تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

اختتام ندوة “تجارب سورية الدستورية” التي نظمها مركز “حرمون” في برلين

اختُتمت أمس الأحد 26 كانون الثاني/ يناير، أعمال اليوم الثاني من الندوة الحوارية الموسعة حول تجارب سورية الدستورية التي عقدها مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في مدينة برلين بألمانيا، بمشاركة العديد من الباحثين والمختصين والخبراء السوريين في القانون والسياسة وعلم الاجتماع والاقتصاد والإدارة.

تضمن اليوم الثاني أربع جلسات حوارية، بدأت الجلسة الأولى بورقة بحثية للمحامي ميشيل شماس بعنوان “القضاء الدستوري وأهميته لمستقبل سورية”، تحدث فيها عن أهمية القضاء الدستوري الذي بات يلعب دورًا مهمًا في المجتمعات المتقدمة، وقدّم عرضًا سريعًا لوضع القضاء الدستوري في سورية وعدد من البلدان العربية، مشيرًا إلى أن القضاء الدستوري يحمي مبدأ سلطة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات، ويمنع تفوق أقلية أو فئة على أخرى، ويحفظ التوازن بين جميع مكونات الشعب السوري، ويضمن انتظام الحياة السياسية في الدولة ويحميها من النزاعات، وله أهمية كبيرة في موضوع تنشيط الاستثمارات، وهو محور ملف إعادة إعمار سورية.

وتحدث الأستاذ وسام جلاجح، في المحور الثاني، عن سيادة القانون والقضاء المستقل النزيه الكفء، معرّفًا سيادة القانون بأنه مبدأ للحكم يكون فيه جميع الأفراد والقطاعات والمؤسسات، في الدولة، مسؤولين أمام قوانين صادرة علنًا وتُطبق على الجميع دون استثناء. وأضاف: “عندما نتحدث عن العملية الدستورية وكتابة دستور جديد لسورية، يصبح الحديث عن سيادة واستقلالية القضاء في صلب هذه العملية، لأن استقلال القضاء هو ضمان وحماية لحقوق الإنسان، كما أنه شرط أساسي لسيادة القانون والمحاكمات العادلة، ولا يمكن لإصلاح واستقلال القضاء أن يكون عملية مجتزئة، فهذا الأمر هو في صلب عمل وكتابة الدستور”.

وقدّم الأستاذ حسن الأسود، في المحور الثالث من الجلسة الأولى، ورقة بعنوان (قانون الانتخابات والنظام الانتخابي)، وتحدث عن التعقيد الذي يشوب عملية حل الأزمة السورية، على الرغم من توافق إرادات أغلب الدول الفاعلة الكبرى على إنشاء اللجنة الدستورية، باعتبارها إحدى السلال الأربعة التي أنشأها ستيفان ديمستورا، لكن مع ذلك لا يوجد أفق لحل الأزمة السورية. وتحدث أيضًا عن الحياة الانتخابية في سورية قبل عام 1963، وتحليل التجربة الانتخابية منذ فترة الستينيات حتى الآن. وقال: “الانتخابات هي تعبير حقيقي عن نوعية مستوى الديمقراطية، وهي تعبّر عن القيم التي توافق عليها جميع المواطنين، وتمثل الطريق إلى تداول السلطة والانتقال السياسي من حزب إلى آخر”.

وافتتح الأستاذ جمال قارصلي الجلسة الثانية، بورقة حملت عنوان (الرقابة: الرقابة البرلمانية، رقابة المحكمة الدستورية، مجلس القضاء الأعلى – رقابة السلطة الرابعة، الرقابة الشعبية للمجتمع الانتخابي)، تحدث فيها عن الرقابة في عهد حافظ الأسد، كيف أنها كانت معطّلة، إضافة إلى تعطيل كل أجهزة المراقبة في الدولة والقوانين، من أجل السيطرة على ثروات البلد، ضاربًا مثالًا على ذلك عائدات ثروات البترول التي لم تكن تدخل في ميزانية الدولة، مؤكدًا أن هذه الممارسات أدت إلى شيوع الفساد والمحسوبية والرشوة في المجتمع السوري. وأضاف: “سورية الآن بأمس الحاجة إلى دستور عصري جديد، تلتف حوله كل مكونات وفئات المجتمع السوري، ويكون خاليًا من المحاصصات العرقية والدينية، كما يجب أن تلغى كل الصلاحيات التشريعية لرئيس الجمهورية التي تخوّله إصدار المراسيم، وتقليص جميع صلاحياته التي تجعل منه شخصًا فوق القانون”.

وقدم الأستاذ أنور بدر، في المحور الثاني، ورقة بعنوان (الحياد التام للجيش وقوى الأمن)، متحدثًا عن دور المؤسسة العسكرية الطاغي التي حكمت سورية منذ الاستقلال حتى الآن، من خلال تغولها في الحياة السياسية عبر الانقلابات العسكرية المتتالية، وعبر الصيغ الدستورية التي وُضعت لتمكين قبضة العسكر من الحكم في سورية، وأوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن. وقال: “نحن بحاجة إلى إقرار بعض المحددات الدستورية والقانونية للعمل بها في إطار المرحلة الانتقالية، وربط الهيكلية الجديدة بموضوع العدالة الانتقالية التي تفترض استبعاد كل المشاركين على مستوى القيادات في ارتكاب المجازر والقتل الجماعي والتهجير القسري، وتشمل كل الضباط المسرّحين من جيش النظام والمنشقين عنه أيضًا في هذه الخطوة، وتوحيد مؤسسة الجيش وضبط المؤسسات الأمنية وإلغاء الجيوش الخاصة”.

اختتم الأستاذ سمير سعيفان الجلسة الثانية، بورقة بحثية عن (العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الثروة)، تحدث فيها عن اختلال توزيع الدخل في المجتمع السوري، مؤكدًا أن العدالة الاجتماعية بتجلياتها المختلفة هي الركن الأهم على الإطلاق. وقال: “نحن نتحدث كثيرًا في السياسة، ولا نتطرق إلى الاقتصاد، فالعمل اقتصاد، والدخل ومستوى الدخل اقتصاد، والبطالة والسكن والتعليم والسفر أيضًا اقتصاد، وكل ما سبق قائمٌ على الثروة وتوزيع الثروة وكفاءة الأداء الاقتصادي. لذلك أعتقد أن لهذا الموضوع أهمية كبيرة جدًا”. واستعرض سعيفان بإيجاز كيف نُوقشت مسألة الثروة وعدالة توزيعها في جميع الدساتير السورية، متناولًا بشكل أساسي دستور عام 1950، الذي جاء متأثرًا بالمناخات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها، مشيرًا إلى أن هذا الدستور ذكر في مقدمته مفهوم (العدالة الاجتماعية) التي تتحقق عن طريق إقامة نظام اقتصادي يحقق العدالة لجميع فئات المجتمع. وأضاف: “يجب أن ينص الدستور الجديد على إقامة نوع من العدالة الاقتصادية التي لا تقوم على التأميم ومصادرة الدولة، بل تقوم على نظام اقتصادي يشجع على توسيع قاعدة الملكية، وذلك عن طريق دعم القطاع التعاوني من خلال نص صريح في الدستور، وتشجيع الشركات الجماعية المملوكة من قبل أي بلدية أو نقابة، وهذا أيضًا يجب أن ينص عليه الدستور وأن يترجم بقوانين، وأن تُدعم حقوق العمل والعامل وسوق العمل بمجموعة من التشريعات وتعزيز النقابات، لأن إضعاف النقابات سيجعل العامل مجردًا من حقوقه أمام رب العمل”.

افتُتحت الجلسة الثالثة، بورقة للأستاذ جاد الكريم جباعي بعنوان (تحليل أي شروط سياسية تضمن سيادة الدستور وسيادة القانون وقيام نظام ديمقراطي حقيقي يقوم على إرادة السوريين)، تحدث فيها عن العوامل التي تضمن سيادة وتطبيق الدستور والقانون، والوضع السوري الذي يجمع ما بين القوانين السيئة والأخرى المعطلة. وقال: “أعتقد أن القوة الرئيسية التي بوسعها أن تحمي الدستور والقوانين وتراقب حُسن تطبيقها هي المجتمع المدني، لا المجتمع الأهلي، ويجب ألا نخلط ما بين المجتمعين؛ لأن المجتمع الأهلي هو ظهير للسلطة ممثلًا بالمؤسسات الدينية والعشائر وزعماء الطوائف، بينما المجتمع المدني -بمنظماته ومؤسساته- هو الهيكل الأساسي للمجتمع الذي يُنتج السياسة”.

وتحدث فيصل بدر، في المحور الثاني، عن (اللجنة الدستورية: هل يتوقع أن تكون قادرة على وضع الدستور الذي تحتاجه سورية كي تكون دولة حرية وكرامة) قائلًا: “نحن في سورية بحاجة إلى مرحلة انتقالية بل أكثر من انتقالية، بسبب النزاعات والتجييش الطائفي الحاصل بين جميع مكونات الشعب السوري، إذ كيف سنستطيع صياغة دستور جديد، وجميع السوريين يعيشون في ظل هذا الوضع؟ وكيف ستتمكن اللجنة الدستورية من وضع دستور يحفظ حرية وكرامة جميع السوريين، وقد تم اختيار أعضائها بطريقة تتنافى مع مبدأ الحرية؟ هذه اللجنة مفروضة من قوى دولية وإقليمية هي نفسها لا تملك دساتير، ولا يوجد أي اتفاق على خطوط عريضة تؤسس لهذا الدستور، ولا حتى المطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم بحق الشعب السوري، لدرجة قد تصل إلى التغاضي عن هذا الأمر من قبل كثيرين. اللجنة الدستورية هي مجرد عملية لإطالة وتمييع الوقت، لإخماد ثورة كانت ستشكل فارقًا في المنطقة لولا أن الكل اجتمع على إخمادها”.

وقدمت الإعلامية سميرة مسالمة، في المحور الأخير من الجلسة الثالثة، ورقة بعنوان (السيناريوهات المتوقعة للجنة الدستورية)، تطرقت فيها إلى الانقسام الدائر بين السوريين حول اللجنة الدستورية، بين مؤيد ومعارض. وقالت: “أعتقد أن الإيجابية الوحيدة للجنة الدستورية هي أن القرار الأممي أعطى المعارضة الحق، مع النظام والمجتمع الأهلي أو المدني، في صياغة دستور سورية، ولكن هذه اللجنة في الوقت نفسه تنفي، ضمن هذا القرار، صفة السيادة الوطنية عن سورية، وأي تعديل في الدستور سيكون في مصلحة النظام، وفق المعطيات الحالية، لأن النظام لن يسمح بتشكيل دستور يضمن الانتقال السياسي في سورية، والتحول إلى دولة مؤسسات وقانون”، لافتة النظر إلى أن “أي تغيير في سياسي في سورية يحتاج إلى ثلاث مسائل: الأولى موقف دولي حازم يُنهي الصراع في سورية ويدعو إلى الحل والانتقال السياسي، والثانية توفر كيانات معارضة أكثر قبولًا من قِبل الشارع السوري، والأمر الثالث هو خلق اجتماعات وطنية قادرة على مقاربة وجهات النظر بين جميع مكونات الشعب السوري”.

