أدب وفنون

لؤي كيالي الفنان والإنسان

من لؤي كيّالي؟

حين نبحث عن إجابة نتوه -لا إراديًّا- في دوّامة ما كُتِب، وقيل، ونُشِر عنه، حتى أولئك الّذين عرفوه شخصيًّا، تبيّن -لاحقًا- أنّ معظمِهم لم يدرك حقيقته؛ فأساؤوا الحكم عليه فنّيًّا، في مراحل معيّنة، ولم يدخلوا -إنسانيًّا- مملكة روحه كما ينبغي، فوسّعوا الهوّة بين عالمه الداخلي، بالغِ الهشاشة، وبين الواقع، بقسوته المفرطة.

 

لم تكن البدايات مرآة للنهاية، بل -على العكس- كانت مُشرِقةً وواعدة، يتراءى لنا فيها لؤي كيّالي/ الطفل، بسنواته العشر يرسم تخطيطًا (اسكتش) لوجه جدّه؛ ليأتي الرّسم مشابهًا للملامح بصورة مدهشة، ولتتوالى الرّسومات وسط تشجيع العائلة.

 

وُلد لؤي وترعرع، وقبل أن ينهيَ دراستهُ الثّانوية، أقام الشابُ اليافع أول معارِضه في بهو الثانوية الأولى للبنين في حلب، ثم يترك دراسة الحقوق؛ لينصرف لاحقًا إلى الرّسم، ثم يُوفَد إلى روما لدراسة الفن، ويبدأ الشاب، البهيّ الطلعة القادم من حلبَ، المتمكّن الريشة، الواسع الإبداع، بحصد الجوائز الفنّية، وهو ما يزال طالبًا؛ فنال الجائزة الأولى من مسابقة سيسيليا (Sicilia)، والميدالية الذهبية للأجانب في مسابقة رافينّا (Ravenna)، كما حصد الجائزة الثانية في مسابقة (ألاتري).

بعد مضيّ ثلاث سنواتٍ على إيفاده إلى إيطاليا، يقيم معرضه الشخصي الأول، في صالة لافونتانيللا (LaFontanella)، مثيرًا اهتمام الجميع!

وتتوالى نجاحات معارضه، في روما وسورية، بعد العام 1961، فيعود إلى سورية، ليعمل مُدرِّسًا في حلب، ثُمّ مدرِّسًا للرسم والزخرفة في كلّية الفنون الجميلة بِدِمَشق.

 

وتعاقبت معارضه في دِمشق وروما؛ ليشهِد عام1962 معرضه الناجح الّذي أُقيم في صالة الفنّ الحديث بِدِمَشق، ب 28 لوحة زيتية و30 رسمًا؛ إذ بيعت المعروضات جميعها؛ لينطلق بعدها بنجاحاتٍ متوالية لمعارضَ، أتقن فيها رسم “البورتريه”، و”الكروكيه”، والرسم بالفحم، بريشةٍ أسكنها خلاصةَ روحه.

 

لؤي كيالي فنّان عاش مرتين، ومات مرتين: عاش مرّة في ذاكرة محبيه، وفي ذاكرة الفنّ العربي، ومات مرتين في حياته، وفي حياة من يتجاهلون ثراء وجوده وفنه، بين الواقعية والتعبيرية اللتين لازمتا ريشتهُ، في مجملِ معارضه، ولوحات أسبغ عليها مكنُوناتِ ما يعتمل في داخله، حيث أصبحت شخصيته مرآة، لروح مترفة[مرهفة] الحساسية.

 

بُغتةً يُجنّ شخص، يخرجُ عن المألوفِ الخانقِ؛ فيفضحُ حجمَ إذعانِنا وقبولِنا وتثلُّمِ أحاسيسِنا، ويُظهر لنا كم هو مرفوضٌ، هذا العالَم، ومقيتٌ وخانقْ، وكم هو عالَمٌ غيرُ معقولٍ ولا مقبول.

هكذا جُنّ لؤي! جُنّ لأنّه لم يعدْ يطيقُنا، جنّ فكشفَ أن حياتَنا تُجنّن وتفقدنا عقولنا. وقد شاءتْ الأقدار أن يعيشَ لؤي كيّالي بين حدّيها، وبين الوِلادة والموت، ولاداتٌ متكرّرةٌ كُلّلت بالجنون، ثم الموتُ توهّجًا بعد أن رقصَ رقصة النار مرّتين: المرّةُ الأولى، حين أشعلَ النّارَ في لوحاتِ معرضه إثر النّكسَة (وقيل إنه مزّقها)، والمرّة الثانية، حين التهمَت لُفَافة تبغٍ مرسمه وجسده.

لقد احتضنت لوحات الفنان لؤي كيالي حالة الصعود والنزول، والنضارة والشحوب، والحرية والأسر، والحزن والفرح، والانكفاء والانطلاق، والمرض والعافية، التي عانى منها في حياته، ومع ذلك، ظلت تنضح هذه الأعمال، بالنبل والمحبة والصدق والحميميّة والبساطة والحب.

 

قالت أمل خانجي، ابنة السفير السوري الدكتور علي أسعد خانجي، في مذكراتها:

“أحببتُ لؤي كيالي كإنسان، ولم أحبّه كرجل، لا أدري لماذا؟ ليس لأنه لم يكن رجلًا، فكلّه رجولة وكرم ونبل، ولكن لأنّ صفة الإنسانية تُعمينا عن رؤية شيء آخر فيه غير إنسانيته.

 

أحببتُه كإنسان، ربما لأنّ الحبّ هو أيضًا جسد، ومع لؤي كلّ شيء يصبح روحًا، روحًا خالصة، شيئًا غير ملموس، متناثرًا، صعبَ المنال، غريبَ الأبعاد!”

 

مقالات ذات صلة

إغلاق