أدب وفنون

ذكريات رياض صطوف والباحة الخلفية للاستبداد

  • من خطل الصورة النمطية، إلى المشتركات السورية.
  • في “تير معلة” لا ترى النظام السياسي مباشرة، لكنك ترى الباحة الخلفية للاستبداد.

                                                              

لا نستطيع في الجزء الثاني من القصة المصورة، للكاتب الفرنسي من أصل سوري، رياض صطوف، أن نهرب من ذكرياته المزعجة، كما في الجزء الأول منها، بأن نقول مثلًا: إن طفولتنا لم تكن في قرية “تير معلة”؛ وبالتالي لم نعش ما عاشه، فذكريات طفولته، في الجزء الأول، كانت تدور حول المرحلة المبكرة من طفولة ما قبل المدرسة، تلك المرحلة التي تتشكل فيها الثقافة الأم، الثقافة الخاصة بكل أسرة، وبكل مجموعة بشرية، وبكل مدينة وقرية ودين وطائفة، تلك الثقافة التي خلقت التنوع السوري الكبير، الذي نعرفه؛ وبناء عليها، كان بإمكاننا طرح الأسئلة، عن الصورة النمطية للسوري التي لا يمثلها أحد في الواقع، وكان يحق لنا أن نسأل: ماذا يمكن أن تقدم ذكريات طفل، في أسرة خاصة، وقرية صغيرة، يغلب عليها الطابع البدوي، للقارئ الفرنسي الذي تتوجه إليه القصة، في هذا الزمن السوري الكارثي؟  أما في الجزء الثاني؛ فيسرد الكاتب عن المدرسة التي تشكل أساس الذكريات المشتركة، في طول البلاد وعرضها، وعن المشتركات الأخرى، كالاقتصاد، والوضع المعيشي، وطبقة الأثرياء الجدد التي نشأت في ظل الديكتاتور، وعن سبل الارتقاء الاجتماعي في ذلك الزمن، عن ضباط النظام، وعن كل عناصر الباحة الخلفية للاستبداد.

 

لا تقتصر الذكريات المدرسية المشتركة، في طول البلاد وعرضها، على مناهج التدريس فحسب، وإنما تشمل -أيضًا- طريقة التعليم، التي تكرس النظام السياسي، وتعيد إنتاجه، كما ترغب رموزه، ولا نستطيع الهرب من ذكرياته؛ لأن مسطرة المعلمة التي تضرب أيادي الأطفال المبسوطة أمامها، هي ذاتها في كل مكان من سورية آنذاك، وقبعة الطلائع، والفولار، والشعارات التي تمجد الجيش “الوطني العظيم”، و”القائد الملهم”، هي ذاتها، والنشيد “الوطني” الذي كنا نحفظه كالببغاوات، وكذلك الفاتحة، دون أن نعترف بأننا لم نفهم منهما شيئًا.

 

في “تير معلة” لا ترى النظام السياسي مباشرة، ولكنك ترى الباحة الخلفية للاستبداد، والمساحة الشخصية لرموزه، ولضباطه الذين يحملون أعمدته الاستبدادية. اختار النظام جلادي الشعب من المناطق المهمشة، التي لم يقدم لها شيئًا، سوى التخلف والفقر، وفرص العمل كعسكر، وضباط، وجلادين، وربما كان ذلك الضابط الذي تعرفنا إليه، في هذه القصة، هو الضابط ذاته الذي تعرف إليه الكثير من المعتقلين في دمشق، ليس في “الفيلا” خاصته، وإنما في السجن، في أثناء حفلات التعذيب التي كان يديرها -شخصيًا- بكل نذالة وصفاقة، رسم رياض صطوف ملامحه، وكانت هي نفسها التي بقيت في ذاكرتي منذ ذلك الزمن.

 

يحاول هذا الضابط، الجنرال، أن يعيش حياة شخصية، مختلفة عن عمله في دمشق؛ فيتقرب من أستاذ “السوربون” وزوجه الفرنسية؛ ليوفر لزوجه حياة اجتماعية راقية، تليق بحلمه في الارتقاء الاجتماعي الذي يحاول أن يحققه، عبر كونه ضابطًا؛ فالعلاقة مع الدكتور الجامعي والأوروبي، ترضي هذا الطموح بالارتقاء، ولكن بدون أي معرفة، وبدون أي مؤهلات؛ إذ تغلب على هذه الحياة الراقية، سمات الأثرياء الجدد، التي تتجلى بثقافة الاقتناء من أجل الاقتناء؛ فزوجه الجاهلة تفتخر أمام المرأة الفرنسية، أم رياض صطوف، بأن لديها، من الحلي والأساور، ما يعادل وزنه خمسة كيلوغرامات من الذهب، و تدعي معرفة اللغة الإنكليزية، ومعرفتها لاتتعدى بضع كلمات، ترددها أمام ضيفتها الأوروبية، وفوق ذلك، لا تعرف شيئًا عن باريس؛ لتتحدث عنه مع ضيفتها الفرنسية، سوى أغلى المحلات هناك (لا فاييت).

