هموم ثقافية

المجتمع منظومة المنظومات الرمزية

اتسمت الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في سورية، على مدى أكثر من نصف قرن، بانعدام الإمكانية الجذرية للتواصل الاجتماعي، والتبادل الثقافي، والتذاوت بين مواطنات حرائر ومواطنين أحرار، مستقلات ومستقلين عن الروابط الأولية، ومرجعياتها الثقافية.

أحد أسباب ذلك هو انعدام الإمكانية الجذرية للحوار، باعتباره نشاطًا تواصليًا، وتداولًا للحرية والمعرفة، وتجديدًا للثقافة وارتقاء بها إلى مستوى ثقافة وطنية – إنسانية؛ فاتسعت الهوة بين الحياة الخاصة للأفراد والجماعات، في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية الخاصة، وخلفياتها الثقافية والأخلاقية، وبين حياتهم الإنسانية العامة أو النوعية، في المجتمع والدولة؛ إذ الحياة السياسية، القانونية والأخلاقية، هي الحياة النوعية للأفراد والجماعات.

العلاقات الاجتماعية الرأسية، ما قبل المدنية وما قبل الوطنية، والتي تنتج سلطات شخصية مطلقة، مادية ومعنوية، تسيطر على الفضاء العام، والفضاءات الخاصة، ولا تقبل المراجعة والمناقشة والمساءلة، هي التي تديم هذه الهوة في أوقات “الاستقرار” والسلم، وتعمقها في أوقات النزاعات والحروب، فتبقى الجماعات متحاجزة ومتفاصلة، بخلاف العلاقات الأفقية والشبكية، التي تنتج سلطات غير شخصية ومؤسسات عامة، هي الهيكل الأساسي للمجتمع. العلاقات الرأسية والسلطات الشخصية هي التي عطلت، ولا تزال تعطل، إمكانية الاندماج الاجتماعي وتَبلور الهوية الوطنية السورية، وإمكانات التنمية الإنسانية، الاجتماعية – الاقتصادية، والبشرية العادلة والتشاركية، وعطلت، من ثم، إمكانات التحول الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، وأفضت إلى الأزمة. ويمكن القول: إنها عطلت إمكانية تشكل مجتمع تواصلي حديث، من خلال الاحتكار الفعال للسلطة والثروة ومصادر القوة.

الاحتكار الفعال لا يقتصر على احتكار السلطة والثروة، بل يتعداهما إلى احتكار مصادر القوة، أي التنظيمات الاجتماعية والمؤسسات الرسمية كافة، علاوة على احتكار الحقيقة، والسيطرة التامة على الفضاء العام، فالأفكار الفعالة ليست هي الأفكار الصحيحة بالضرورة، بل قد تكون مزيجًا من الأوهام والأساطير والوقائع المؤولة على أساسها والمسماة تاريخًا، وظيفته تحويل التوق والتطلع إلى حنين (نوستالجيا)، واستئناف معارك الماضي وصراعاته في الحاضر. هذان الاحتكار والسيطرة هما أساس التسلط والاستبداد والفساد والإفقار والتهميش، وهدر إنسانية الإنسان السوري ومكانته الاجتماعية وانتهاك كرامته الوطنية، بقتل شخصيته القانونية والأخلاقية، وتشييئه، وتحويله إلى كائن جماهيري، أو “كائن توتاليتاري”، بتعبير حنة أرندت، هو موضوع للسلطة وأداة لتحقيق غاياتها، وما نجم عن ذلك من مظاهر الخوف والعجز والتواكل واللامبالاة، وانعدام الشعور بالمسؤولية، بحسب تحليلات هشام شرابي، وحليم بركات، ومصطفى حجازي، للبنى البطركية المحدثة.

فالبنية التسلطية، التي بيّن خلدون حسن النقيب أهم خصائصها (النقيب، 1996) ، ليست دولة الحزب الواحد أو الحزب القائد فحسب، بل الدولة/ السلطة التي تخترق سائر البنى الاجتماعية، وتعيد تشكيلها، وتجعل منها بنى موازية لأجهزتها، وتلحقها بمسارها (= مسيرتها) وتحولها إلى مجرد قوة كمية أو عددية عمياء، كانت المسيرات المليونية تعبيرها العياني. إن فكرة المسيرة هذه أقرب ما تكون إلى ما يسميه علماء التاريخ الاقتصادي “الاعتماد على المسار”؛ إذ المواقع والمصالح والرؤى والاستراتيجيات التي ينطلق منها الأفراد والجماعات، والتي ينطلق منها المجتمع، يمكن أن تحدد اتجاه السير ونقطة الوصول. والمسار هنا هو المصالح والرؤى والاستراتيجيات التي حددت طبيعة الحياة الاجتماعية –  السياسية، منذ استيلاء الجيش على السلطة، في الثامن من آذار/ مارس 1963، إضافة إلى عملية/ عمليات “إعادة الإنتاج”، بالمعنى الذي بَسَطه بيير بورديو، أي إعادة إنتاج البنى البطركية والتقاليد السلطانية، من خلال نظام التربية والتعليم، ومؤسسات التلقين الأيديولوجي، والتنشئة السياسية؛ وهذا ما يبين أثر العوامل التاريخية عامة، والثقافية خاصة، في ما آلت إليه الأوضاع السورية.

فمن المهم، لفهم التجربة السورية الحديثة، أن نتبين كيف سهل التاريخ بعض المسارات، وأغلق مسارات أخرى، وأن نتبين أثر الهياكل الاجتماعية التقليدية، والمؤسسات التسلطية، التي أُنشئت بمراسيم فوقية، وسُميت منظمات شعبية، وأثر الثقافة “القومية”، والتنشئة السياسية التسلطية، والأخلاق التسلطية، أو سياسات التبعيث، التي اتبعت، منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، في ذلك، علاوة على أثر الضغوط والإملاءات الخارجية؛ فنحن في حاجة إلى معرفة المزيد عن معايير السلوك، المستمدة من الثقافة/ الثقافات السائدة، وكيف تفاعلت مع القواعد الرسمية، أو قواعد السلطة، التي فرضت من “فوق”، ومع المبادئ والقيم، التي “استُعيرت من الخارج”. ولا يمكن التوصل إلى مثل هذه المعرفة، إلا بتتبع مسار التطور التاريخي للتنظيمات الاجتماعية، والمؤسسات الثقافية والسياسية، ونظم التربية والتعليم، وتحليلها ونقدها نقدًا جذريًا يؤسس لإمكانية تجاوزها.

ما من شك في أن الأحداث والوقائع والتفاعلات، التي تنسج التاريخ الاجتماعي، عنيدة، وهي المرجع الرئيس للأحكام والتأويلات، ولكن أفكار الناس وتصوراتهم وأهدافهم وتطلعاتهم ومصالحهم، أكثر عنادًا؛ فللأفكار والتصورات والعقائد قوة، لا يستهان بها، سواء في الهدم والتدمير، أم في البناء والتشييد، وتحسين نوعية الحياة. الأفكار والتصورات والمعاني والقيم والعقائد تفعل، من خلال من أنتجها ومن أنتجوها؛ فتبدو كأنها قوى قائمة بذاتها، ومستقلة بذاتها، مع أن إنتاجها لا ينفصل عن إنتاج شروط الحياة المادية، وإعادة إنتاجها مرة تلو مرة؛ لذلك يمكن القول إن الثقافة ممارسة اجتماعية وسياسية وأخلاقية، لا مجرد ممارسة فكرية وعلمية وأدبية وفنية.

للأفكار والتصورات والمعاني والقيم والعقائد، ونماذج التفكير، والإدراك والتمثُّل والعمل، قدرة تفوق قدرة المنتجات المادية على البقاء، لا في وعي الأفراد وخافيتهم، أو في لاوعيهم فحسب، بل في خافية الحياة الاجتماعية، أو النوعية، إذا جاز التعبير، وقدرة مماثلة على تجاوز حدود المكان والزمان، وممارسة سلطتها وهيمنتها الناعمة على الأفراد والجماعات، وقدرتها على الفعل، من خلالهم، في أمكنة مختلفة وأزمنة مختلفة؛ فلا يمكن، وهذه الحال، فصل الممارسات الاجتماعية والسياسية عن مرجعياتها الثقافية والأخلاقية؛ فإن العلاقات الاجتماعية، التي تؤسس السلطة، وتقوم عليها جميع المؤسسات، هي تعيًّنات أو تموضعات أو تجليات لثقافة المجتمع، الذي يمكن النظر إليه، على أنه نسيج حي من الأفكار والتصورات والعلامات والرموز والعقائد والقيم، وإلا لا يمكن تفسير التشنجات المذهبية والإثنية والأيديولوجية، وسياسات الهوية، التي تسم الأزمة الجارية.

ولما كانت الغاية التي ينشدها الأفراد، في أي مجتمع حديث، هي تحسين نوعية الحياة الإنسانية باطِّراد، والتمتع بالخيرات الاجتماعية، وفي مقدمها الحرية والاعتراف والمكانة والمساواة والعدالة والرفاهية وغيرها، مما يمنح حياتهم قيمة ومعنى؛ فإن تحقيق هذه الغاية/ الغايات لا يمكن، إلا بنوع من تنظيم اجتماعي، يحقق توازنًا بين غايات الأفراد، التي لو أُطلق العنان لكل منها على حدة؛ لأفضت إلى حال من الفوضى، أدهى من “حالة الطبيعة”، التي وصفها فلاسفة العقد الاجتماعي؛ ما يطرح السؤال عن النظام الاجتماعي، الذي يمكن أن يحقق هذا التوازن بين الفوضى والنظام، أو بين الحرية والقانون؛ إذ لا يمكن لمشاريع الحياة الفردية أن تتشكل، خارج النظام الاجتماعي ومؤسساته، أو بمعزل عن سياقات التبادل بين الذوات، ولا يمكن لثقافة ما، في وسط مركب، أن تتسيَّد وتفرض نفسها على ثقافات أخرى، وتكون ثقافة وطنية، أو تندرج في الثقافة الوطنية، إلا بقدر انفتاحها على منجزات الفكر الإنساني، والخبرات العلمية والعملية، وقدرتها على إقناع الجماعات المختلفة، والأجيال الجديدة، بقيمها المعرفية والأخلاقية، وأثرها في تعظيم مردودية العمل والفاعلية الإنسانية؛ فليس ثمة نمط اجتماعي معياري، أو ثقافة معيارية، ما دام الناس يعملون ويتواصلون ويبدعون ويتنافسون، وما دامت الجماعات والمجتمعات في حالة تشكل دائم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق