تحقيقات وتقارير سياسية

رجال الكرامة في السويداء: آلام وآمال

استخدم النظام السوري -منذ بداية الثورة السورية- أسلوبَ الترهيب من تداعيات الاحتجاجات الشعبية على الأقليات في سورية، ولم يكتفِ بذلك بل قام بتشكيل مجموعات مسلحة، في مناطق عدة، بدعوى الدفاع عن النفس من خطر “الإرهابيين”؛ ففي السويداء قام النظام بدعم مجموعات مسلحة، عام 2011، تعمل لصالحه، وحملت مسميات عديدة، مثل: “بصمة سورية، كلنا سوا، كتائب البعث”، كما جنّد مؤيدين له، وجعلهم ذراعه في المنطقة، كجماعة “نزيه جربوع” التي يعدَّها كثيرون من أهل السويداء، أولى المظاهر المسلحة الميليشياوية في المحافظة.

 

وفي مرحلة لاحقة، من عام 2013، قامت الأجهزة الأمنية، التابعة للنظام، باستغلال الأوضاع في البلاد، سواء على مستوى المعارك التي تدور بين النظام والمعارضة، أم على مستوى ما تبثه ماكينته الإعلامية، من وجود إرهابيين في عموم البلاد، يهددون المواطن السوري وأمنه؛ فأُنشئت، في ظل هذه الأحوال، ما تسمى بـ “قوات الدفاع الوطني” التي وصل عدد عناصرها إلى نحو 700 عنصر، وأطلقت الأفرع الأمنية يدَ هذه القوات في السويداء؛ فقامت بنشر حواجز في المحافظة، بحجة حماية المدنيين.

 

إلا أنَّ أهالي السويداء، أدركوا -سريعًا- أن هذه الميليشيات، ما هي إلا يد لنظام الأسد في المحافظة، تهدف إلى تجنيد أبنائهم في المعارك التي يخوضها ضد الشعب السوري نفسه؛ فظهرت جماعة من المعتدلين، في صفوف الأهالي، وبرزت أولى ملامح المجموعات المسلحة، والتي ستعارض -لاحقًا- سياسات النظام في المنطقة، وتكف يده التي مدها داخل المحافظة.

 

الشيخ البلعوس ورجال الكرامة

إن ارتهان بعض الزعامات الدينية، في السويداء، للأفرع الأمنية، وتجاوزات الميليشيات التي جندها النظام في المحافظة، وزجّ النظام أبناءَ السويداء في الجيش؛ لخوض معارك ضد الشعب السوري، كل تلك، كانت عوامل موضوعية؛ لظهور جماعة الشيخ وحيد البلعوس، بداية عام 2014، والتي عُرفت باسم “رجال الكرامة”.

 

حظيت الجماعةُ بتأييدٍ شعبيٍّ، لاسيما أنها رفضتْ تجنيدَ أبناء السويداء في صفوف النظام، ومنعتْ النظامَ من اعتقال المتخلفين عن الخدمة العسكرية، هناك، كما منعَتَ كلَّ الجماعات المسلحة، في المحافظة، من الاقتراب من المدنيين، أو الإساءة إليهم.

 

يقول سالم ناصيف، صحافي سوري من أبناء السويداء، في حديثه مع صحيفة جيرون: إن جماعة رجال الكرامة “نشأت نتيجةً العديد من الأوضاع الأمنية المتناقضة؛ ففي الوقت الذي بدت فيه القوى الأمنية عاجزةً -بشكلٍ تام- عن إيقاف، أو كشف، حالات التعدي المستمرة، وخاصةً حالات الخطف بحق المدنيين من أبناء المحافظة، كانت تلك القوى تستبيح ساحة السويداء باعتقالها أي شخص يشتبه بمعارضته للنظام، حتى بالرأي”.

 

وأوضح أن هذه التصرفات “جعلت من القوى الأمنية بمنزلة العرَّابة الأولى للفوضى التي انتشرت في السويداء؛ نتيجةً انتشار سلاح الميليشيات، وهو ما بات يهدِّدُ النسيجَ الاجتماعي في السويداء، حيث تكررت العديد من حالات الاعتداء والجرائم”.

 

وأكد أن الزعامات الدينية والاجتماعية “فشلت في لعب دورٍ إيجابيٍّ، يطمئن الناس، وذلك؛ لتبعيتها الأمنية، أو عجزها عن صياغة خطاب موضوعي، تعبر فيه عن هواجس السواد الأعظم من أبناء السويداء”.

 

هيأت هذه الظروف -برأيه- لظهور جماعة “رجال الكرامة”، فقال: إن الجماعة “كانت بمنزلة المعبِّر عن ذلك الخطاب المفقود، الذي وجد فيه الناس بوصلةً؛ لطرح وجهة نظر تنبذ العنف، وتحرم التعدي، وتنادي بمبادئ وطنية جامعة، بعيدة عن العصبية”.