 

أما بيت الضابط الكبير، فواسع جدًّا، وأريد له أن يكون فخمًا، ولكن نمط بنائه متخلف، وتملؤه التشققات. في ثمانينيات القرن الماضي، كانت ثقافة السكن متخلفة في سورية، يقودها نجار “الباطون”. ولم تكن موضة الفيلات الحديثة، ذات التصميم العصري (المودرن)، قد غزت سورية بعد؛ فالضابط الذي لديه الكثير من المال المسروق، والكثير من الجهل، ليس لديه القليل من المعرفة التي تقول: إذا أردت أن تبني بيتًا، عليك أن تبحث عن المهندس أولًا، وإلا، فالنتيجة ستكون منزلًا واسعًا جدًا، صُرف عليه الكثير من المال، والإسمنت والحديد، وفيه العديد من الغرف، والكثير من الأثاث، ولكنه لا يفتقر إلى الجمال والذوق الرفيع فحسب، وإنما ستملؤه المشكلات والتشققات كذلك؛ نتيجة غياب الدراسة الهندسية للبيت. لقد لاحظت عينا الصبي الصغير، رياض صطوف، تلك التشققات؛ لأنها غير مألوفة له، بخلاف أغلبية السوريين المعتادين على رؤية تلك المظاهر الوطنية.

 

كان يمكن للفيلا التي حلم بها أبو الكاتب، أستاذ الجامعة الدارس في السوربون، أن تكون مختلفة؛ إذ يمتلك المعرفة، ويمتلك الرغبة ذاتها في الارتقاء الاجتماعي أيضًا، ولكن عبر تعليمه العالي هذه المرة؛ فهو يطمح إلى بناء فيلا على أرضه، وكان قد جهّز مخططاتها الهندسية، ولكنه لم يكن يملك المال اللازم لبنائها، على الرغم من أن راتب أستاذ الجامعة أعلى من راتب الضابط! فصار يزرع أرضه؛ ليستفيد من دخل محصولها، وعاد فلاحًا، بدون علم زوجته التي صُدمت، عندما علمت بذلك؛ فهي كانت تحلم -أيضًا- بالسكن في فيلا، كان ذلك من ضمن حلمها الكبير في أن زوجها خريج الدراسات العليا الفرنسية، وسوف يكون له شأن كبير في بلاده، على حد تعبير رياض صطوف ذاته، في إجابته عندما سُئل، في أكثر من مقابلة تلفزيونية، عما يجعل أمه، الزوج الفرنسية، تتبع زوجها، وتتحمل أحوال العيش في تلك القرية، بدون أي اعتراض، كما جاء في قصته المصورة.

 

يروي رياض صطوف كيف أُتيح لهم أن يجربوا حياة الرفاهية، عندما دعاهم الجنرال إلى الذهاب معه، في سياراته الفارهة، إلى تدمر، والإقامة في فندق الميرديان هناك، وكيف أن أمه كانت سعيدة بتلك الدعوة؛ لذلك قرر أبوه أن يأخذهم، في الإجازة الصيفية، إلى ميرديان اللاذقية، وفي الطريق إلى هناك، كان الأب سعيدًا جدًا، واشترى النظارات الشمسية ذاتها التي كان يرتديها الجنرال، وصار يمتدح الإجازة في ميريديان اللاذقية، بأنها “أحلا” من الإجازة في لاس فيجاس،  لكن سعادته انتهت فور وصوله؛ ففي هذه المرة لم يكن مدعوًّا على حساب الجنرال؛ لذلك قضى الإجازة كلها، وهو يشكو من الغلاء، ويعترض على استهلاك المواد في ثلاجة الغرفة؛ لأنها غالية جدًا….إلخ، حتى تنغّصت إجازة تلك الأسرة الصغيرة.

 

أدركت تلك الأسرة الصغيرة أن في سورية الثمانينيات، لا قيمة، ولا شأن، لأستاذ الجامعة، ولا للعلم. لا قيمة فيها إلا لأدوات الاستبداد؛ فتلك الأدوات (العناصر) هي من توسط لديها خريج السوربون؛ كي يرتقي بوضعه الوظيفي في الجامعة، وهي من تعيش حياة الرفاهية التي لاينقصها شيء، مع أن البلد ينقصه كل شيء؛ فطرق التهريب، من لبنان، المحمية من قبلهم، والسيارات العسكرية، تستطيع أن تُؤمن كل احتياجاتهم وبذخهم، وليذهب شعبهم إلى الجحيم! والأنكى من ذلك، أن أستاذ الجامعة لانفوذ له، حتى في وسطه الاجتماعي، لا. بل، قد نُبذ من أهله، وعدّوه جبانًا، عندما بلّغ الشرطة عن جريمة شرف عائلية. لقد أدركت تلك الأسرة الصغيرة حقيقة أن النفوذ الحقيقي في سورية هو لأدوات الاستبداد السياسي، الذي يتجاور مع الاستبداد الاجتماعي، ويغذيه؛ كي يحمي باحته الخلفية، ويستمر.

مقالات ذات صلة

إغلاق