قضايا المجتمع

زراعة السطوح أسلوب مقاومة في المناطق المحاصرة

أدت سياسة الحصار التي انتهجها النظام السوري، ضد المناطق الخارجة عن سيطرته، إلى نتائج كارثية على الصعيد الإنساني، أعادت إلى الأذهان صور مجاعات كبرى في إفريقيا، أو كوريا الشمالية؛ حيث نجم عن هذه السياسة، في جنوب دمشق وحدها، وفاة ما يقارب 200 شخص، معظمهم في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، إضافةً إلى وفاة العشرات؛ نتيجة سوء التغذية، ونقص الرعاية الطبية، في كل من مضايا، والمعضمية بريف دمشق، ودير الزور شمال شرقي البلاد.

المبادرات الأهلية سلاح في مواجهة الحصار

“الحصار لم يغير شيئًا، لم يكسرنا، بل جعلنا أكثر هشاشةً فقط”، هذا ما قاله أحد الناشطين، من بلدة يلدا، جنوبي دمشق، في توصيف مكثف للتجربة؛ سياسة الحصار جاءت قيميًا ضمن سياسة “الجوع أو الركوع”، كتعبير علني وصريح من أجهزة النظام الإعلامية عن أهدافها وغاياتها؛ ما وضع الفعاليات المدنية والأهلية داخل المناطق المحاصرة في مواجهة أوضاع ومعطيات جديدة؛ فحاولوا البحث عن أساليب وأدوات، بإمكانها مقاومة تلك الأوضاع، الهادفة إلى كسر إرادة الحاضنة الشعبية للثورة. في جنوب دمشق كانت ظاهرة الزراعة البديلة، أو زراعة السطوح، إحدى أهم المشاريع لمقاومة سياسة الحصار، والإصرار على الحياة، بالاعتماد على الموارد الذاتية المتوافرة في المنطقة.

الناشط أحمد أبو فاروق (تجمع ربيع ثورة) أكد، في حديثه لـصحيفة جيرون: “أن السبب الرئيس لانتشار هذه الظاهرة، هو احتلال جيش النظام، والميلشيات الطائفية بلدات: حجيرة، بويضة، سبينة، وبلدات أخرى، إضافة إلى قنص جنود النظام جزءًا كبيرًا من أراضي بلدة يلدا الزراعية”، موضحًا أن هذه الظاهرة، أو الابتكار الذي التصق بأحياء وبلدات جنوب العاصمة، ساهمت -إلى حدٍ بعيد- في التخفيف من وطأة الحصار، على الأقل بنسبة 30 بالمئة، لمن استطاع أن يزرع؛ إذ كانت توفر له احتياجاته على صعيد الخضار”، وهذا ما أيده الناشط، وليد الآغا، قائلًا: “كان لها أثر مهم في التخفيف من الحصار خلال الأشهر الأولى، ولاسيما أن المساحات الزراعية في المنطقة محدودة”، في حين عدّ الناشط، عمر عبد الرحمن، أن زراعة السطوح لم تكن ناجحة كثيرًا، في تخفيف وطأة الحصار، مضيفًا: “السبب في ذلك، أن هذه الزراعة تنجح في محاصيل محدودة، مثل: البقدونس، أو بعض الحشائش، وأنواع محدودة من الخُضَار، لكن بالتأكيد لن تنجح في زراعة القمح، على سبيل المثال، والقمح مادة أساسية جدًا، والكثير من المدن المحاصرة عانت -كثيرًا- في تأمين هذه المادة؛ من أجل الخبز، ومنها الجنوب الدمشقي”.

زراعة السطوح ظاهرة تستحق الدعم

إن هذه الظاهرة، وعلى الرغم من الاختلاف حول مدى مساهمتها في التخفيف من تداعيات الحصار، كانت مؤشرًا واضحًا إلى مدى تجذر القناعة، داخل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بالاستمرار في الحياة، وعدم الرضوخ لسياسات التركيع المتبعة من قبل النظام، ولعل أهم جوانبها المضيئة، أنها جاءت كثمرة لجهد أهلي، تعاونت في إنتاجها العائلات القاطنة في تلك المناطق، بمساعدة الناشطين المدنيين، دون دعم، أو تبنٍ، من أي جهة ممولة؛ الأمر الذي يؤكده الآغا بقوله: “هذه التجربة كانت فردية، اعتمدت على جهد شخصي من الأهالي، ولم تتلق أي دعم من أي مؤسسة، وهو دليل واضح على تقصير من الجهات الإغاثية والإنسانية، بكل تأكيد”، إلا أن الناشط عبد الرحمن، ذكر أن ظاهرة زراعة السطوح، تلقت القليل من الدعم، عن طريق بعض المؤسسات، دون أن يرقى إلى المستوى المطلوب، على الأقل في تغطية مصاريف الزراعة، مضيفًا: “إدخال المواد إلى المناطق المحاصرة، ليس بالشيء السهل والرخيص، ويحتاج إلى تمويل ضخم، خصوصًا مع طول فترة الحصار”.