 

بسرعة ملموسة، التف حول الشيخ البلعوس ما يقارب 30 ألفًا من أهل السويداء، منهم قرابة 27 ألف شاب، رفضوا الالتحاق بجيش النظام، كما أن “معركة داما”، و”دير داما” عام 2014، وحادثة بلدة القحف، أثّرتا في وجدان أهل السويداء الذين لمسوا الكذبة التي كان النظام يروج لها، وهي حماية الأقليات، حيث انسحب النظام من تلك الجبهات؛ ليتركَ أهلَ السويداء يواجهون مصيرَهم بأنفسهم.

 

في هذا السياق، قال زيد، ابن السويداء، لجيرون: إن جماعة رجال الكرامة “اكتسبت شعبيةً كبيرةً بين أهل السويداء؛ لأنها أوَّل جماعة تظهر منذ بداية الثورة، وتهدف -بشكل حقيقي- لحماية المدنيين في السويداء، ولا تعير الاهتمام لأي جهة من القوى المتحاربة في سورية، كما أنها كانت حجرَ أساسٍ، في استعادة مخيال الدروز عن تاريخ طويل من النضال ضد الظلم والطغيان”.

 

وأضاف: إن “عدمَ ارتهان الشيخ البلعوس لأيِّ أجندةٍ خارجية، وولاءَه المطلق لمفهوم السلام، وعدمَ الولوغ في الدم السوري، على غرار ما يفعله النظام، جعلتْ المعارضين، من أهل السويداء، يثقون بأنه لن يؤذيهم، ولن يقوم باللعب على وتر الحماية؛ فيضعهم بيد النظام، كما فعلت المجموعات المسلحة الأخرى، والتي كانت تخدم أجندة النظام علنًا”.

 

إلا أن الشيخ البلعوس لم يسلم من يد الغدر التي يجندها النظام لصالحه، خصوصًا أن النظام بات يرى، في شخصيةَ البلعوس وجماعتَه، تهديدًا مباشرًا له، ولأهدافه في المحافظة؛ فقام بالتحضير لأكبر عملية دموية في السويداء، منذ بدء الثورة، ونجح بالفعل في اغتيال الشيخ البلعوس، في الرابع من أيلول/ سبتمبر عام 2015، حيث قام بتفجير موكبه في منطقة ظهر الجبل، وتبعه بتفجير ثان، استهدف مدخل المستشفى الوطني، في أثناء إسعاف جرحى التفجير الأول، وهو ما أسفر عن موت الشيخ البلعوس، وسقوط نحو 64 قتيلًا، و125 جريحًا.

 

ما بعد اغتيال البلعوس: انهيار أم إعادة هيكلة؟

شكّلت عملية اغتيال البلعوس صدمةً كبيرةً، في نفوس أهل السويداء، وفتحتْ الباب لكثير من التكهنات، حول مصير الحركة، بعد مقتل مؤسسها، الذي علموا حقيقته ووطنيته؛ فخمدت أخبار الجماعة، وتضاءل نشاطها في المحافظة، وهو ما أثار تخوفات من اندثارها، في حين يرى بعض الأهالي، والمراقبين، أن الحركةَ مازالت قويةً، ومستعدةً لدفع دمائها من أجل المدنيين في المحافظة.

 

تولى قيادةَ الجماعة الشيخُ رأفت البلعوس، شقيقُ الشيخ وحيد البلعوس، وأكّد لكل المدنيين، وأعضاء الجماعة، أن “رجال الكرامة” ثابتون على مبادئهم، التي تهدف إلى “منع التعدي على الغير، ومنع التعدي على أهالي السويداء”.

 

 

وقال الزعيم الجديد: “نحن موجودون؛ لحماية الأرض والعرض، وللذود عن الوطن، وليس لصالح شخص، ولا لصالح حكومات”، مؤكدًا أنَّ “رجال الكرامة” يقفون على الحياد، وأنهم موجودون في أرضهم ويدافعون عنها.

 

وحول نشاط “رجال الكرامة”، بعد مقتل البلعوس، يقول ناصيف: إن تحركات الجماعة “خمدت إلا فيما ندر، وأصيبت الحركة بحالة من التفكك، وفقدت الكثير من أنصارها؛ نتيجةً حجم الجريمة المرتكبة، المتمثلة بالانفجار المزدوج الذي راح ضحيته الشيخ البلعوس، وقادة في الحركة، إضافة إلى أكثر من 60 قتيلًا، قضوا نتيجة الانفجار، وهو ما اضطر الحركة إلى تغيير استراتيجيتها، من المواجهة المباشرة، إلى المواجهة غير المباشرة مع الأجهزة الأمنية”.

 

ورأى أن بعض الخروقات الأمنية “استطاعت أن تساهم في تفكك الحركة، لكن ليس بإمكان ذلك أن يقضي على الحركة بشكل نهائي، بل يمكننا القول بأنها احتاجت لبعض الوقت، كي ترتب صفوفها”.

 

أظهرت الجماعة أنها مازالت موجودةً، بقوتها وزخمها، أكثر من مرة، لعل أبرزها عندما قام عناصر تابعون للأمن، عند حاجز “المسمية”، بتوقيف الشيخ أنس أبو حلا، في شباط/ فبراير من العام الجاري، بطريقة مهينة، واعتقاله بتهمة التخلف عن أداء الخدمة العسكرية، وتهريب الأسلحة، وأسفر انتشار الخبر عن استنفارِ مجموعات “رجال الكرامة”، ونشرِ حواجز التفتيش في مداخل مدينة السويداء، وقاموا باحتجاز نحو 40 عنصرًا أمنيًا، من بينهم مساعد في الأمن العسكري.

 

هذا التحرك الذي لم يكن يتوقعه النظام، والذي لن يستطيع السيطرة عليه، في ظل الأعداد الكبيرة الداعمة لـ “رجال الكرامة”، دفع به إلى تكليف بعض الوساطات الاجتماعية الدينية؛ لمعالجة الموقف، وامتصاص غضب الجماعة.

 

لعل هذ الحدث، أكد -للكثيرين- أن “رجال الكرامة” لم تتقلص قوتهم، ولم تنحرف اتجاهاتهم، وأن ما يحصل، في الفترة الحالية، ما هو إلا مخاض ولادة أخرى، وفترة بلورة قيادات جديدة، وإعادة تنظيم بيادقها المقاتلة.

 

رجال الكرامة في جرمانا: صعوبات وممكنات

كثرت التكهنات حول ظهور لجماعة “رجال الكرامة” في مدينة جرمانا، في ريف دمشق، ذات الغالبية الدرزية؛ وذلك بعد أن لمس كثيرٌ من أهل المدينة تناغمًا نفسيًا بينهم، وبين “رجال الكرامة”، في حين يرى بعضهم أن الوقتَ مبكرٌ جدًا، للحديث عن الانتقال الجغرافي للجماعة، من السويداء إلى جرمانا.

 

يقول أصحاب الرؤية الأخيرة إنَّ جرمانا تحتضنُ جماعاتٍ مسلحةً، تابعةً لرجال الدين، لكن منطلقاتها لم تتقاطع -بعد- مع منطلقات “رجال الكرامة”، لاسيما أن انتماءها يميل أكثر، إلى صف النظام السوري، من حيث دعمه، واستخدام خطابه المتعلق بحماية الأقليات من خطر “التكفيريين”.

 

ففي هذا السياق، أكّد ناصيف أنه على الرغم من وجود حركة رجال دين مسلحين في جرمانا، لكنها “تختلف عن حركة رجال الكرامة في السويداء”، موضحًا أنَّ حركةَ رجال الدين في جرمانا، “أكثرُ تماشيًا مع خطاب النظام، من حركة رجال الكرامة في السويداء”، ورأى أن انقلاب كفة الحركة في جرمانا؛ لتصبحَ في المقلب الآخر، المعادي للنظام، “رهنًا للأوضاع الموضوعية التي تعيشها جرمانا، وربما يتحقق ذلك، في حال ارتكاب النظام أي حماقة تجاه السكان”، عندها “ستكون القوة الأكبر في المدينة، والقادرة على استقطاب سلاح الميليشيات لصالحها، على عكس حركة رجال الكرامة في السويداء، التي يقف منها معظم الميليشيات موقف العداء”.

 

تبقى إمكانيةُ توحد حركة رجال الدين في جرمانا، مع جماعة “رجال الكرامة” في السويداء واردةً، وذلك مرده إلى أن الحركة في السويداء، تتشكل ضمن النطاق الأسري المحكم، لعائلات جرمانا، وقد اتخذت تلك الحركة من الحرم الديني، الذي اُتخذ في جرمانا، بداية الأحداث في سورية، منهجًا في ضبط تحركاتها، ونص ذلك الحرم على منع اشتراك أبناء جرمانا في القتال المندلع في المناطق الأخرى، وتحريم أداء صلاة الجنازة على كل مَن يُقتل خارج حدود المدينة.

 

مما لا شك فيه أن جماعة رجال الكرامة، حقَّقتْ أهدافًا، في عدة مستويات؛ فقد استطاعت كشف زيف النظام في كل ادعاءاته، وتمكنت من تحطيم هاجس خوف المدنيين من سلطة النظام وميليشياته، كما أنها أعادت لأهل السويداء ثقتهم بقدرتهم على حماية تاريخهم العريق في النضال، ومحاربة الدكتاتورية والظلم، فضلًا عن حماية أبنائهم من أن يكونوا وقودًا لحرب النظام، ضد الشعب السوري الذي طالب بحريته وكرامته.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق