تحقيقات وتقارير سياسية

فوضى السلاح في السلَمية: الشبيحة يحيون الأفراح و(الليالي الملاح)

مع توارد الأنباء الأولى عن الانقلاب العسكري الذي قامت به قوات في الجيش التركي ضد نظام الرئيس المنتخَب رجب طيب أردوغان وحكومة (حزب العدالة والتنمية) في أنقرة، بدا السوريون منقسمون كما هو حالهم منذ عام 2011 تجاه ما يحدث في (الجارة الشمالية). وهو انقسام يستمد واقعه وراهنيته من الانقسام الحاصل أساسًا على خلفية الموقف من نظام بشار الأسد، خصوصًا وأنّ البلد الذي حصل فيه الانقلاب المذكور يحتضن نحو ثلاثة ملايين لاجئ سوري في أراضيه، جلّهم هاربون من بطش النظام وبراميله ونيرانه واعتقالات أجهزته الأمنية وميليشياته. وبالإضافة إلى ذلك، هو أيضًا بلدٌ يبدو مجالًا سياسيًا للشرائح الموالية لنظام الأسد لتفسير كل شيء بــاستسهال (المؤامرة على سوريا). وتُعتبر سرديات (المؤامرة) كــغطاء لإجرام سوري حاصل، هي ما يمكن أن يكون مجالًا لرصد بعض السلوكيات في مناطق سورية تقع تحت سيطرة قوات النظام وأجهزته وحلفائه. مدينة السلَمية هي الحيز الجغرافي الذي سيتم تناوله في هذا المقال.

ميليشيات السلَمية: دولة ضمن النظام

في لحظات الانقلاب الأولى، تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي العامة الموالية للنظام في المدينة (وفي سوريا عمومًا)، أخبار الانقلاب في تركيا قبل إعلان فشله. وضجت المدينة بإطلاق نار كثيف ظن بعض السكان معه أن هجومًا أو محاولة اقتحام للمدنية من قبل داعش أو غيره تحصل في تلك الساعة.

اعتاد الناس في المدينة على الأجواء الاحتفالية وإطلاق الرصاص لساعات في أوقات متأخرة من الليل وأوقات مبكرة من النهار في المدينة بين الفينة والأخرى، كما حصل بعد إعلان نتائج الثانوية العامة، وبعد خروج المنتخب التركي من بطولة أمم أوربا لكرة القدم لهذا العام، ونتائج الشهادة الإعدادية التي قضى في احتفاليتها الأستاذ والمدرّس القدير عدنان الجرف بــ (رصاصة طائشة) من أحد المحتفلين في ميليشيات (الدفاع الوطني) بنجاح أحد أقربائه. يضاف إلى ذلك ما يرافق خطابات أمين عام (حزب الله) ورئيس النظام السوري من جبهات واستعراضات تفتح نيرانها على السماء السورية الزرقاء التي تغلّف (سقف الوطن)، ولا يَندر أن يرتطم المقذوف بذلك السقف ويسقط على رأس أحد المدنيين.

لم تُخفِ الصفحات الموالية للنظام في السلَمية احتفاءها “(الفيسبوكي) بالانقلاب، من المنشورات وصولًا إلى تعليقات المريدين الذين لا يعرف معظمهم، كما نرجّح، شيئًا عن طبيعة النظام السياسي في تركيا وعلاقة الجيش المتقلّب مع حكومات حزب العدالة والتنمية. فرضيات المؤامرة التي يقودها أردوغان، ومن قبله (بندر بن سلطان) تستدعي الاحتفاء بــ “سقوط طاغية تركيا”، وتعزيز ذلك السقوط بعبارات مثل “وزعوا الحلويات، الجيش يتسلم السلطة في تركيا”.

والحال، أن استلام الجيش، أي جيش، للسلطة، هو مما يغري نمط التفكير الدائر في فلك نظام الأسد بتوزيع الحلوى، وطبعًا إطلاق النار في الهواء في ساعات متأخرة تجعل مؤيدين للأسد وجيشه في المدينة ومعارضين له في حالة رعب وترقب لساعات، حتى بعد أن فشل الانقلاب. صفحات مؤيدة أُخرى طالبت بعدم إطلاق النار لأن “رصاصك يا عزيزي المقاتل البطل في الجيش العربي السوري له وظيفة مختلفة عن إطلاقه وإهداره في الهواء” بالرغم من أن الشعب السوري “يستحق أن يفرح بهذا الانقلاب على من خرب سوريا وفتح الحدود أمام الدواعش ونهب خيراتنا ومعاملنا” وخصوصًا بعد أن تأكد لــ (فسابكة) محور (الصمود والتصدي) في السلَمية أن “أردوغان هرب من وجه العدالة بعد سيطرة الجيش التركي على البلاد”.

عمومًا، ليست محطة الانقلاب التركي وتداعياتها في مدينة السلَمية، والتي اختُتمت بمسيرة سريعة للشبيحة على الدراجات النارية، سوى مثال ومناسبة للحديث عن حالات الرعب التي يعيشها أبناء المدينة جراء استعراض السلاح اليومي فيها، والذي يتضافر مع تقاسم المدينة من قبل ميليشيات متعددة الولاءات الطائفية والمافيوية. يعزي ناشطون معارضون في المدينة ذلك إلى تراجع مقصود للنظام بسلطاته الكلاسيكية من جيش ومخابرات لصالح ما يعرف بــ (الدفاع الوطني)، وهي التسمية الملطَّفة لميليشات اللجان الشعبية، وخصوصًا أن الجيش يخوض معارك في مناطق ساخنة ليست السلَمية من بينها.

النظام بنمط سيطرته المعروف وسلطاته (التقليدية)، لم يعد فاعلًا اليوم في السلَمية كما كان من قبل، وبقرار منه، ذلك أنه نقل سلطة العسكر فيها من يد مخابراته بمفارزها الأربعة في المدينة والتي كان يوكل إليها اعتقال وتعذيب وخطف الناشطين المعارضين وقمع المتظاهرين في بدايات الثورة، إلى ميليشيات الدفاع الوطني ومراكز نفوذ وميليشات غيرها وُجدت منذ بداية الثورة على أساس طائفي أساسًا، وبرعاية النظام الذي ارتاح اليوم عمليًا من وجود معارضة ومعارضين علنيين، ومن أي نشاط معارض فاعل في المدينة بعد سلسلة من الضربات وحملات الاعتقال والاختطاف، وبعد أن وصلت السلَمية ووصلت سوريا عمومًا إلى ما وصلت إليه اليوم.

معظم الموجودين النافذين في ميليشيات الدفاع الوطني وقوات الشبيحة في المدينة هم ممن كانوا بلا أي دور إيجابي في محيطهم، وأتاح لهم نظام الأسد – كما أتاح لغيرهم في مناطق سورية تحت سيطرته – فرصة التنمّر على المدنيين عمومًا وعلى المعارضين خصوصًا، وهذا ما يتبدى في انتشار حالات الخطف والقتل وإطلاق النار في وضح النهار وساعات متأخرة في الليل، في إثبات حضور كان مفقودًا جراء غياب أي جدارة أو استعداد للاندماج في المجتمع بشكل طبيعي، إضافة إلى ما أتاحه اندلاع الثورة السورية من صعود هذه الفئات بولائها للسلطة وعرض خدماتها (الجلية) والتي باركها النظام في مناطقه، وهو يتفرغ لحرب من نوع آخر على المناطق التي لا تقع تحت سيطرته.

إطلاق نار، خطف، ترهيب، تقنين الخدمات وموارد الحياة من مياه وسط ارتفاع كبير للأسعار وفصل للمدينة عن ريفها الحيوي بفعل حواجز اللجان الشعبية، واحتقان أهلي تجاوز المجال السياسي وأخذ يفرّغ بعض الشحنات في صيغة اعتصامات واعتراض على الوضع المزري في المدينة، مع وعود مجانية طبعًا بالحد من الخطف والترهيب اليومي ومحاسبة المتورطين بالجرائم، وتلويح بالورقة التكفيرية التي تحيط بالسلَمية كمدينة أقليات وتقترب منها بين الفينة والأخرى، ممثلة بــ (داعش).

(تعفيش) الريف الشرقي على إيقاع (حماية الأقليات)

يشهد ريف السلمية الشرقي والشمالي – الشرقي منذ أكثر من سنتين محاولات من تنظيم (داعش) لاقتحام بعض قراه، على ما حصل مؤخرًا مع قرية (المفكّر)، ومحاولات اختراق محيط قرية (تلتوت). وتتزامن تلك المحاولات التي فشل معظمها لأسباب مختلفة آخرها بالطبع (بطولات) الشبيحة، مع اشتباكات بين التنظيم وقوات ما يعرف بــ (الدفاع الوطني في السلَمية). أحد المسؤولين في حاجز للدفاع الوطني في الريف الشرقي جاء إلى قرية تلتوت قبل أيام منبهًا الأهالي بأن (داعش) في طريقه إليها بعد سقوط معظم الحواجز المحيطة بيد التنظيم، ومطالبًا إياهم بالرحيل. الرحيل في هذه الحالة يعني (تعفيش) القرية على يد قوات (الدفاع الوطني) والجيش المتواجدة في المنطقة، بقدر ما يعني وصول (داعش) إليها، إن صح، مجزرة مروعة لا تزال قرية المبعوجة شاهدة عليها. سبق ذلك بثلاثة أعوام عمليات سرقة ونهب، (تعفيش)، لقرى في الريف الشرقي على يد ميليشيات الشبيحة قبل دخول (داعش) إليها، على ما حصل في قرية (أم ميل) مثلًا.

يفتح شبيحة المدينة ودفاعها الوطني جبهتين في آن معًا، الأولى في الريف الشرقي في القتال والاشتباكات مع (داعش)، وجبهة خطف وترويع في قلب المدينة التي تقطنها بالغالب الطائفة الاسماعيلية، يتخلل الجبهة (الداخلية) تلك، احتفالات أشبه بالحرب لمناسبة نجاح مدرسي أو جنازة لامرأة تسعينية، أو بسقوط مأمول لأردوغان في تركيا، وسط انتشار وتوفر للسلاح بدرجة تفوق توافر المياه أو الكهرباء وحاجات الحياة اليومية التي تؤمن للبشر حياة كريمة. وعليه، يعلّق أحد الناشطين في المدينة قائلًا “الحالة في المدينة مزرية، وكرامات الناس وحياتهم اليومية وأحوالها تستدعي بالطبع من العصابات المنتشرة والقابضة على المدينة الاحتفال وإطلاق النار فرحًا بانقلاب. من الغريب فعلًا أن يؤيدوا ويحتفوا بالانقلاب العسكري في تركيا، وخصوصًا أن رئيسهم لم يصل إلى الحكم بانقلاب ولم يحقق (إنجازًا) بهذا الحجم. كل ما فعله هو وراثة نظام الانقلاب عن أبيه”.

مقالات ذات صلة

إغلاق