إن عدم مأسسة هذه الظاهرة، وتوفير الدعم اللازم لها؛ جعلها محدودة -جدًّا- في مناطق جنوب دمشق، لاسيما بعد توقيع اتفاق الهدنة في المنطقة، والانتقال إلى الحصار الجزئي، وتوافر الكثير من المواد الغذائية، وهو ما يدعمه رأي أبي فاروق الذي قال: “لم تعد منتشرة، كما في السابق، حتى يمكن القول بأنها أصبحت نادرة مع مطلع العام الحالي؛ لتوافر المواد -بشكل جيد- داخل المنطقة، لكن ما زال بعض الأهالي يزرعون، وعددهم -ربما- لا يتجاوز 10 أشخاص، أضف إلى ذلك، أن هذه الظاهرة لم تلق دعمًا من أي مجلس، أو هيئة إغاثية، وأعتقد أن هذا المشروع يستحق الدعم؛ لأنه كان كفيلًا بتخفيف وطأة الحصار على المنطقة، ويمكن الاستفادة منه في حال تغيرت الأوضاع الحالية”.

المشاريع الصغيرة عامل أساسي في كسر الحصار

يرى بعض ناشطي جنوب دمشق، أنه على الرغم من الهدنة في المنطقة، ودخول كميات معقولة من المواد الغذائية، إلا أنه ينبغي ألا يغيب عن الأذهان، أن الحصار ممكن أن يعود في أي لحظة؛ لذلك لا بد من الاستفادة من التجربة السابقة، والعمل على تعزيز كل المشاريع، والمبادرات، التي كان لها أثر في كسر حدة الحصار، هذا ما أشار إليه أبو فاروق، بقوله: “تجربة زراعة السطوح جيدة. ولو توفر لها الدعم اللازم، لكانت كفيلة بالتخفيف -كثيرًا- من آثار وتداعيات الحصار، في حال عاد وأطبق على المنطقة؛ فكل سطح مزروع، بإمكانه تغطية احتياجات عائلة، أو أكثر، من الخضار”، موضحًا في الوقت نفسه، أن هناك  العديد من الصعوبات، تواجه تعميم أو استمرار هذا المشروع،  كتأمين البذور، وتأمين المياه، ورفع التربة إلى السطوح المراد زراعتها، وغيرها، مختتمًا حديثه بالقول: “يحتاج جنوب دمشق -اليوم- إلى دعم وتعزيز المشروعات الصغيرة، من جهة، ومن جهةٍ ثانية،  العمل على تجهيز مستودعات كبيرة؛ لتخزين المواد الغذائية، كخطوة استباقية في حال عاد شبح الحصار من جديد”.

وبدوره أكد الناشط، عمر عبد الرحمن، أن هناك الكثير من مقومات الصمود، داخل المناطق المحاصرة، بإمكانها تعزيز إرادة المحاصرين، في حال توفر الدعم اللازم، ولكن السؤال المطروح: هل المطلوب تعزيز صمود البشر داخل الحصار، أم إنهاء الحصار؟ ما الذي نريده؟، مضيفًا: “كيف يمكن مواجهة واقع، مفرداته اليومية قصف هستيري، بمختلف أنواع الأسلحة، وحصار مطبق على المستوى الطبي والغذائي، لآلافٍ من البشر، ولسنوات متواصلة. تعيش المناطق المحاصرة خصوصًا، وسورية عمومًا كارثة إنسانية كبيرة جدًا، لا تنتهي بتأمين دعم لهذا المشروع أو ذاك، بل إننا لم نعد نريد دعمًا من أجل الصمود؛ لأن المرض لا يُعالج بالمسكنات، وإنما بإنهاء المسببات”. مردفًا: “بموضوعية أكثر، الدعم مهم؛ للمحافظة على الحياة قدر الإمكان، لكنه يبقى حلًا جزئيًّا، أشبه بمن يُبقي المريض على قيد الحياة؛ كي يستمتع القاتل بخطف حياته. الشعب السوري -الآن- بحاجة لمعجزة، تنهي هذه الكارثة من جذورها”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق