أدب وفنون

السينما سحر القرن العشرين بامتياز والاختراع العجيب الذي غيّر وجه العالم

سحر الصورة المتحركة

 

في تلك الليلة من سنة 1895، صحوتُ مبكرًا، وإذ بجدي قد غادر صورته المعلقة على الحائط، غادرها بلا رجعة، وبقي الإطار فارغًا، يحمل بياض الجدار. لقد ضجر من سجنه، وقرر أن يخرج مترجلًا، ويقفز من مكان إلى آخر.

 

هكذا فعل الأخوان، لوميير، الفرنسيان؛ حين اخترعا للكون حركة جديدة، الصورة المتمردة المتحركة الواقعية الوهمية، إنها سحر السينما، فصورنا لم تعد متجمدة كمومياوات الفراعنة، صورنا حملت أخيلتنا، وقررت البحث عن أصحابها، آخذةً على عاتقها سرد قصصها علينا من جديد.

 

ما فعله الأخوان لوميير، كان ثورة في الفن والفيزياء، ثورة في الأرشفة والدراما، وثورة في الضوء؛ شيء يشبه الواقع، وينتمي إلى الحقيقة المفترضة للوجود.

 

كل ما جاء بعد هذا الاختراع العظيم، هو امتداد لتلك الطفلة المدللة التي اسمها السينما.

في عام 1826، تم تثبيتنا على ورقة مصقولة (الفوتوغراف)، وفي عام 1895، تم تحريرنا للريح (السينما).

وبدأ التعاون “الخبيث المقدس” بين علماء الفيزياء، والفنانين المُلهمين؛ ليكتشفوا أن عين واحدنا -في الواقع- ترى 24 صورة في الثانية، بعدما جربوا 8 و10 صور في الثانية الواحدة، متحركة أمام الطيف الضوئي، وبقيت تقفز، دون حركة سلسة كما ترى العين في الواقع. لقد تحالف علم الفيزياء مع مخيلة الفنان، وما زال هذا التحالف قائمًا؛ لخلق الادهاش العظيم، السينما الأولى التي أدهشت المتفرجين، وجعلتهم يهربون من القاعة المكعبة، عندما داهمتهم صورة القطار المتحركة نحوهم.

 

وحتى الآن، مازالت ترعبنا وتدهشنا وتبكينا وتفرحنا الصورة المتحركة، في السينما والتلفاز والإنترنت (الشبكة العنكبوتية، ثورة الاتصال الجديدة، العابرة للأرض والأفكار)، وقريبًا على هواء بيوتنا ونوافذنا، وربما على أكفنا.

 

الصورة المتحركة التي استطاعت أن تضع الزمن في صندوقها، وتعتقله؛ كي يخرج إلينا متى شئنا، طازجًا برّاقًا كما كان، وكما حدث، وكما تمت رؤيته وفعله، إنها السيطرة الأولى -في تاريخ البشرية- على أحداث الزمن، وكأنها توقفها إلى أن يحين زمن آخر؛ فيندمج الزمنان، ويُستحضر الماضي؛ ليصبح حاضرًا، وربما مستقبلًا في صناديق مقفلة.

 

التاريخ، بكل جرائمه وبؤسه وجماله وفرحه، أصبح مخبأً وموجودًا في خزائن، لا تتعدى رقاقة تبغ، ولا تعرف الكذب، اسمها الصورة المتحركة، سليلة السينما؛ السينما التي جعلت الصورة مقدسة، وجاذبة، وكاذبة، وصادقة، السينما -هذه الساحرة الملعونة- التي ستُبكي القلوب علينا، حين أصحابها يتفرجون على بؤسنا، بعد الاف السينين.

 

ربما القليل منا يعرف أن الفن هو المسؤول عن المتعة العظيمة التي تشكلها لعبة كرة القدم، عندما قدمتها الصورة بشكل درامي جمالي، قد لا نلاحظ القدرة على التصوير، ومن خلال عدة كاميرات، وجعل لعبة كرة القدم على هيئة مشاعر مكثفة، وتشويق وإعادات بطيئة، تؤكد خلق المشاعر.

 

إن اللغة السينمائية -جماليًا وفنيًا- هي التي أوصلت كرة القدم إلى هذا الانتشار والرغبة، بل والهوس؛ فحضور مباراة، عبر التلفاز، أمتع وأجمل من مشاهدتها في الملعب؛ فالملعب ترصده عشرات الكاميرات، بلقطات متوازية ومتتالية، تخلق هذا الشعور الجميل بالتلقي، فضلًا عن اللقطات القريبة، ورصد ردود الفعل، من الجمهور واللاعبين. إن اللعبة الفنية عبر الشاشة، غير ما يحصل في الحقيقة؛ كون عين المتفرج، في الملعب، لا ترتقي إلى رصد لعبة الصورة وبنائها، وهكذا، نرى الحروب والموت، بطريقة وبحقيقة أخرى؛ الشاهد الباقي على مر الزمن.

 

لقد استوعبت السينما ستة فنون في ما بعد، وانتقلت من سينما الأرشيف، إلى المخيلة الإبداعية والجمالية، واستولت على مفردات المسرح، كفعل درامي أدائي، شدهت القلوب والجماهير، واستطاعت أن تتفوق، بحكم رصدها التفاصيل، وخلقها الحكايات في أماكنها، حيث خرجت من الصندوق الروماني للمسرح، إلى الفضاء الرحب، وأتت بالبحر والجبال والطيور والألوان إلى الشاشة الساحرة، وتلاعبت بعاطفة المتلقي من خلال المونتاج، كفعل فني عاصف، واستفادت من التشكيل، والموسيقى، وفن الرواية، والسرد، والتمثيل، والدراما المسرحية، والفلسفة…إلخ، وهي الآن تخلق كل هذه المشاعر، في الأخبار، والبرامج.

 

أصبح الفيلم الوثائقي يحمل وجهات نظر، تغير الرأي العام، وتتدخل فيه، وارتكز على هذا الفن الآخاذ، وصورته الواقعية، كل علوم الميديا الحديثة، والإعلانات، وكل ما هو جاذب للجمهور.

مقالات ذات صلة

إغلاق