هموم ثقافية

آخر الانقلابات

اقترب الوقت من تحوله النهائي إلى آفة، ذات سيادة كلية، عبر حقائق، استطاع السيد المقبل للمدجنة الوطنية، أن يمتلك صيرورتها بذكاءٍ التمع في عينيه الثعلبيتين، كان يشغل حتى صباح ذلك اليوم، منصب مدير المدجنة الوطنية، وقد عمل، بعد وفاة والده وابنه البكر في حادث أليم، في دعم توجهات الحكومة نحو الخصخصة، وعودة الأملاك إلى أصاحبها الحقيقيين، قبل التأميم الذي نهش مزرعة جده لأبيه، ومن ثم تحويلها إلى مدجنة، قبل خمسين عامًا.

 

كان الغبار الخريفي الأصفر، يلوث ذرات الهواء، بهدوء وانسياب، أخذا لُبّ السيد المقبل الذي جلس يرتشف فنجان الزهورات المسائي، وقد شردت حدقتاه؛ لتقنص الأفق الذي اعتقلته شرفة الفيلا الغربية، وأمسكت بتلابيبه.

 

كان الأفق المغبرّ لوحةً ملساء لطموحاته، رآها خالية من الألوان، ما خلا لونه المفضل، الرمادي المائل إلى السواد، ابتسم معتزًّا بمخيلته العالية، والتي ستوحي له بإبداعات، تهزأ بالحدود المعروفة للذهن البشري البائس، والذي يقعُ -دائماً- في فخ عاديته ومحدوديته، حين يطمح لارتكاب أفراح صغيرة، ملوثة بخطايا خجولة وقذرة.

 

عبثت أنامله الرقيقة بلوحة الأفق، كان يرسم بلونه المفضل مشاريعه، وكان مصرًّا على أن يترك كل مشاريعه، من دون أن تكتمل، داخل اللوحة المفتوحة لكلّ الاحتمالات، حتى إن قامت قيامة الأرض غدًا.

 

ابتسم هاجسًا:

ـ بدايات حاسمة لمراحل مفتوحة.

اقتحمت الحَجّة عزلته المحاطة بالخريف، لمست كتفه بحنان أم رؤوم، في اللحظة التي كانت عيناه تفترسان ذرات اللوحة المسائية بهدوء شره.

ـ بماذا تفكر يا ولدي؟

أدار رأسه نصف دورة، تبدّلت ملامح وجهه بسرعةٍ فائقة، وكان مصرًّاعلى أن ترى أمه الغالية، صدق دجاجة مريضة في عينيه!

ـ أفكر بكِ يا أمي، يا أغلى الكائنات.

 

ربتت على كتفه بتؤدة، بعد أن تأكدت من الصدق المرتسم في حدقتيه الحنونتين، تنهّدت بعمق، وتمتمت، وهي تصعد الدرج إلى الطابق العلوي؛ لتحضر طعام العشاء، لعصافير الجنة التي تناثرت أقفاصها في حجرة نومها، لكي ترافقها في حلمها الليلي المعتاد؛ حيث تحلم بأنها تصلي في حضرة جمع غفير من الرجال، كل الرجال الذين عرفتهم في حياتها السالفة. تمتمت بصوتها الدافئ الذي يشبه حفيف الروح حين تغادر الجسد:

ـ تظلون أطفالًا، مهما كبرتم، فليرعك الله.

 

كان ممتعضًا من إحساسها بالوصاية عليه، لكنه، في ذاك المساء، أحسّ بأنه انتصر عليها انتصارًا ساحقًا، حين أقنعها بما لا يدع مجالًا للشك في صدقه المفتعل، وحين مرَّ به أفراد أسرته، واحدًا واحدًا، كان مصرًّا على متابعة انتصاراته المذهلة، عبر إجاباته التي تحمل المقدار الكافي من الصدق؛ لإقناع محلل نفسي بذلك الدفء، المنبعث من عينيه الضيقتين، اللتين لا حول لهما ولا قوة، إلا في الحب.!

كانت أرملة ابنه البكر هي الوحيدة التي لم ينتصر على إحساسها، كانت تتراءى له في الحلم دجاجة بيضاء، يكسوها زغب ناعم وحنون، مرّت به؛ ليقبّل طفلتها الصغيرة قبلته المعتادة، قبل أن تخلد للنوم، أمسك الطفلة البيضاء كحمامة، ولاطفها برأسه قليلًا، وكانت الطفلة تبتسم له، وتعبث أناملها بوجهه المتغضن. كان يضحك لها ويسألها باندهاش:

  • من أنا؟‍
  • ددو.. ددو…
  • أنا جدو…، أنا ستو…، أنا بابا…، أنا ماما…، أنا أخوك الأكبر، وشقيقك الذي لم يأتِ.

