
يتعامل صغيري مع والده على أنه كائن فضائي؛ فهو لا يدرك أن والده الذي غادره قبل أن يبلغ عامه الثالث، جزء من العائلة، ولا يتذكر أننا كنا نعيش سويًا، حتى أنه ذات مرة سأل والده عبر “سكايب”: “ألن تعرّفني إلى ابنك؛ ليلعب معي”! ليس بمقدوري أن أنسى الدموع التي انسابت -حينئذ- من عيوننا كلينا، واستغراب ولديّ الآخرين من جهل أخيهم بهذا الرابط المقدس.

وكما طفلي، ثمّة أطفال كثر يحاولون تهجئة مفردات الحياة؛ ليفهموا معنى الطلاسم التي تحيطهم، أطفال نصادفهم في الشوارع بأطراف مبتورة، وأشخاص يجوبون شوارع تركيا، وهم بالكاد يرون أمامهم، فشظايا الموت أفقدتهم عينًا، أو يدًا، أو تركتهم عاجزين عن السمع، محاولين أن يستقرئوا الشفاه، علهم يجدون من يتمكن من فهمهم.

كثير من هؤلاء الأطفال، ممن نجوا من اختبار الموت غرقًا في البحر، ولكنهم لم ينجوا من اختبار انتظار الغد المختبئ خلف أسوار السفارة، غد لا يغصّون فيه، عندما يتحدث صديقهم عن رحلته مع والده، ولا يخالجهم الخوف من كل حادثة لأنهم وحدهم.

داخل السفارة، تتحدّث إليّ شابة، وهي تلهث عقب كل كلمة تتفوّه بها، تسألني عن الامتحان، ما إذا كان صعبًا، وتحدّثني عن فضول طفلي الذي كان يحاول أن يستكشف معالم المكان، حينما كنت في غرفة المقابلة، وتضع يدها على بطنها الصغير، تحدّثني عن حضورها – منذ أشهر عدة- من سورية وحدها؛ لتتزوج من شريك حياتها، وعن “الفيزا” التي منعته من معايشة تفاصيل حملها بجنينها الأول الذي اكتشفت أمره بعد سفره، وعن حلمها بألا يولد طفلها بعيدًا عن والده.

تنحدر من عينيها القلقتين دمعتان، فتقول لي: “أنا وحدي -تمامًا- هنا في أنقرة، أتحمّل كلّ أعباء الحياة وحدي، وما زال الجنين يناضل في أحشائي؛ علّه يتمكّن من الخروج إلى النور هناك في كنف أبيه!”.

أُدخِل أطفالي، واحدًا تلو الآخر إلى المقابلة، أكتشف الكمّ الهائل من الخسارات التي خسروها، الكبير يستحضر ذكرى سورية بمرارة كبيرة، ولعثمة عند ذكر كلّ ما مرّ به فيها من أهوال، أما الصغيران، فلا يكاد اسم سورية يعني لهما شيئًا، ولا يذكران عن أقاربنا فيها شيئًا، لا يحملان في فؤاديهما الصغيرين سوى آمال بأيام تعوّضهما عن كلّ لحظة أمان فقداها في الماضي.
نُنهي المقابلة خارجين من البوابة الحديدية المتوحشة، ينظر أطفالي في عينيّ مباشرة، معبرين عن خيبة أملهم؛ فوالدهم لم يكن بانتظارهم كما تخيلوا، ولا الطائرة التي ستنقلهم إليه واقفة هناك كما توهّموا.

عند الباب الخارجي، سماسرة يتصيّدون الناس الباحثين عن بصيص أمل للقاء، يستنزفون أموالهم كما تستنزف السفارات أحلامهم، أنظار معلّقة بوجوه موظفي الأمن في السفارة، تستقرئ ملامحهم الخالية من أي تعبير، وتنتظر اللحظة التي ستنطق بأسمائهم؛ كي يجرّبوا حظهم بأنفسهم.
نخرج من الباب الخارجي جميعًا، أنا وأطفالي والشابة الحبلى، يهرع طفلي الأصغر إليها، يحتضن بطنها الصغير، ويسترق السمع إلى نبضات قلب الجنين، ثم يجهش بالبكاء، بينما تتألم الأم من الحركة الفوضوية للجنين في أحشائها.

مقالات ذات صلة

إغلاق