اقتصاد

النظام السوري وعرقلة التنمية الزراعية

لطالما كانت مواسم الحصاد تشبه الأعراس بأهازيجها؛ إذ زوّدت ذاكرتنا الشعبية بالكثير من مشاهدها الحميمية التي تعطينا دفق الانتماء إلى الأرض، تبدأ مع بداية الموسم، وتستمر حتى انتهاء العمل على البيادر، يتحايل فيها الفلاحون على ذلك العمل الشاق والمرهق، فتساعدهم على شحذ الهمم، وتمرير الوقت، فهو الموسم الذي فيه رزقهم، ويأملون أن يكفيهم عامًا كاملًا؛ كي لا يطالهم العوز، فلا مهنة، أو مورد آخر لديهم. ومن جانب آخر، تتمتع سورية بالمناخ المعتدل لشرقي البحر الأبيض المتوسط، وميزة ذلك أنه يعطيها تنوعًا بيئيًا، يبدأ من الساحل الرطب، مرورًا بالجبال الباردة، وبالسهول التي تمتد على وسط البلاد وجنوبها، وأيضًا الجزيرة السورية، وصولًا إلى المناطق شبه الجافة، والجافة الصحراوية، وهذا الأمر يمنح مرونة جيدة لإمكانية تنوع العمل الزراعي، ومصادر الرزق الذي يشكلها، حتى دون النظر إلى العمل بقطاع الثروة الحيوانية.

 

ليست الحبوب وحدها غلّة سورية، وثروتها النباتية التي يُعدّ القمح عمادها الأساسي، وأمنها الغذائي؛ فهناك المحاصيل التصنيعية، كالقطن والشوندر والذرة والتبغ، وأيضًا أشجار الزيتون، والفستق الحلبي، والحمضيّات، والتفاحيات، واللوزيّات وغيرها، فضلًا عن الخضار المنوّعة بتعدد مواسمها، كذلك الغابات والأحراش، إذ تقدر المساحة الزراعية بأكثر من 30 بالمئة من المساحة العامة للبلاد، وتُعد هذه المساحة مهمة بالنسبة إلى عدد السكان، بل ثروة حقيقية للبلاد، ولكن هل كانت سورية تسير نحو الإصلاح، أو التنمية المستدامة، كما كان يُطرح في شعاراتها السياسية خلال عقود؟

 

الثروة الزراعية والسلطة الاستبدادية

بعد انقلاب حافظ الأسد، واستيلائه على السلطة عام 1970، كان همّه الأساسي، وشغله الشاغل، كيفية ترسيخ نظام حكمٍ مركزي صلب، وربط كل مفاصل وخيوط الدولة بيده، ليس عن طريق الإمساك بالمؤسسة العسكريّة والأمنيّة وحسب، والحياة السياسية والتعليمية والمدنية، بل -أيضًا- مفاصل الاقتصاد لبلد أساس اقتصاده الزراعة، وتأتي أهمية الزراعة بالنسبة إلى سلطة استبدادية من نواحٍ عدة؛ فأولًا بما تنتجه من قيمة مادية، وثانيًا، بحجم اليد العاملة التي تخدمها، وتعتاش من عوائدها، ثم بحجم المساحة الجغرافية التي تنتشر عليها، أي: في النتيجة الإمساك بالريف السوري كله، ثم -من خلاله- التحكم بأسواق وغذاء المدن، ولكي تكتمل العناصر المساعدة؛ فقد ربطت السلطة السياسية أغلب خدمات الدولة، للعمل الزراعي، باتحاد الفلاحين الذي أصبح ذراعها الأمني في هذا القطاع، كونه يمثل إحدى المنظمات الشعبية التابعة، أو المدارة، من قبل حزب البعث، وكذلك الغرف الزراعية، والجمعيات التعاونية الفلاحيّة، إضافة إلى الإرشاديات الزراعية، وجعل وزارة الزراعة تأخذ عنوانًا إصلاحيًا، لم يتغير على مدار عقود.

 

عمد النظام إلى ربط الفلاح به، من خلال طرق الحصول على الخدمات، والأدوات، والمستلزمات الزراعية، وذلك عبر مكاتب وآليات معينة، تجعله تابعًا قلقًا، يحتاج إلى نسج علاقات تزلّف؛ لتأمين ما يلزمه، كون العملية الزراعية محكومة بوقتٍ ضيّق، فالبذار -بكل أنواعه- وخاصة المحاصيل الأساسية، يباع عن طريق المؤسسة العامة لإكثار البذار، التي استُحدثت، بموجب المرسوم التشريعي رقم 190، عام 1970، تحت عنوان: خدمة الفلاح، وتأمين مستلزماته كافة، من البذار الزراعي المحسن والمغربل والمعقم، بأسعار تشجيعية.

 

كذلك حُصر التسويق بالمؤسسة العامة للحبوب، والتي -دائمًا- تَعدّ عملها ناتجًا عن توجيهات القيادة؛ لأجل “تعزيز المخزون الاستراتيجي من المحاصيل الزراعية كافة، خاصة الحبوب، وتسهيل إجراءات استلامها؛ لتخفيف الأعباء عن الفلاحين، واستجرار أكبر كمية من مادتي القمح والشعير، بشكل خاص، من أجل مقومات صمود الشعب السوري”.

 

القروض الزراعية، هي الأخرى، والتي تُمنح، إما لاستصلاح الأرض، أو لاستكمال أدوات العملية الإنتاجية، كآلات وغيرها، وجدها النظام فرصة للإمساك والإطباق على عنق الفلاح، لا لتسهيل عمله، حيث يرهن أرضه كضمان للقرض، تلك القروض التي أصبحت عبئًا ثقيلًا على أصحابها فيما بعد، بسبب تدهور الإنتاج الزراعي، وعدم القدرة على إيفاء الأقساط في مواعيدها، وتراكم الفوائد، يضاف إلى ذلك أنه حتى الحصول على السماد الضروري للموسم، كان يُبتاع عن طريق المنظمات والجمعيات التعاونية، وبطريقة مذلة.

 

تدهور العملية الزراعية وهجرة الريف

ساعد هذا الوضع في تلبية بعض الحاجات الأساسية للناس، بشكل ظاهري، ومنها رغيف الخبز؛ حيث أصبحت الدولة تتحكم به، وتتحكم -أيضًا- بما يسمى خطط التنمية، وتعرقل مشاركة القطاع الخاص؛ لتبقى ممسكة بكل توازنات السوق الداخلية، والاستيراد والتصدير للسلع الزراعية كافة، و لمستلزمات العملية الزراعية كذلك، لكن مع مرور الزمن، وبسبب الخطط والمشاريع التنموية الارتجالية والفاشلة، تدهورت العملية الزراعية، وأهم ارتداد لذلك كان هجرة أبناء الريف نحو المدن، وتشكيل أحزمة سكنية عشوائية، تتفاقم شيئًا فشيئًا، خلال العقود الأربعة الماضية، وبحسب دراسة للمكتب المركزي للإحصاء، حول صافي الهجرة الداخلية، معتمدًا على تعدادي السكان 1994 و2004، على سبيل المثال، خلُصت إلى أن الريف يشكل خسارة للسكان على مستوى الطبقات، مقدارها 4889 مهاجرًا -في المتوسط- سنويًا، بين 1994 و2004؛ ليرى أن الريف فقدَ -خلال عشر سنوات فقط- 44 ألف نسمة.

 

تبقى الشكوك في كافة الإحصاءات والبيانات التي يقدمها النظام، ولا توجد حقيقة بيانات من مراكز محايدة، يمكن الاعتماد عليها؛ ولذلك، فإن الكثير من الاستنتاجات، تستند على المشاهدات في الواقع السوري، وقد يكون ما حصل في منطقة الجزيرة، خلال السنوات العشر الماضية فقط، مؤشرًا؛ فقد رحلت اليد العاملة بأعداد كبيرة إلى قطاع البناء، كعمال وحراس مشاريع، وعمال خدمات في المدن الكبرى، كدمشق وريفها، وحلب وحمص، وغيرها، وأيضًا اُضطُّر عدد كبير منهم إلى السفر إلى لبنان؛ للعمل بسوق خدمات البناء، وفي عام 2010، كان الجفاف قد وصل ذروته في سورية، وعانى حوض الفرات -بشكل كبير- من ارتداداته، وارتفعت أسعار المحروقات، وازدادت عملية هجْر اليد العاملة للأرض؛ من أجل فرصة عمل، واستعان النظام بلجان للأمم المتحدة؛ لتحديد الضرر، وتقديم مساعدات عينية ومالية، ما بين عامي 2009 و2010، وبدأ توزيع سلل غذائية على الأسر، وبسبب الجفاف الذي أصاب سورية، اتضح أن سلطة نظام الأسد كانت، على مدى عقود، تتبنى خططًا وهميّة للتنمية، لا تساعد على الاستقرار، بما فيها طرائق الاستفادة من الأنهار الجارية، والسدود السطحية، والأمطار الموسمية التي تشكل الوديان، وكذلك عدم الاستثمار السليم للمياه الجوفية، والتي تُهدر بشكل كبير، ولا يمكن الركون إلى المجموعة الإحصائية، التي تقدمها وزارة الزراعة في هذا الخصوص، أو رئاسة وزراء النظام، على الرغم من أنها الوحيدة المتاحة، ولا توجد دراسات خاصة وحيادية ومنهجية، وكانت الجداول الإحصائية تُعبّأ؛ كي تخدم سمعة هذا الوزير أو ذاك، ومدير هذا القسم أو ذاك، بافتراض أنهم قد أبلوا بلاءً حسنًا، وقفزوا قفزات نوعية بالتنمية، وكلها وهمية، وهذا -عمليًا- تدركه السلطة، وهو  جزء من الفساد، وهذا ما تريده حقيقة، ويلائم الشعارات البرّاقة الخالية من الحقائق، جاء الجفاف؛ ليكشف حجم الفاجعة التنموية، وعجز النظام عن الإحاطة بحاجات الناس، فرحلت آلاف الأسر عن بلداتها وبيوتها.

 

انتقام النظام وتدمير المحاصيل

عند اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، كانت البلاد تعاني -بوضوح- من تدهور الانتاج الزراعي، وخاصة المحاصيل، بل إحدى المفارقات أن بعضهم عدّ الجفاف جزءًا من المؤامرة على نظام الأسد، وأحد الأسباب الدافعة للاحتجاجات، لكن الحقيقة أن التنمية التي عرقلها النظام بخطط عشوائية، غايتها جعل الناس قلقة -دائمًا في حياتها- على الدخل الشهري والعمل، بالقدر ذاته لقلقها على حياتها من تسلّط القوى الأمنية، هذا القلق، والخوف الدائم، على الحياة والمستقبل، هو الوحش الذي أراده النظام، أن يُنشب أظفاره في أعماق الشعب، ونستطيع القول: إنه هو ذاته ما ساعد في حصار الأسد ونظامه؛ وعلى هذا اتجه -مباشرة- إلى الانتقام من الناس، عبر الانتقام من محاصيلها الزراعية في المناطق المحررة، كلما تقدّمت الثورة على الأرض، ومع تقدم الثورة السورية، تقدمت -في المقابل- الآلة العسكرية التابعة للنظام ميدانيًا؛ فقطعت الطرق، وخرّبت المحاصيل، وعرقلت المواسم المختلفة، ومع تهجير الناس، ونزوحها عن بيوتها، وقلة الأمان، اختلفت العادات والتقاليد ومراسم الحياة المعتادة، ولم تعد أهازيج السوريين كما كانت، بل أصبحت حكايات ألمٍ؛ فكثير من الأراضي لم يعد بإمكان أصحابها الوصول إليها، لا للزراعة فحسب، بل حتى لحفر قبرٍ لشهيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق