مقالات الرأي

شرق المتوسط مرة ثالثة

المشرق العربي الذي يغلي الآن، هو ذاته شرق المتوسط الذي كتب عنه عبد الرحمن منيف روايته الكئيبة الأولى “شرق المتوسط”، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وعاود الكتابة بالعنوان ذاته تقريبًا؛ “الآن هنا.. أو شرق المتوسط مرةً أخرى”، في عام 1990، في إشارة إلى الركود السياسي وتشبث الأنظمة الدكتاتورية بالسلطة وتعاملها مع من يعارضها، أو من يفكر في معارضتها، بمزيد من القسوة المميتة. شرق المتوسط في الرواية يُختصر بدولتي عمورية وموران، وهما، بلا لفٍّ ودوران، العراق وسورية، وبصورة أوضح، هما النظامان البعثيان فيهما، وبصورة أكثر وضوحًا، هما نظاماهما المستبدان بلا رتوش.

ومهما يكن من أمر، فلا بدّ أن يحدث التغيير في هذين البلدين، وقد حدث، من الخارج أو من الداخل، بطريقة مباشرة أو مخاتلة، لا فرق. ومن المستحيل أن يحدث ذلك إلا بعد الخراب، كما هي الحال بعد كل حكمٍ مستبدّ يغلق أبواب التاريخ ويُحكم إغلاقها، ويحشر “شعبه” خلفها، ضاربًا عرض الحائط بكل قوانين الاجتماع والمنطق، والفيزياء!

لم ينجُ لبنان أيضًا، وهو أحد مفرزات “سايكس بيكو” والانتداب من بعده، وسمحت صيغته المرنة/ الرخوة (1943) بتغلغل الأنظمة المجاورة و”ازدهار” الثورة الفلسطينية في ربوعه، ولم تصمد هشاشته أمام كل هذا الزحف على “اخضراره”، فكانت الحرب الأهلية، التي لم يخرج منها إلا بعملية ترميم لنظام المحاصصة في مؤتمر الطائف (1989)، وتم تأجيل أي تغيير مستدام.

ونجا الأردن أو شرق الأردن، الوليد الآخر لـ “سايكس بيكو”، بأعجوبة، بعد معركة “أخوية” دامية (أيلول الأسود)، واستقر نظامه السياسي المدعوم بريطانيًا وأميركيًا، والقائم على توازنات مرتبطة بمركز قرار واحد (الملك)، وهذا ما لم يتوفّر للبنان، فغرق في تناقضاته أكثر فأكثر، ولم يخرج منها حتى الآن.

شرق المتوسط الحالي انفجر، وما زال يحترق، وإذا كان العراق ولبنان قد بدأا الانتعاش التاريخي أخيرًا، فإن سورية ما زالت تحترق، وما زال السوريون يبحثون عن بقع لم تعد تطالها النيران ليلجؤوا إليها، بعد أن ضاقت بهم سبل الهجرة، وأغلقت الحدود في وجوههم، فيما يصارع بعضهم الآخر من أجل البقاء على قيد الحياة، في بؤس قلّ نظيره، وينعم أمراء الحرب وحيتانها بالرفاه.

ولم يكن شرق المتوسط، حتى في فترات سكونه، بمنأى عن أطماع جارتيه في الشرق والغرب، إيران وتركيا، ولكن سقوط الدكتاتوريات، كليًّا أو جزئيًا، فتح الباب واسعًا لهذين الجارين القويين للتغلغل والتوسع، ولولا الكبح الذي تمارسه دول أكبر، الولايات المتحدة وروسيا، لانتهى الأمر بالاحتلال المباشر لهذه المنطقة من قبل الجارتين وتقاسم النفوذ بينهما. مع ذلك، لا يدخل محتل خارجي بلا حجة أو سبب أو فراغ، ومتعاونين ورثوا تلك التبعية من حقب تاريخية قديمة وجديدة.

قد يقول قائل: طالما ليس ثمة ذلك الانتماء الوطني الراسخ والمهيمن لكثيرين من قاطني دول شرق المتوسط؛ فلماذا لا نرضى بالتبعية لجيراننا، عوضًا من التناحر والتمزق الاجتماعي والحروب التي تبدو بلا نهاية؟ في الواقع، هذا السؤال مبسّط للغاية، ولا يأخذ العبرة من دروس التاريخ، وربما يكون غير بريء البتة.

فمن جهة، ليس البلدان المقصودان هنا، تركيا وإيران، بمعزل عن تفشي الاضطرابات فيهما، ولم تصلا إلى تلك الحالة من التطور السياسي والاجتماعي وتطبيق حقوق الإنسان، إن وُجدت، بحيث يمكنهما ضم مواطنين آخرين ودمجهم في نظام المواطنة بنجاح، كما تفعل الدول الأوروبية. ومن جهة ثانية، لم تمت جذوة الوطنية في شرق المتوسط، ولم يُصب الحالمون بها والعاملون عليها باليأس، ولنا في الاحتجاجات اللبنانية والعراقية الأخيرة خير مثال، فها هم المحتجون في الشوارع ينتفضون على أنظمة المحاصصات والانتماءات ما قبل الوطنية، ليطرحوا بوضوح مسألة المواطنة وبناء الدولة الحديثة ومحاربة الفساد كأولويات، وترتفع أصواتهم بالدعوة إلى التحرر من النفوذ و/ أو الاحتلال الأجنبي. نرى ذلك بوضوحٍ في العراق، حيث المطالبة بخروج الإيرانيين والحد من نفوذهم على أشدّه، كما أن مسألة المطالبة بانسحاب القوات الأميركية ليست سوى مسألة وقت.

وسورية الجريحة لن تبقى كذلك، فللسوريين مهام أخرى قبل أن يقولوا كلمتهم بهذا الصدد، وهم المتأخرون عن جيرانهم؛ بسبب الظروف القاسية التي تحكمهم، وفترة صمتهم الطويلة. ويمكن الجزم بأن الوطنية السورية تتحضّر تحت الرماد، ولن تتأخر في إعلان نفسها في الوقت المناسب، وعندئذ، سيكون للسوريين جولات وجولات للتحرّر من النفوذ الأجنبي، إلى جانب بناء سورية ديمقراطية وغير مركزية. وقد لا يبقى الأردن أيضًا على حاله ولا لبنان، وستسير المنطقة في طريق التعافي البطيء والثابت نحو المستقبل، ولكن أي مستقبل؟

ليست الوطنية القادمة مجرد مشاريع مغلقة على ذاتها فقط، ولا هي قادرة على العيش في حالة انعزال عما يحدث حولها وعلى مستوى العالم، حيث مصالح الشعوب والدول متداخلة وعميقة، والعلاقات الاقتصادية في القلب منها، وهي التي ستفرض نفسها لتكون أساسًا لبناء علاقات جديدة مع الجيران، على قاعدة احترام المواقف والتوجهات الوطنية، لا سلبها وقمعها، فيقطف الشركاء ثمار التعاون بحسب نسبة المساهمات، ولا سيما أن شرق المتوسط سيجتذب الشركاء دومًا، لموقعه في قلب القارات القديمة الثلاث، ولثرواته المتجددة وخطوط الطاقة المرشحة لعبوره.

وأيًا كانت الأحداث الجارية حاليًا، فهي مسارات مؤقتة ومسدودة النهايات، في خضمّ متاهة الصراعات والتناقضات الحاصلة في هذه المنطقة، ولا بد من أن تستعيد شعوب شرق المتوسط نهضتها على أسس جديدة ومختلفة، فتعيد حضورها الفعلي والفاعل من كل النواحي، على مسرح تاريخ الأحداث المتحوّلة، ويحل فرسان التنمية الشاملة والمستدامة محل فرسان الحرب إلى غير رجعة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق