ترجمات

هل ربحت روسيا في سورية؟

  

إن لم يكن توغّل موسكو نصرًا عسكريّا شاملًا، فقد كان نصرًا سياسيًّا

بوتين

 

إنّ استمرار حملة القصف الروسيّة في سورية، ما هو إلّا اعتراف دقيق بأنّ أهدافها العسكريّة لم تتحقّق بعد؛ ففي الوقت الذي يبدو فيه -جليًّا- أنّ التدخّل الروسي ساعد في إدارة دفّة الحرب؛ لصالح نظام الأسد، إلّا أنّه من المهم -أيضًا- عدم المبالغة في تقدير الانتصارات العسكريّة الأخيرة للقوات الموالية للنظام، فعلى النّقيض من التقدّم الميداني الضئيل، الذي حقّقته القوى الموالية للنظام على الأرض، فإنّ التدخّل الروسي قد قام بخطوة عظيمة؛ لتقويض سياسة أميركا الخارجيّة في الحقل الدبلوماسي.

لقد كان الخبراء يتوقّعون سقوط نظام الأسد في كلّ عام، منذ بدء التمرّد ضدّه عام 2011، ولكن، في عام 2015، بدأت الحالة بالتدهور السريع؛ ففي أوّل ثمانية أشهر من ذلك العام، خسر نظام الأسد 18 في المئة من أراضيه، وفي ضوء الزخم القوي الذي أجبر القوات الموالية للأسد على التراجع؛ قرّرت روسيا التدخّل المباشر، بحملة جويّة، كان الهدف من تلك الحملة واضحًا، عكس دفّة الحرب، ومنع سقوط حكومة الأسد. بحلول شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، استطاع التحالف الموالي للأسد، والمكوّن من روسيا وإيران وحزب اللّه، صدّ أعداء الأسد، بل وحتّى كسب مقدار قليل من الأراضي.

على الرغم من آلاف الطلعات الجويّة الروسيّة، فإنّ القوات الموالية للأسد لم تنجح، إلّا في أكثر -بقليل- من تثبيت ومنع سقوط النظام؛ فمنذ أن بدأ التدخّل العسكري الروسي في سورية، في الحادي عشر من كانون الثاني/ يناير 2016، وبحسب موقع 360 IHS Jane’s، فإنّ مقدار الأراضي، تحت سيطرة الحكومة السوريّة، قد زاد بمقدار 1.3 في المئة فقط. وتجدر الإشارة إلى أنّه، و على الرّغم من قول بوتين بأنه أرسل القوات الروسيّة إلى سورية؛ لمحاربة “الدولة الإسلاميّة”، فإنّ الأراضي التي كسبتها الحكومة السوريّة، كانت -جميعها- على حساب قوّات الثورة من غير “الدولة الإسلاميّة”، بل إنّ الحكومة السوريّة قد خسرت – في الواقع- أراضيَ لصالح “الدولة الإسلاميّة”.

من الصحيح بمكان أنْ ليس للأراضي -جميعها- القيمة ذاتها؛ فعلى سبيل المثال، إنّ كسب منطقة محيطة بمدينة كبيرة، كحلب، يُعدّ ذا فائدة استراتيجيّة أهم، و تحدّيًا أكثر شراسة، من كسب الصحراء السوريّة في الشرق، ومن الصحيح -أيضًا- أنّ معظم مكاسب نظام الأسد، منذ بدء التدخّل العسكري الروسي، كانت قد تحقّقت في محيط مدينة حلب، لكن كلّ ما يحتاجه المرء، هو النّظر إلى خريطة ما قبل التدخّل، في تمّوز/ يوليو 2015، و مقارنتها بخريطةٍ مرسومةٍ، تعكس الحقائق على الأرض، بعد ستّة أشهر من التدخّل الروسي، سيُظهر ذلك الصورة الباهتة لكسب الأراضي، من قِبل النظام السوري، الذي استطاع أن يتدبّر أمر صموده، و أكثر من ذلك -فقط- بقليل.

بعيدًا عن ميدان المعركة، فإنّ انتصارات “بوتين” كانت أكثر حسمًا.

أوّلاً، إنّ تدخّل بوتين لمصلحة الأسد قد أضعف مصداقيّة الولايات المتّحدة الأمريكيّة كحليف؛ فقد شاهد مستبدّو المنطقة الرئيس “أوباما”، يطلب من رئيس مصر، حسني مبارك، التنحي، عام 2011، ثمّ شاهدوه لا يبدي حراكًا أمام خلع خليفته، محمّد مرسي، عن كرسي الحكم؛ لذلك، فإنّه من الصعب التصديق بأنّ رئيس مصر، عبد الفتاح السيسي، أو ملك السعوديّة، سلمان بن عبد العزيز،، وعلى الرغم من حقيقة كونهما أهمّ حليفين للولايات المتّحدة في المنطقة، يحتفظان بأيّ وهم عن دعم أميركي لهما، في أوقات الأزمات. وفي هذه الأثناء، برهنت روسيا على إخلاصها لحليفها الوحيد في العالم العربي، عن طريق دعمها المستمر لنظام الأسد، على امتداد سنوات “الحرب الأهليّة” السوريّة، ومن ثمّ تدخّلها لمصلحته. إنّ ذلك وبالتأكيد- يزيد من جاذبيّة روسيا الكامنة، كشريك مستقبلي لأنظمة الشرق الأوسط الاستبداديّة. (من المُجدي -هنا- التذكير بأنّه، باستثناء تونس، لا وجود لديمقراطيّات في العالم العربي.)

ثانيًا، استغلّت روسيا العلاقات الشائكة بين بعض شركاء الولايات المتّحدة في التحالف الذي تقوده ضدّ “الدولة الإسلاميّة”، وأدارتهم ضدّ بعضهم بعضًا، على سبيل المثال: في حالة تركيّا، و”وحدات حماية الشعب الكرديّة (YPG)”، دعم الروس وحدات حماية الشعب الكرديّة، المدعومة من الولايات المتّحدة، ومكّنتها من السيطرة على رقعٍ واسعة من الأراضي، على طول الحدود التركيّة؛ فأزعج هذا الأمر الأتراك؛ لأنّ قوّات “وحدات حماية الشعب” الكرديّة على حدودها، وهي تابعة لفرع من جماعة كرديّة انفصاليّة، تُعرف بالـ “بي.كي.كي”، والتي تعدّها أنقرة منظّمة إرهابيّة؛ وكردّ فعلٍ على ذلك، بدأ الأتراك (حلفاء الولايات المتّحدة) بقصف الأكراد (المدعومين من الولايات المتّحدة)، وتكشّف عن السيناريو ذاته، عندما قامت موسكو بدعم “وحدات حماية الشعب”، في قتالها ضدّ الثوار العرب السنّة، المدعومين من وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة. إذن، وبمساعدة الضربات الجويّة الروسيّة، اصطدمت القوّات المدعومة أميركيًّا ببعضها بعضًا؛ ما جعل إحدى الصحف تعنون: “أميركا في حرب -بالوكالة- مع نفسها في سورية.”

ثالثاً، لقد دحضت المشاركة الروسيّة، في الحرب “الأهلية” السوريّة، الاعتقاد الغربي القائل بأن السياسة الخارجيّة يجب أن تُقاد، ولو بجزءٍ ضئيل منها، وفقاً لمبادئ أخلاقّيّة؛ ففي الوقت الذي كثيرًا ما انتقد فيه “بوتين” الفوضى، التي خلّفتها الرّغبة الأميركيّة باستبدال الأنظمة الاستبداديّة، في العراق وليبيا، بديمقراطيّات، أظهر محاسن الانتهازيّة الوقحة في الحفاظ على الديكتاتوريّات. وفي الحقيقة، من الممكن أن تكون التكلفة المنخفضة، إضافة إلى الاتقان، الذي تمّت به حملة “بوتين”، كانا وراء خيبة أمل حكومة الولايات المتّحدة، والتي على الرغم من إنفاقها مليارات الدولارات على حروب المنطقة، وجهود بناء الديمقراطيّات؛ فإنّها لم تحصل إلّا على القليل من النتائج. علاوةً على ذلك، فما تزال وسائل الإعلام الغربية تُشيد -بإعجاب- بسياسات روسيا الجديدة، والحازمة، في المنطقة، كما لم يدفع “بوتين” أيّ ثمنٍ سياسيّ لقصفه، الخالي من الرحمة، للمستشفيات، بغاية دعم النظام السوري الاستبدادي.

على الرغم من أنّ القوّات الموالية للنظام، قد كسبت مقدارًا ضئيلًا وحسب- من الأراضي السوريّة، منذ بداية التدخّل العسكري، فإنّ مناورات “بوتين” السياسيّة، قد قامت بعملٍ كبير في تقويض السياسة الخارجيّة للولايات المتّحدة الأميركيّة، لكنّ الفشل في التوصّل إلى اتّفاق وقف إطلاق نار، طويل الأمد، بين الجهات المتحاربة، قد يُنهك النّظام السوري المتهالك، ويُجبر روسيا على الاختيار، بين التوقّف عن دعم الأسد، أو الانغماس في الصراع بشكل أكبر والقتال.

إنّ قرار بوتين البدء بحملةٍ جويّة، يشير إلى أنّه تعلّم درسًا واحدًا من تخبّطات سياسة أميركا الشرق أوسطيّة، خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، لكن هل هذه لحظة “انتهاء المهمّة”؟ لنراقب ونرى.

* آري هايشتاين، هو المساعد الخاص لمدير معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل.

 

 

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية Did Russia win in  Syria?
اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية أري هايشتاين

Ari Heistein

مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي The national interest
تاريخ النشر  March 22th 2016
رابط المادة
اسم المترجم أنس عيسى

 

 

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق