هموم ثقافية

الوحش والثقافة

لو نظرنا مليًّا إلى دور الثقافة في تطورنا؛ لوجدنا أنها هي من روّضت أرواحنا، ونقلتنا من مرتبة الوحوش إلى مرتبة البشر، المنتجين للقيم الروحية والأخلاقية والمعرفية. قبل الثقافة كان الإنسان البدائي تقوده الفطرة وغريزة البقاء، وبقي انتماؤه للقطيع (الأسرة، القبيلة) غريزة أصيلة فيه، إلى أن جاءت مرحلة العقل والثقافة؛ لتشذّب -بالتدريج- هذه الغرائز البهيمية، وتحوّل الانتماء الطبيعي للقطيع إلى انتماء للمعرفة، وللفضاء الصاخب المفتوح على الحرية. هذا التوق إلى “المجهول” هو ما منح الإنسانَ القدرة على التفكير، وهو ما أخرجه من الكهف إلى الضوء (الحرية)، كما فتح عينيه على هذا الكون بما يكتنفه من أسرار وجمال وتحديات.

قبل العقل كان الإنسان/ الوحش يعيش، ليس سجين المغاور (المكان) وحسب، بل سجينًا للغرائز والخوف من هذا المجهول: (الطبيعة، الفضاء الخارجي، البحر، الموت، المرض، الولادة، الصقيع، العواصف، السيول…)، ثم جاء التفكير والتجريب؛ فجعله يتساءل، ويفهم، ويميز الأسباب والنتائج، أي: جعله أكثر معرفة؛ وبالتالي، أكثر شجاعة في مواجه المحيط.

لم تعد القوة العضلية وحدها -إذن- من يتحكم بمصير الإنسان، ظهرت إلى جوارها قوة أخرى أشد تأثيرًا هي قوة العقل والمعرفة والتدبير. وبما أن التفكير لا وجود له بمعزل عن الحرية؛ فقد أصبحت الحرية صفة وشرطًا لازمًا، ليس للتفكير فحسب، بل للحياة اليومية أيضًا.

لقد استغرق انتقال الإنسان، من مرحلة الغريزة إلى مرحلة العقل، آلاف السنين، استطاع خلالها اكتشاف قدراته الذاتية، وتعرف محيطه، والتفاعل معه، والتأثير فيه، وقد عبّرت قوة العقل عن ذاتها بالمراقبة والتأمل والتجريب والمبادرة؛ فتمكن الإنسان البدائي من صنع أدوات الصيد والحفر، وما احتاجه من أدوات، صنعها من شظايا الحجارة والعظام والأخشاب ، ثم اكتشف النار والفخار والبرونز والحديد والنحاس، واستخدم هذه الأدوات؛ للدفاع عن نفسه أولًا، وإشباع حاجته المادية ثانيًا، وكان القوس قمة اختراعاته ذات يوم، ثم جاء المحراث والعجلة والعتلة…إلخ. ومن النافل القول: إنّ كل ذلك سبقته عملية تأمل وتخيل وطموح وتجريب، وسعي حثيث؛ لجعل حياته أسهل وأفضل.

لكن الإنسان المتميّز عن جميع الحيوانات، بانتصاب قامته، وتحرر يديه، وقدرته على التفكير والتدبير؛ الإنسان الساعي إلى المعرفة والكمال، لم يكتف بتلبية حاجاته المادية (المأكل والملبس والمسكن…)، بل سعى -أيضًا- إلى تلبية حاجاته الروحية والمعرفية؛ فهو يمتلك، إلى جوار العقل، نفسًا، وروحًا، وذاكرة، ومشاعر حزن وغضب وحب وحنين، ولديه رغبة جامحة في التعبير عنها، بواسطة الكلام والرسم والرقص والغناء والموسيقى… هكذا صارت الثقافة والفن جناحه الثاني الذي مكنه من التحليق، بعيدًا عن الوحش، وسمح له بتحقيق إنسانيته المتمايزة.

هل كان “الوحش” بحاجة للثقافة؛ كي تكتمل إنسانيته؟ الجواب: نعم، بالتأكيد، لم يكن ذلك الاكتمال ممكنًا مع غياب الفن والثقافة والمشاعر؛ إذ “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، وإنما بما يحمله -أيضًا- من القيم الروحية والأخلاقية، التي لولاها، لكنا أطلقنا على “الروبوت” صفة الإنسان الحي الكامل. إنه إنسان آلي مبرمج، يرقى إلى أعلى مستويات التكنولوجيا والإنجاز العلمي، لكنه لا يمتلك تلك القيم الروحية، إنه لا يفكر، لا يحلم، لا يندم، لا يتألم، ولا يطمح إلى أن يقوم بأكثر مما كُلف به، وهو مثل النحلة (التي تحدث عنها ماركس)، واضعًا عملها المتقن (قرص العسل) خارج دائرة الفن؛ لأنه عمل غريزي، يفتقر إلى النيّة والخّطة المسبقة (الوعي)، وكذلك عمل العنكبوت والنملة، ونقار الخشب الذي ينحت في جذوع الأشجار لوحات رائعة، من دون علم ومعرفة.

يعجز العلم المجرد -وحده- عن الحضور والفعل والتطور بمعزل عن الثقافة، كما تعجز الثقافة أيضًا، بغياب العلم، عن تحقيق ذلك؛ فالإنسان كتلة ملتهبة من المشاعر والدوافع والرغبات والطموحات والتخيّلات التي يقودها العقل، وهو الكائن الحي الوحيد الذي يسعى للكمال؛ فيخطط ويحلم ويجرب ويكافح؛ لتحقيق أحلامه، لكنه لا يستطيع أن يحقق شيئًا، إلا من خلال المعرفة/ (الثقافة والعلم).

مقالات ذات صلة

إغلاق