تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الثورات المضادة ضد الثورات

تنطلق الثورات، ومع انطلاقها تتحرك القوى المضادة للثورة، لكونها الأكثر تضررًا من هذه الثورات، ومن هنا على القائمين على الثورات أن يخططوا للثورة، وللثورة المضادة معًا. من الطبيعي أن تتحرك القوى المضادة للثورة عند قيام الثورة، وكما أن القائمين على الثورات المضادة يقومون بجردة لمن هم مع الثورة، ولنقاط ضعفهم، ونقاط قوتهم، كذلك على الثوار، قبل أي تحرك ثوري، سواء أكان انتفاضة أم ثورة أم حراكًا، أن يحددوا من هم خصومهم، قبل أن يحددوا من هم معهم، لأن العديد مِن مَن نعتقد أنهم مع الثورات وأنهم مساندون لها هم في الحقيقة خصوم لها، على الرغم من الخطابات الديماغوجية، يمينًا أو يسارًا.

قيام الثورات يكشف عورات النظام الذي نثور عليه، وينكشف مع صيرورة الثورات الواقع المرير لهذه المجتمعات، التي عملت الأنظمة المستبدة على إضعافها، أكثر مما هي ضعيفة، مستغلة الخوف من النظام السياسي، الذي تزرعه في نفوس الناس من خلال سيطرتها على هذه المجتمعات.

ثورات الربيع العربي قامت ضد أنظمة الاستبداد، ومن هنا؛ فإن الثورة المضادة تعمل على العديد من الأسلحة، ولقد اعتمدت هذه الأنظمة المنهارة سياسات معادية للثورات، كانت قد أعدّتها لأيام ثورية، إذ كانت تعرف أنه سيأتي اليوم الذي يفقد الشعب فيه قدرته على تحمّل تسلطها، ومن هنا خزنت الأسلحة المضادة لسلاح الثورات الذي يعتمد على الجماهير في ثوراتها.

أول هذه الأسلحة إطلاق سراح المساجين السياسيين الموقوفين لديها، وغالبًا ما تكون الأنظمة قد دربتهم لخدمة مشروعها، بشكل مباشر أو غير مباشر، ولسوف نأخذ الثورة السورية، والثورة اللبنانية، والثورة العراقية، حيث ندرس كل العوامل المعتمدة على القوى المضادة لهذه الثورات.

الثورة السورية:

عانى الشعب السوري الاضطهاد والاستبداد، منذ صبيحة الثامن من آذار/ مارس 1963، حيث بدأ حراكه ليس في الخامس عشر من آذار/ مارس 2011، بل في الخامس عشر من شباط/ فبراير 2011، حيث انتفض أهالي الشام في حَراك، كان شعاره بسيطًا، ويعتمد على حس عفوي للجماهير المحتقنة، وقد رفعت شعار “الشعب السوري ما بينذل”، حيث استطاع وزير داخلية النظام امتصاص احتقان الناس، بإيهامهم بأن الشرطي المعتدي قد عوقب. انصرف الناس، ليعودوا إلى التظاهر بعد ثورة أطفال درعا، فثاروا على النظام البوليسي، ولكن قوى النظام أو قوى الثورة المضادة للجماهير المحتجة على هذه الاعتقالات، واجهت المحتجين بالرصاص، وكلما اشتد الحراك الثوري، أو الانتفاضة، كانت القوى المعادية للثورة تزداد شراسة، وأخذت الأجهزة الأمنية تعتقل القوى التي تعتقد بأنها تقف وراء الحراك. لم ينجح استعمال القوة ضد الناس، فأطلق النظام من السجون القوى التي اعتمدت خلال كل فترات الاعتقال، وما قبلها، على الخطاب الديني، مستخدمين رجال الدين، الذين غالبيتهم من القوى التابعة للسلطات، وقد استغلت الأجهزة الأمنية، وهي أكثر المتضررين من أي إصلاح سياسي ممكن أن يعتمده النظام، ظاهرةَ الحرب في العراق بعد الغزو الذي تم في التاسع من نيسان 2003، عن طريق تجيش “المجاهدين” وإرسالهم إلى العراق، حيث كان غالبهم إما يقتل أو يكتشف زيف الحرب الجهادية هذه، وكانوا عند العودة يتلقفهم جامع جامع، فيدخلهم إلى السجون، حيث ينشرون التطرف الإسلاموي في السجون، ولنا في ظاهرة أبو القعقاع في حلب خيرُ دليل، حيث كان يجيش الناس للجهاد، ويدعو إلى إطاعة ولي الأمر الذي هو بشار الأسد.

نتيجة فشل العنف ضد الثائرين، اضطر المنتفضون إلى أن يحملوا السلاح للدفاع عن النفس، ولقد أخذت بعض القوى تنشق عن النظام، ليكتشف بعد ذلك أن العديد منهم هم أحصنة طروادة، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، ولكن النظام لم يستطع أن يخمد انتفاضات الشعب السوري، فأطلق عبر مراسيم عفو، سراح كل الإسلاميين المتطرفين الذين كانوا في سجون النظام، ليستخدمهم ضد الثوار، ولقد كان هذا السلاح الطائفي السلاح الأمضى ضد هؤلاء الثوار، وقد سلّح معظمهم بطرق داخلية وخارجية، كتنظيمي (داعش) و(النصرة) إضافة إلى زرع الأيديولوجيا المتطرفة، التي استُخدمت بشكل متطرف من قِبل كثير من القوى المخابراتية المحلية أو العالمية.

من الثورة السورية، نكتشف أن العديد من أدعياء الثورة الذين تربّوا في أحضان النظام هم في الحقيقة أحصنة طروادة استخدمتها القوى المعادية للثورة لضربها عندما يقتضي الظرف ذلك.

الثورة اللبنانية أو الثورة المخملية:

الثورة في لبنان كانت ثورة سلمية، ولقد شملت، في أيام قليلة، كل الأراضي اللبنانية، شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وهذا ما أخاف القوى المعادية للثورة، وعلى رأسها “حزب الله” و”حركة أمل”، ولقد أخذت هذه الثورة المضادة تصعد ضد الانتفاضة، التي رفعت شعار المواطنة في مواجهة الطائفية، ومن هنا نرى العنف يزداد في لبنان، ولقد صبّت القوى الثورية غضبها ضد النظام المصرفي المهدد بالانهيار، حيث مع انهياره ستنهار العديد من الدول التي اعتمدت المصارف اللبنانية لتبيض الأموال وخاصة سورية والعراق. وهناك خوف من أن تستخدم القوى المضادة للثورة الحلَّ السوري للقضاء على هذه الثورة.

الثورة العراقية:

ضاق الناس في العراق بالنفوذ الإيراني داخل السلطة السياسية الفاسدة، وكانت الطائفية هي عماد سيطرة القوى الإيرانية، وقد استغلت إيران محاربة (داعش) لإعطاء مزيد من القوة “للحشد الشعبي” الذي هو في الحقيقة حشد شيعيّ إيراني، ولقد صبّ الشعب غضبه بإحراق القنصليات الإيرانية في المواقع ذات الأكثرية الشيعية، وهذا ما أخاف القوى المعادية للثورة في العراق، فاستخدمت العنف ضد الناس، حيث سقط العديد من المتظاهرين.

لا بد من القول في الختام إن قاسم سليماني هو من كان يقود الثورة المضادة، في كل من لبنان وسورية والعراق واليمن، وجاء مقتله ضربة قاسية للقوى المعادية للثورات في كل المنطقة، ولم تلتقط حتى الآن هذه القوى المعادية للثورات أنفاسها، وهذا ما أدخل الفرح إلى قلب كثير من القوى الثورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق