هموم ثقافية

هل خَطَرَ للكواكبي؟

قبل ما يزيد عن مئة عام، وفي كتابه الأشهر «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، رجا عبد الرحمن الكواكبي أن تثمر جهوده وأبحاثه التي صرف فيها جلّ عمرهـ يقينًا لدى الناس بأن الاستبداد، هو علّة العلل، وأصل الداء، لا فرعه؛ قائلًا في فاتحة كتابه: «هذا جهدي، وللناقد الفاضل أن يأتي قومه بخير منه، فما أنا إلا فاتح باب صغير في أسوار الاستبداد، عسى الزمان يوسّعه، والله ولي المهتدين».

 

ولقد وسّع المفكرون والدارسون والكتّاب والفنّانون العرب من بعده «البابَ الصغير» إلى أن بات بوابة ضخمة تكشف، حتى لضعيف البصر، شرورَ الاستبداد التي لا تقلّ فتكًا بالشعوب المستعبَدة وأوطانها وثرواتها ومستقبلها، عن فتك أشدّ الأمراض الخبيثة المزمنة بالجسد الآدمي.

غير أن المروّع حقًا في واقعنا العربي، هو أن يتمكّن الاستبداد، قبل وأثناء توسيع باب الكشف عنه، من التوسَّع والتعمَّق والتفرَّع، ونشر مراكزه، وتنويع أشكاله وطرائقه، وتهويل نتائج فتكه المدمّر.

 

وإذ نعاني -اليوم- من تضخّم الاستبداد وتعقّده، أضعاف ما عانته شعوب مئة عام مضت، على الرغم من الوسائل الحديثة؛ لتعرية الاستبداد، وفضح الطغاة، كالمحطات الفضائية، وشبكات الإنترنت؛ فإن علّة العلل، والداء الأصل (الاستبداد)، ما زال يمضي في تدميره، ويتفشى في متوالية جهنّمية، من قاعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مرورًا بالدول الكبرى، شرقًا وغربًا، ووصولًا إلى أفران الخبز، وغرف النوم وتلافيف الأدمغة!

 

لقد فتح الكواكبي الباب، وقمنا -من بعده- بتوسيعه، وستحاول أجيال جديدة ما دام قائمًا؛ غير أن السؤال الذي يخطر لي: هل راود الكواكبي، وهو يبذل جلَّ طاقته وفكره، ويجول في الأصقاع؛ للوقوف على العلة الأم، أن السنين ستتوالى، فتُطوى مراحل، وتتلاحق أزمان مع دولها ورجالها، عدا أرض كسورية حوَّلها الطغيان الحاكّم من بلدٍ إلى مختبرٍ لأفانين الاستبداد، على نحو لا يتجاوز كتابَه فحسب، بل يتجاوز حتى شطط الخيال؟

مقالات ذات صلة

إغلاق