حين نطق جملته الأخيرة، كانت كفهُ تمسح بطن أرملة ابنه البكر التي ارتعدت خوفًا، ثم أدار رأسه؛ ليمسح جسدها الذي يُبرز عرّيه بخجل، عبر شفافية الثوب الحريري، كانت تشعر بحرارة حدقتيه الناريتين وهي تداعب فخذيها.

 

لم يستطع -حتى تلك اللحظة- أن يحدد إحساسه الغريب إزاء أرملة ابنه الشقراء.

كان ممتنعًا منذ زمن طويل عن النوم في غرفة زوجته؛ لأنه توصل، عبر محاكماته الذهنية، بعد الدويّ الهائل لتحطم روحه، عندما اكتشف استحالة أن يجد مخلوقًا بشريًّا، يبادله أحاسيسه المفرطة في الشفافية، إلى تحديد الحب كشعور مرضي، لا يصيب إلا الضعفاء، ومنذ أن استقرت قناعته المدهشة، فوق حطام أحزانه، أصبح أكثر اتزانًا، بل راح يكتشف المزيد من الاستنتاجات الهامة في هذا الصدد.

 

كتب في دفتره الصغير:

(لا يمكن لأي فرد، في هذا العالم، أن يمنح الآخرين أكثر مما يمنح نفسه، وإذا أراد الفرد، أن يُحب طرفًا آخر غير الذات، فلا بُدَّ من تحويل هذا الآخر، إلى جزء لا يتجزأ من الذات، هكذا تفعل الديكة النبيلة، حيث لا بد من تحطيم تلك التفاحة اليانعة في زاوية الصدر البشري…).

 

امتنع عن ممارسة الحب زمنًا طويلًا، وقد عبر عن ارتياحه المطلق إثر وضع روحه في ثلاجة، وكان الوقت الوحيد الذي يستطيع -خلاله- إطلاق خيول رغباته، هو عندما يكون وحيدًا. كانت برودة عزلته تشعره بإحساس جديد، يعزز ثقته بقدرته على منح نفسه آفاقًا من الرغبة الرائعة، بعيدًا عن الحدود الروتينية المعروفة للجسد، أما ما يحيّره -الآن- في شعوره تجاه أرملة ابنه الشقراء، هو اهتزاز استقراءاته السابقة؛ ما جعله يعيد ترتيب المسألة بشكل أفضل، اعتدل في جلسته، أطلق حدقتيه؛ لتستنجدا بأفق اللوحة المسائية الملساء، والتمعت في عينيه أشباح أفكاره.

 

أطلق لمخيلته العنان، وشعر برغبة جارفة، تدعوه إلى جسد أرملة ابنه النقي، كجسد دجاجة منتوفة للتو، لقد توصل إلى نتيجة: إن مثل هذا الفعل لا يعدو عن كونه أخطاء عائلية بسيطة، مبررها الأول والأخير هو النشوة المحضة، وبما أن عقل المرأة محدود، بحكم الطبيعة؛ فالاغتصاب هو الطريقة المثلى للتعامل مع جسدها، كونه الطريقة الوحيدة التي لا تحدُّ من جموح الرغبات!!

لم ينتبْهُ أي شعور بالذنب؛ لقراره النهائي، كان سعيدً بذلك، وموقنًا أنه -الآن- مستعد تمامًا؛ لإطلاق شرارة البداية، للعمل على تأسيس انقلابه الشامل، وحين استدعى مساعده الأول، ورئيس شعبة العاملات في المدجنة الوطنية، وشاءت الصدفة أن يوجه إليه عين السؤال:

ـ بماذا تفكر يا سيدي؟

ـ أفكر فيك يا عزيزي.!!

كان قد تعوّد على ما تدرّب عليه، فكانت المسألة أقل تعقيدًا، جلس المساعد الأول قبالته على الشرفة، واكتست وجهه المنتفخ حمرة الخجل، وبدا كديك مسمن، حين سمع جواب السيد المقبل، أطرق رأسه، وشابك أصابع يديه، ثم انتظر صامتًا، ولم يلحظ سيده، حين نهض كريشة خفيفة، متوجهًا إلى غرفة حفيدته وأمها.

 

كانت تتناهى إلى مسامع مساعده الأول أصوات، تشبه ما تعود عليه، حين يدخل إلى مهجع الدجاج؛ تمامًا، كصوت دجاجة، تقوقئ بصوت مبحوح.

مقالات ذات صلة

إغلاق