تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

عن المعارضة التي تحولت إلى عبء يثقل كاهل السوريين

عندما اندلعت الثورة السورية في آذار 2011، لم يخطر ببال السوريين يومًا أن المعارضة السياسية التي تشكلت، ممثلة بالائتلاف الوطني والمؤسسات والمنظمات والوزارات التابعة له، ستتحول إلى كيان ليس له علاقة بتطلعات السوريين وأحلامهم حول دولة الحريات والقانون، التي كانت تراودهم وهم يُقتلون في شوارع المدن السورية، بالمفرق والجملة. لم يخطر في بالهم أن يتحول هذا الكيان إلى مجرد موظفين تعنيهم رواتبهم الشهرية أكثر من أي شيء آخر. ولكن لماذا وصلت درجة استهتار هذه المعارضة بقضايا السيادة الوطنية ووحدة الأراضي السورية وكرامة السوريين إلى مستوًى يشبه المستوى الذي وصل إليه النظام الأسدي؟

لقد فهمت المعارضة السياسية السورية، بعد تشكيل الائتلاف الوطني في نوفمبر 2012، أن فعل المعارضة للنظام الأسدي يقوم على تبني خطاب ضد هذا النظام يفضح جرائمه وسياساته القمعية، وتكوين كيان سياسي مهمته الأساسية هي أن يحلّ محل النظام ويستلم تركته. تقديرات المعارضة انطلقت من أن النظام الأسدي لم يعد مقبولًا دوليًا، وأن المهمة الأساسية هي أن تُقنع المعارضة الأطراف الدولية بأن تحلّ محله. ولذلك يمكن القول إن أول أخطاء معارضتنا أن تفكيرها لم يكن منصبًا على كيفية إسقاط النظام الأسدي والاعتماد على السوريين لتحقيق هذا المسعى، بقدر ما انصب على تجهيز نفسها للحلول محل النظام واستلام السلطة منه، وكأن سقوط النظام سياسيًا أو عسكريًا مسألة محسومة سلفًا، وهو خطأ يشبه من الناحية الاستراتيجية الخطأ المعروف الذي ارتكبه الصحابة في معركة أُحد المشهورة.

قناعة هذه المعارضة بأن ساعة استلام السلطة من النظام مسألة وقت لا أكثر، وأن عليهم الاستعداد لها، وأن الأطراف الخارجية الداعمة لهم، أو ما كان يعرف بأصدقاء الشعب السوري، هي من سيسقط النظام، دفعتهم إلى تفصيل أنفسهم على مقاس تلك الأطراف، لا على مقاس السوريين. بمعنى أنها معارضة تمثل الأطراف الداعمة ولا تمثل الشعب السوري بالدرجة الأولى. تتفاعل مع الأطراف الداعمة، ولا تتفاعل مع الداخل السوري بالدرجة الأولى. تتصرف وفق متطلبات الأطراف الداعمة، لا وفق متطلبات الوضع السوري. تحاول أن تبدد مخاوف الأطراف الداعمة لا مخاوف السوريين بالدرجة الأولى.

هكذا تحول الصراع بين هذه المعارضة والنظام الأسدي إلى صراع على الحصول على الدعم الدولي، وعلى إصدار القرارات الدولية، وعلى التركيز على الإشارات والرسائل والنصائح والتصريحات التي تصدر من القمم والاجتماعات والمؤتمرات التي تتعلق بسورية. بلغ إهمال الوضع الداخلي أن محافظة الرقة التي “تحررت” من النظام عام 2013 لم يفتتح فيها الائتلاف أي مؤسسة تُذكر، وبقيت مهملة إلى أن افترستها (داعش) بشكل كامل عام 2014، حيث سيطر التنظيم على كامل المحافظة بعد تصفية كل الفصائل المقاتلة هناك، ومنها “جبهة النصرة”.

المهمة الأساسية التي تعانيها المعارضات الوطنية عادة هي الحفاظ على استقلال قرارها بدرجة معقولة، وجعل القضية الوطنية ملكًا لها ولمن تمثلهم بالدرجة الأولى، دون أن يعني ذلك عدم أخذ الأطراف الدولية بعين الاعتبار. وهذا يعني أن المعارضة الوطنية عليها أن تستخدم “السياسة” لجلب دعم دولي لمطالب من تمثلهم وليس العكس. المعارضة التي نتحدث عنها قلبت المعادلات، ولم تجد أي مشكلة في التضحية باستقلال قرارها والجري وراء الداعمين والقوى الخارجية، حتى وصلنا إلى وضع تريد فيه هذا المعارضة أن يتكيف السوريون مع كل التفاهمات الدولية، ومقررات المؤتمرات الدولية حول سورية.

بعد ردة الفعل الدولية على استخدام نظام الأسد للسلاح الكيمياوي في غوطة دمشق، في آب/ أغسطس 2013؛ أدرك النظام الأسدي أن الملعب الدولي لم يعد منطقة خطرة. وأن لعبة المؤتمرات التي تعقدها الأطراف الإقليمية والدولية حول سورية ستفضي، بكل بساطة، إلى لا شيء. طبعًا هذا اللاشيء له ثمن يمكن أن يقدمه النظام لداعميه، وهو مستعد لأن يقدم كل ما تطلبه روسيا مثلًا، وأن يسكت عن كل ما تقوم به أميركا داخل الأراضي السورية. ولكن ماذا عن المعارضة؟ في الحقيقة هي، بكل بساطة، لا تعرف إلى أين تسير الأمور. هي فقط تتلقى أوامر، وصلاحياتها تتمثل في تنفيذ ما يطلب منها.

هذه الوضعية الكارثية بالنسبة إلى المعارضة تعود إلى أنها تبنت مفهوم السياسة، من حيث هي “العمل من أجل امتلاك السلطة”، وليس من حيث هي أيضًا عمل سياسي واجتماعي يشرك أكبر قدر ممكن من الناس، بوصفهم موضوعًا للسياسة وشريكًا في المجال السياسي، وأن مصالحهم وتطلعاتهم تشكل، في النهاية، الهدف الأساس من العمل في السياسة. فالمعارضة تبنت مفهومًا أسديًا للسياسة يجعل منها مجرد وسيلة للمساومات وتقديم التنازلات والمحاصصة، لأن السلطة هي موضوع السياسة الوحيد بالنسبة إلى هذه المعارضة.

ولذلك فقد خسرت المعارضة السوريين، قبل أن تخسر أي شيء آخر. حيث توزعت خارطة السيطرة في النهاية بين النظام الأسدي من جهة، والفصائل الإسلامية المسلحة من جهة ثانية. المعارضة خسرت السوريين لأنها، بكل بساطة، لم تسعَ إليهم، فهم موضوع سلطة وليسوا شركاء.

بعد مؤتمر سوتشي في بداية 2018، وضعت المعارضة كل بيضها في سلة اللجنة الدستورية التي يبدو أنها ستحدد مستقبل سورية. النظام الأسدي أما أن يقبل بالدستور الجديد الذي ستكتبه تلك اللجنة، إذا كان سيضمن بقاء بشار الأسد في السلطة، أو يقوم بتعطيل عمل اللجنة، إذا شعر بأنها ستُقِر مواد تشكل خطرًا على بقائه. طبعًا الائتلاف، والقوى المتحالفة معه، والمنصات، لا تملك أوراقًا تذكر، بغية إحداث تغيير حقيقي للوضع في سورية عبر اللجنة الدستورية.

الوضع الذي حشرت فيه المعارضة نفسها، ومن تمثلهم، دفع بكثير من السوريين إلى الحديث عن «الفراغ» الذي عجزت المعارضة السياسية عن ملئه. فالمعارضة هي معارضة، ولكنها في حقيقة الأمر ليست معارضة، حيث إنها لم تعد تمثل من يفترض أنها تمثلهم، وعلى الرغم من ذلك تستمر في التمثيل، على طريقة بشار الأسد الذي يفترض أنه يمثل السوريين، في حين أنه لا يقوم بغير قتلهم وتهجيرهم. هي ليست معارضة، حيث إنها لا تشعر بأنها مسؤولة أمام من تمثلهم، بنفس الطريقة التي لا يشعر فيها النظام الأسدي بأنه مسؤول أمام السوريين، والسبب يعود في الحالتين إلى أن كلًا من المعارضة التي تحدث عنها والنظام الأسدي يشعر بأنه لا يستمد سلطته ممن يمثلهم. السوريون في ذهن الطرفين هم موضوع للسلطة لا أكثر. هم رعايا أكثر منهم مواطنون.

المعارضة هذه لا تعرف، في الوقت الحالي، كيف ستؤول الأمور في إدلب وريفها، وريف حلب، ومنطقة تل أبيض ورأس العين في الجزيرة السورية، وما هي حدود التفاهمات الروسية التركية، وما هي حدود الوجود الأميركي في ريف دير الزور. أما النقطة الأكثر إحراجًا فتتمثل في أن المعارضة ليس لها أي دور يذكر في هذه القضايا، حتى فصائلها تتقدم وتتراجع بحسب توجيهات محددة.

هذه الأوضاع الصعبة التي يعيشها السوريون هذه الأيام دفعت بكثير منهم إلى التفكير في صيغ من حوارات/ نقاشات، بغية تكوين كيانات بديلة للمعارضة الموجودة، كيانات تعمل على مساعدة السوريين في امتلاك قرارهم المستقل، وتخليصهم من النزعة التسلطية الموجودة في مؤسسات المعارضة المهترئة، والعودة للاهتمام بالسوريين، بوصفهم أفرادًا لهم حقوق ومصالح، مثلما تساعدهم في استرجاع أهداف ثورتهم التي لم تعد تعني للمعارضة الحالية أيّ شيء يُذكر. نقاشات تعيد التفكير في مفاهيم السياسة والهويات والطائفية والوطنية والأكثرية والأقلية والقومية، ومختلف المفاهيم السياسية التي تبيّن أنها بحاجة إلى إعادة النظر فيها من جديد، وذلك كله تمهيد للتفكير في عقد مؤتمر سوري عام، نعتقد أنه أصبح أمرًا مطلوبًا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق