تحقيقات وتقارير سياسية

إزاحة بدلاء الأسد: “نصف لا” تُنصّب العماد حبيب بطلًا للمرحلة الانتقالية!

ورث بشار الأسد، عن أبيه، سلطة آمنة من طموحات ما يُعرف بالحرس القديم؛ للانقضاض على كرسي الرئاسة؛ إذ حرص الرئيس حافظ الأسد، قبل وفاته، على إزاحة هؤلاء، في عملية تقويض لمراكز القوى، استمرت سنوات طويلة.

ابتدأت العملية بالعميد رفعت الأسد، الطامح إلى وارثة شقيقه الأكبر الذي بدا، عام 1984، وكأنه على وشك الموت، تلاه اللواء علي حيدر، قائد القوات الخاصة.

 

اعتقال درامي!

كشفت مدوّنات، على شبكة الانترنيت، مقربة من رفعت الأسد، عن خلفيات إقصاء اللواء علي حيدر؛ حيث وُضع، عام 1994، قيد الإقامة الجبرية، مدة 45 يومًا، قبل أن يتم طرده من الجيش؛ لقوله، إثر استقدام بشار من لندن؛ لتهيئته للرئاسة، بعد وفاة باسل الأسد: إن “المسألة مسألة توريث، ولاشيء أخر، وإن رفعت كان محقًا في اعتقاده بذلك”.

 

تولى اللواء علي دوبا تنفيذ أمر الرئيس حافظ باعتقال حيدر، وتمت العملية بطريقة درامية، حيث دعا اللواء دوبا صديقه حيدر إلى تناول الغداء، في مقهى “الزوزو”، قرب مدينة جبلة، وبعد أن عانقه، أبلغه باضطراره إلى اعتقاله، وذلك بمؤازرة نحو 200 عنصر أمني، أحاطوا بالطاولة. وللمفارقة شرب حيدر الكأس نفسها التي دبرها -سابقًا- لرفعت الأسد، حينما حاول، عام 1984، في أثناء الأزمة المعروفة بـ “صراع الشقيقين على السلطة”، اعتقاله بكمين مُشابه، في أحد مطاعم ريف دمشق، لكن رفعت لم يلبِّ الدعوة، توجسًا من اعتقاله.

 

لم يعد هؤلاء يحكمون سورية، لكن بشار الذي استلم السلطة على أنقاضهم، وأنقاض غيرهم، ورث -أيضًا- منطق الإقصاء، وعدم التسامح مع الطامعين فيها، بغض النظر عن قربهم، وصلة قرابتهم.

 

صحوة أموات!

أعاد بشار تطبيق مبدأ أبيه على رفعت، الذي سرعان ما تخلّى عن طرحه نفسه، بدايات الثورة، كأحد الحلول البديلة “المؤقتة” عن بشار، ثم محاولته اتخاذ مواقف مُلتبسة من بقاء ابن شقيقه ممسكًا بالسلطة، لكن سرعان ما قذفته تطورات الصراع الإقليمي على سورية، إلى زوايا النسيان السياسي مجددًا.

 

بدوره، لم يتردد اللواء علي حيدر، في فورة غضب مُعلنة يتيمة، عن توجيه انتقادات لاذعة لبشار، وبكلمات قاسية، تناقلتها مواقع للتواصل الاجتماعي، بعضها مؤيد للأسد؛ حيث تساءل اللواء، في أثناء مجلس عزاء أحد القتلى العسكريين، في بلدته (بيت ياشوط) بريف جبلة، عن جدوى موت هؤلاء الشباب “مثل البرغش والذباب”، واصفًا بشار بـ “الولد الذي يبقى ولدًا، لو عمر بلدًا، أبوه عمل مئة مصيبة بالبلد، كلها بكفة، وتوريث ابنه بكفة”، مضيفًا: “الشباب الذين يموتون، ليسوا أجراء، ورثهم عن والده”.

 

لا تختلف نهاية العماد علي دوبا، مؤسس المخابرات العسكرية، والثاني بعد الأسد الأب -نفوذًا- حتى إقالته عام 2000، عن نهاية رفعت وحيدر، على مذبح توريث السلطة لبشار، الذي نُقل إليه ما همس به العماد دوبا، في مجلس لعزاء أيضًا، بأن “الغبي بشار سيأخذنا إلى الجحيم”، وهي عبارة حرص الأسد الابن على ردها، خلال استقباله مجموعة من الضباط المتقاعدين، في العام الأول للثورة، عندما علّق (حسبما يُشاع) على رأي العماد، باستحالة إدارة الأزمة على مبدأ نموت أو ننتصر، بالقول، متعمدًا إهانة العماد: “استغرب كيف أبقاك الرئيس حافظ، بأفكارك هذه، في منصبك كل تلك الفترة”.

 

دولة المافيا!

بالطبع، لا يُمكن التأكد من دقة تلك الروايات، لكن، لا يُمكن استبعادها، في سياق سلوك سلطة الأسد، وهي تشبه سلوك المافيا، وارتباطه بالعنف المقترن بتوريط الأعضاء، حتى ذقونهم، في ملفات فساد مالي وأخلاقي جاهزة للفتح، ويكفي التلويح بها لإسكات كل صوت معارض؛ لذا، لم يكن مُستغربًا أن تنشر صحيفة “الديار اللبنانية”، الموالية للأسد، في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، أن “بشار الأسد قام بتوبيخ العماد علي دوبا هاتفيًا؛ لممارسته لعب القمار، وهو رئيس أمني سابق، في كازينوهات لندن، بينما سورية تحترق، بفعل الأحداث الخطرة التي تعيشها”.

 

انشقاق علوي!

لم يغب ذكر دوبا، عن وقائع أخرى، لم ترُق لبشار الأسد؛ إذ شاع أنه يقف خلف مبادرة وزير الإعلام الأسبق، محمد سلمان، (المبادرة الوطنية الديمقراطية)، التي طرحها في الشهر الخامس من عام 2012، ولعل قرابة المصاهرة التي تجمع بين المسؤولين السابقين، وانتماءهما إلى “الحرس القديم”، ساهما بانتشار الشائعة، والتي نفاها -لنا يومها- أحد المُطلعين عليها، المعارض والسجين السياسي، مروان حبش، وهو وزير، وعضو قيادة قطرية سابق في البعث.

 

جاءت مبادرة سلمان أشبه بصفعة تلقاها بشار، كونها صادرة عن شخصية علوية، تمتعت بنفوذ واسع في عهد الأسد الأب، ويمكن أن تحشد خلفها شخصيات عسكرية علوية ذات وزن، من عيار دوبا وحيدر، إضافة إلى ما جمعته من مسؤولين بعثيين، مدنيين سابقين، انتقدوا سياسة بشار الإقصائية، ونادوا بانتقال سياسي تدريجي للسلطة، إلى حكم برلماني ديمقراطي، وهو ما يعتبره الأسد خطًا أحمر؛ لأنه يعني -ضمنًا- خروجه من السلطة.

 

تلك المبادرة المُتهمة بمهادنة النظام أصلًا، لم تعش طويلًا؛ إذ سرعان ما تلقى الوزير سلمان، عبر القنوات المعتمدة، تهديدًا جديًا، يملي عليه التراجع عن أي نشاط سياسي يتعلق بالأزمة، أعقبها منعه من مغادرة البلاد، ومذ ذاك، لم يُسمع للوزير الأسبق تصريح، أو يُلحظ نشاط لِما وصفه مراسل “الفيغارو” الفرنسية، جورج مالبرونو، يومها بـ “الانشقاق داخل الطائفة العلوية”.

 

نصف لا!

إن هذا “الانشقاق الطائفي” المدني،  بحسب المراسل المذكور آنفًا، سبقه شبه تمرد عسكري، نفذه وزير الدفاع الأسبق، العماد علي حبيب، عندما أعرب، في اجتماعات ضيقة، عن معارضته زج الجيش في مواجهة المحتجين، وإرساله إلى المدن، وهذا ما أجبره، وفقًا للاعتقاد السائد، على تقديم استقالته في الشهر الثامن من عام 2011، بعد خمسة أشهر من انطلاق الثورة، وأثار تكهنات متشائمة حول مصيره؛ ما لبث أن حسمها الأسد، عبر بث كلمة متلفزة للعماد حبيب، ينفي فيها الأخبار عن إقالته، مؤكدًا استقالته بنفسه من منصبه؛ لأسباب صحية، مع بقائه “جنديًا وفيًا” للجيش.

 

(نصف لا) غير مؤكدة، مدعّمة بعلاقات خارجية مفترضة للرجل، مع واشنطن والرياض، بحكم قيادته القوات السورية في حفر الباطن، في أثناء حرب الخليج الأولى، كانت كافية لأن يحجز العماد المُقال، أو المستقيل، مقعده، عند كل حديث عن مرحلة انتقالية مرتقبة في سورية، أو عن إنشاء مجلس عسكري مختلط، بين ضباط الأسد والمنشقين عنه، برئاسة العماد علي حبيب، فيقود البلاد، ويُشكل ضمانًا للأقليات.

 

من يجرؤ؟

لكن بالمقابل، لا يجب استبعاد “مفاجأة” أن يرفض الوزير، علي حبيب، العرض، بقيادة المجلس العسكري، في حال جديته، بل يجوز عدّ الرفض احتمالًا مرجّحًا لدى العماد، وسواه من عسكر الصف الأول، وهم أكثر من تعلم، في عهد “الأسدين”، فن دفن رؤوسهم بعيدًا عن السلطة؛ كي لا يفقدونها، والشواهد حية على الرغم من موت الشهود، بدءًا من اللواءين: محمد عمران، وصلاح جديد زمن حافظ الأسد، مرورًا باللواء غازي كنعان، والعماد آصف شوكت، الذي قضى بتفجير مُريب لمقر ما يُعرف بـ “خلية الأزمة”، عام 2012، دبّره بشار الأسد؛ بهدف التخلص من الصهر غير الموثوق.

 

كانت تصفية العماد شوكت رسالة واضحة، تفيد بأن الأسد الابن أكثر دموية من الأب، عندما يتعلق الأمر بالسلطة، وأنه لن يتردد في نحر أقرب الناس على مذبحها، وليس الاكتفاء بنفيه فحسب، مُنعمًا بعشرات ملايين الدولارات المُختلَسة، مثلما فعل الرئيس حافظ بشقيقه رفعت.

مقالات ذات صلة

إغلاق