في الجلسة الختامية، شارك كارستين فيلاند، وهو ممثل عن الخارجية الألمانية، بورقة تحمل عنوان (ما العمل تجاه اللجنة الدستورية)، تحدث فيها عن الأهداف المنشودة من محادثات جنيف، وهي أربع سلال: الأولى سلة الحوكمة وتعني تحويل أو نقل السلطة، والثانية سلة العملية الدستورية وكان الهدف منها قيام السوريين بكتابة دستورهم وليس الأمم المتحدة من تكتبه، ولا يُكتب أيضًا لا في مباحثات أستانا أو غيرها، والسلة الثالثة هي الانتخابات، والرابعة مكافحة الارهاب. وقال: “كل المفاوضات لم تكلل بالنجاح، وكان هناك خلل في الموازين، ومساع من خلف الستار لكي يتم البدء بالسلة الثانية (العملية الدستورية)، ولم يكن هناك من خيار آخر، فاضطررنا إلى المجازفة بأن تكون هناك عمليتان سياسيتان منفصلتان، هما مباحثات أستانا برعاية روسيا وإيران وتركيا، ومباحثات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة، منطلقين من فكرة أنه ربما يكون للعمل في إطار الدستور تأثير على الأرض، سواء كنا نتحدث عن تعديل دستوري كبير أو عملية كتابة الدستور من جديد، ولكن ذلك لم يغيّر الواقع إطلاقًا، ولا أعتقد أنه يمكن حل الأزمة السورية عبر إطلاق عملية دستورية حركتها الأمم المتحدة وروسيا، وهذا أمرٌ معروف للجميع وليس سريًا، إضافة إلى تركيا التي كان لها دور في العملية الدستورية أيضًا، وإيران كذلك الأمر، على الرغم من أن أهدافها تختلف كل الاختلاف عن أهداف روسيا وتركيا”.

وأضاف: “كانت هذه العملية وليدة للسياسة الواقعية في ظل عدم وجود بدائل، ولربما يعود ذلك إلى القصور الحاصل على صعيد الدينامية الدولية بشأن سورية. وعلى الرغم من ذلك، فأنا أتفق مع فكرة أن اللجنة الدستورية أتاحت للمعارضة أن تكون ندًّا للنظام على طاولة واحدة، وعلى أي حال هذه العملية الدستورية هي تجربة اجتماعية تسعى لالتقاء السوريين فيما بينهم، ولهذا السبب هناك مخاوف لدى النظام تمثلت بانسحاب وفد النظام، كي لا ينخرط في حوارات مع أطراف أخرى. وأعتقد أن من المهم أن تتابع هذه اللجنة الدستورية عملها، لكن الأهم أن يكون هناك عملية سياسية شاملة، لأن استمرارنا في العمل بسلة واحدة فقط من السلال الأربعة سيؤدي إلى تعميق الانقسام بين السوريين، وهذا يتطلب منا العمل على إجراءات بناء الثقة بين الأطراف المتحاورة، والأمر مرهون بروسيا، وإلى أي مدى ستستمر في الضغط على النظام السوري كي لا يعرقل العملية”.

وكان برنامج اليوم الأول للندوة قد تضمن أربع جلسات حوارية، شارك الحقوقي نادر الجبلي في الجلسة الأولى بورقة بحثية بعنوان (الدستور كتعبير عن العقد الاجتماعي) تحدث فيها عن العقد الاجتماعي: ما هو مفهومه، وكيف يتم التوصل إلى عقد اجتماعي نؤسس من خلاله دستورًا للبلاد، يكون بوصلة ومرجعًا دائمًا لنظام الحكم. وأضاف: “نحن بأمس الحاجة إلى عقد اجتماعي، إذ لم يتكون المجتمع السوري سياسيًا كما يجب، خلال السنوات الماضية، منذ أن استلمت عائلة الأسد الحكم التي دمرت كل أسس الحياة المشتركة، وأقامت شروخًا عميقة بين مكونات المجتمع السوري، ومن ثم جاءت الحرب بمآسيها وبشاعتها لتعمق هذه الشروخ، وأدت إلى انعدام الثقة بين السوريين بشكل كبير، وكل ذلك يجعلنا في أمس الحاجة إلى عقد اجتماعي”.

وتحدثت السيدة منى أسعد، في الجزء الثاني من الجلسة الأولى، عن تجربة سورية الدستورية والدساتير الـ 16 التي عرفتها سورية، سواء كانت دائمة أم مؤقتة، وذلك منذ عام 1920 حتى وصول حزب البعث إلى الحكم، وما حملته هذه الدساتير من متغيرات. وسلطت الضوء على الدساتير التي شكلت حالة مفصلية في تاريخ سورية الدستوري، ومنها دستور عام 1930 الذي تم العمل به بعد الجلاء الفرنسي عن سورية، حيث تم حذف المادة 116 التي أضافها المندوب السامي الفرنسي، وهي التي كانت تمنحه حق التصرف وتعطيل الدستور، وبمجرد حدوث الجلاء؛ أُعيد العمل بهذا الدستور الذي كان ديمقراطيًا وليبراليًا، وانتعشت بموجبه الحياة السياسية والصحافية والنقابية في سورية، كما أنه أتاح للمرأة المشاركة في العمل الحزبي والسياسي خاصة في دمشق.

واختُتمت الجلسة الأولى بورقة بحثية للأستاذة صبيحة خليل، تحدثت فيها عن المبادئ فوق الدستورية المحصنة والجدل الدائر حولها، إضافة إلى موضوع سيادة الدولة والهوية الوطنية، لما لهما من أهمية كبيرة، خاصة أننا اليوم أمام لجنة تضم ثلاثة أطراف، وتريد أن تصوغ الدستور السوري، فهذا معناه أن هناك اعترافًا متبادلًا بين هذه الأطراف الثلاثة، مشيرة إلى أن أهمية الورقة التي تقدّمها تكمن في تفنيد هذه السياسة المزعومة للنظام السوري والتي تعبّر عن ممارساته الدكتاتورية بحق الشعب السوري.

وتضمنت الجلسة الثانية ثلاث أوراق بحثية، قدّم في إحداها الدكتور زياد إسرب ورقة بعنوان (أي نظام تحتاجه سورية: رئاسي أم برلماني أم ما بينهما)، حيث استعرض فيها مفهوم النظام الرئاسي الذي يقوم على الفصل الصارم بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويمنح صلاحيات واسعة للرئيس. وقال: “في سورية مثلًا لدينا وزراء لا يملكون صلاحيات أمام رئيس الوزراء الذي بدوره يطلب الموافقة على قرارته من رئيس الجمهورية. أما النظام البرلماني فهو نوع من أنواع الحكومات النيابية، يقوم على وجود مجلس منتخب يستمد سلطته من الشعب الذي انتخبه. ويتميز هذا النظام بالفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، لذلك من المهم، بالنسبة إلينا السوريين، أن نفكر في دستور يحمي الديمقراطية مستقبلًا وحقوق جميع السوريين”.

وفي المحور الثاني، قدّم الأستاذ طلال جاسم ورقةً بعنوان (فصل السلطات)، وتحدث فيها عن دستور عام 1950 الذي شهد تطبيقًا لمبدأ فصل السلطات، ما لبث أن انتهى العمل به عند قيام الوحدة بين سورية ومصر، ومن ثم سيطرة نظام البعث على الحكم، وصولًا إلى حكم عائلة الأسد منذ أربعين عامًا حتى الآن. وأضاف: “على السوريين وحدهم أن يفكروا في كيفية الوصول إلى حكم ديمقراطي قائم على فصل السلطات، إذ لا أحد من المجتمع الدولي سيكون حريصًا على تطبيق الديمقراطية في سورية، وهذي هي مهمتنا نحن بجميع أطيافنا”.

وفي المحور الثالث، تحدث الدكتور زيدون الزعبي عن الدولة المركزية واللامركزية، وشرح كيف كانت المركزية أحد أهم أدوات الاستبداد في سورية، وتطرق إلى أهمية مفهوم اللامركزية في تطبيق مبدأ الدمقرطة، مستعرضًا أيضًا تجارب بعض الدول في تطبيق مبدأ اللامركزية في الحكم.

وفي الجلسة الثالثة، شارك الباحث طارق عزيزة، بورقة حملت عنوان (دور الدين في الدولة وجدل فصل الدين عن الدولة وجدل مصادر التشريع)، مشيرًا إلى النتائج العكسية التي تحدث عندما يتضمن الدستور قواعد تمليها اعتبارات أيديولوجية من قبل واضعيه، لافتًا إلى أن “الدساتير التي تعطي أمثلة على ذلك كثيرة، كالدساتير التي تقونن الاستبداد، والدساتير التي تمنح سلطة مطلقة لفرد أو حزب أو جماعة، وبالتالي تشرعن التمييز بين الأفراد بموجب قواعد دستورية، وهذا الأمر يقضي على فكرة العقد الاجتماعي الذي يُفترض أن يعبّر عن الإرادة الحرة لجميع المواطنين”.

وتحدّث الأستاذ أحمد الرمح، في المحور الثاني من الجلسة الثالثة، عن الدستور ومصادر التشريع، وتطرق إلى محاولات أسلمة الدولة والدستور، والحجج التي يقدّمها الإسلاميون لأسلمة الدولة. وفي المحور الأخير قدّم الأستاذ عبد السلام عثمان، ورقة بحثية بعنوان (الهوية والمواطنة السورية المتساوية)، أشار خلالها إلى أهمية الانتقال من نظام استبدادي إلى نظام ديمقراطي تعددي، من أجل تحقيق العدالة والحرية والكرامة لجميع أطياف الشعب السوري، من عرب وكورد وأشوريين وشركس. وقال: “من المهم أن يتضمن أي تصور لمستقبل سورية حقوقًا متساوية للجميع وفق الدستور، والتكافؤ والمساواة بين الجميع في الوصول إلى مراكز صنع القرار، وهذا يستوجب أن تحتوي الملفات التفاوضية نظرة متساوية خالية من التمييز، ومراعاة كاملة لحقوق جميع المكونات من الناحية القومية”.

واختتمت أعمال اليوم الأول بالجلسة الرابعة التي شاركت فيها الحقوقية ماريانا كركوتلي، بورقة بحثية بعنوان (جندرة الدستور)، قدمت من خلالها تحليلًا لدستور يتوافق مع النوع الاجتماعي (الجندر)، وأكدت أهمية أن يبنى الدستور على مبادئ المساواة وإلغاء التمييز، وأن يكون الدستور (مجندرًا)، أي أن يكون ديمقراطيًا علمانيًا، وأن يتوافق مع القوانين الدولية التي ترعى حقوق الإنسان باختلاف الهويات الجنسية والجندرية، وأن يضمن مشاركة المواطنات والمواطنين في عملية وضع القوانين المختلفة التي تتعلق بجوانب الحياة كافة. كما شاركت السيدة مي سعيفان، بمداخلة مختصرة تحدثت فيها عن تجربتها في (جمعية نسوة) وهي منظومة سياسية مبنية على رؤى نسوية، تهدف إلى تقديم رؤية لمختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من وجهة نظر النساء، إضافة إلى مشروع (الفصل الأول) الذي بدأت الجمعية العمل به منذ نهاية الشهر العاشر عام 2019، وهو عبارة عن ورشات عمل متتالية لدعم القياديات السوريات في مجالات عدة، وأيضًا العمل على فكرة (الناشطية الفنية) وهي التقاء الفن مع السياسة، وكيف يمكن استخدام الأدوات الفنية لخدمة الأغراض السياسية.

وتحدث الأستاذ حبيب إبراهيم، في المحور الثاني عن الدستور والمسألة الكردية، وكيف انفرد حزب البعث بنظام الحكم دون أي اعتبار لبقية مكونات الشعب السوري، ابتداءً من المادة التي تنصّ على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، مرورًا بسعيه لتعريب جميع مكونات الشعب السوري، وذلك في مسعًى واضح لإقصاء جميع الأقليات والقوميات الأخرى التي يتشكل منها المجتمع السوري.

واختتمت الجلسة الرابعة بورقة بحثية للأستاذ موفق نيربية، بعنوان (الحياة السياسية وقانون الأحزاب والتنظيمات المجتمعية والنقابات)، تحدث فيها عن مفهوم وتعريف الحزب، من حيث إنه مجموعة من الأفراد الذين يطمحون الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات، مشيرًا إلى أنه ضمن هذا المفهوم، لم تعرف سورية عبر تاريخها الحديث أي تطبيق أو ممارسة حزبية. كما استعرض بعض التجارب الحزبية في سورية منذ عام 1920 حتى وصول حزب البعث للحكم.

وسبق أن نظم مركز حرمون للدراسات المعاصرة ندوة مشابهة للحوار عن تجارب سورية الدستورية في مدينة اسطنبول التركية، استمرت على مدى يومي 20 و 21 كانون الأول/ ديسمبر 2019، وشارك فيها عدد كبير من الحقوقين ومختصين في السياسة والإدارة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق