مقالات الرأي

رسائل الصراع على إدلب

ما يتعرض له المدنيون في إدلب هذه الأيام، من قصف وحشي من جانب طيران الروس والنظام، إنما هو امتداد لاستراتيجية متبعة منذ بدء مسار أستانا الذي كان من أجل استئثار الروس بالملف السوري؛ وقد تمكنوا بالفعل من الالتفاف على القرارات الدولية، خاصة بيان جنيف 1؛ حتى غطت أستانا على جنيف، وبات المبعوث الأممي المكلف بالملف السوري ملزَمًا بحضور اجتماعات أستانا أو سوتشي، أو ربما راغبًا، مقابل وعود تضليلية لم تترجم واقعًا على الأرض، بل كانت حتى الآن غطاءً لعمليات القتل والتهجير، وتسليم مزيد من المناطق إلى النظام الذي هو في واقع الحال مجرد واجهة للتستر على التغلغل الروسي – الإيراني في مفاصل الدولة والمجتمع السوريين.

فقد اعتدنا أن تكون هناك هدنة معلنة، بعد كل جولة من جولات أستانا، لتبدأ بعد ذلك عمليات الخرق والقصف من جانب الروس والنظام، وتستمر عمليات القتل والتهجير التي تطال المدنيين عادة، في كل منطقة من المناطق التي شملتها اتفاقات مناطق خفض التصعيد المثيرة للجدل، وهي الاتفاقات التي توافقت بموجبها أطراف عملية أستانا (روسيا وتركيا وإيران) على تقاسم الأدوار والنفوذ فيما بينهم، واستخدام بعض السوريين من المحسوبين على المعارضة، ليكونوا مجرد شهود زور، لا دور ولا تأثير لهم سوى الإيحاء بمشاركة سوريين مناهضين للنظام في اجتماعات لا يحضرونها، ولا يعرفون تفاصيل التوافقات التي تتم بين أطرافها على بلادهم ومصير شعبهم.

لقد تمكّن الروس، بموافقة ضمنية أميركية بطبيعة الحال، من التحكّم في الملف السوري، وهم يؤدون الآن دور العرّاب بين جميع الأطراف التي من المفروض أنها مختلفة، بل تبلغ الخلافات بينها إلى درجة التناقض. فهم الذين يرعون ويدعمون النظام، ويتحكمون في قرارته، ويتخذون القرارات نيابة عنه، إذا ما لزم الأمر، ويرغمونه على الموافقة.

من جهة أخرى، لم يعد التنسيق الروسي الإسرائيلي في أدق التفاصيل سرًا لا يعرفه الناس، بل أصبح جزءًا من الحالة السورية العامة، يترجم من حين إلى آخر بعمليات القصف التي تنفذها “إسرائيل” ضد المواقع الإيرانية والميليشيات التابعة لها في سورية، وذلك في رسائل موجهة، هدفُها تذكير الجانب الإيراني بما قد تم التوافق عليه عبر مختلف القنوات.

كما أن العلاقات المصلحية مع الجانب الإيراني مستمرة، على الرغم من وجود التباينات في الحسابات والأولويات، ويحرص الروس على علاقة مصلحية براغماتية متميزة مع الجانب التركي، وهم يستغلون نقاط الضعف التي تعانيها الحكومة التركية، على المستوى الأوروبي وعلى صعيد العلاقات مع الأميركيين.

وفي الوقت ذاته، نرى أن الروس على تواصل مع المعارضة السورية الرسمية، على مختلف المستويات، وعبر طرق شتى، ويؤكدون باستمرار أنهم سيتوسطون، كطرف محايد، بينهم وبين النظام، وذلك للتقريب بين المواقف، بينما هم يعملون في واقع الحال على احتواء الجميع، وتكليفهم بأدوار تتماشى وتتكامل مع الخطة الروسية العامة الخاصة بسورية، وهي خطة لن تجد طريقها إلى التطبيق، ما لم تحصل على الموافقة الأميركية النهائية، وهي الموافقة المرتبطة بنتائج ما يشهده كل من العراق ولبنان حاليًا، وربما بنتائج ما يحدث في مناطق أخرى، ومنها ليبيا. ولعل ما سمعناه أخيرًا عن تصريحات ومواقف وإجراءات أميركية بخصوص إدلب، يبيّن إلى حد ما أن موضوع إدلب سيبقى أداة ضغط بيد الجانب الأميركي، وبالتنسيق مع الجانب التركي بطبيعة الحال، وذلك لمنع الروس من الاحتفال “بانتصارهم الكبير” في الشمال السوري، وإفهامهم أن القرار النهائي في الوضع السوري ليس بيدهم، وهذا فحواه توجيه رسائل عدة إلى الحلفاء والخصوم، تؤكد ضرورة عدم الاسترسال في الاعتماد على الروسي.

كما أن تركيا من جهتها تدرك أن سيطرة الروس والنظام بصورة كاملة على محافظة إدلب، معناه سحب ورقة مهمة من أوراق الضغط الخاصة بها في الشمال السوري. لذلك فهي تسعى مع الروس والأميركان في الوقت ذاته، للاحتفاظ بموقع لها في المعادلة الإدلبية، إذا صح التعبير، وذلك استعدادًا للمقايضات والمساومات التي قد تكون مستقبلًا.

وبالتزامن مع كل هذا، تأتي الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تقض مضاجع السوريين هذه الأيام في جميع المناطق السورية، وهي أزمة سببها في المقام الأول نظامُ بشار الأسد الذي دمر البلاد، وهجّر العباد، ومارس القتل في كل مكان، وقضى على الاقتصاد.

وتجدر الإشارة هنا إلى تمكّن النظام، على مدى سنوات، من الاحتفاظ بتماسك نسبي في ميدان السيولة النقدية، وذلك بفضل المساعدات التي كان يحصل عليها من إيران والعراق وروسيا. ولكن العقوبات الاقتصادية الصارمة التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على إيران قطعت الطريق على الدعم الكبير الذي كان يحصل عليه من هناك، ولم تعد روسيا بمفردها قادرة على تحمّل أعبائه؛ وهي التي كانت تمنّي النفس بمشاريع إعادة الإعمار بأموال الدول الأوروبية والخليجية، وذلك بعد أن روّجت كثيرًا لملف عودة المهجرين السوريين من دول الجوار. غير أن تلك الجهود ذهبت أدراج الرياح، نتيجة عدم وجود ضمانات مقنعة، كان من شأنها تشجيع الناس على العودة. هذا فضلًا عن عدم وجود مؤشرات فعلية لعملية انتقال سياسية حقيقية، تأخذ تطلعات السوريين وتضحياتهم بعين الاعتبار.

تبجح النظام بانتصاراته المزعومة، واستمرارية خطاباته التهديديّة والثأرية، إلى جانب حالات الانتقام التي قام بها في مناطق المصالحات؛ كل ذلك أقنع المترددين من السوريين، ومن العرب، كما أقنع المجتمع الدولي، باستحالة الوصول إلى حل مقبول معقول، في ظل وجود نظام بشار الأسد. هذا على الرغم من الإيحاءات الزائفة التي سوّقها الروس، وما زالوا يسوّقونها، حول قرب الوصول إلى حل بعد تشكيل “اللجنة الدستورية”، هذه اللجنة التي هي في حقيقة الأمر مجرد لعبة تخديرية، وظيفتها إعطاء انطباع خادع بوجود إرادة دولية تسعى للوصول إلى حل ما للوضع السوري. هذا بينما يعلم الجميع أن الدستور لا قيمة له، من دون توافق سياسي على طبيعة النظام القادم، وتوفير البيئة الآمنة لإجراء انتخابات تشرعن الدستور الذي لا بد أن يطمئن كل السوريين. وذلك لن يتحقق من دون مشروع وطني متكامل، يضمن حقوق ومشاركة كل السوريين من دون أي استثناء أو تمييز. وكل ذلك لا يمكن بلوغه، ولا يستقيم، مع وجود نظام قتل مئات الآلاف من السوريين، وهجّر الملايين، ودمّر المدن الأساسية، وفتح البلاد أمام ميليشيات وجيوش العالم، وسائر شذاذ الآفاق، وذلك من أجل الحصول على الدعم في سعيه من أجل استعادة التحكّم في رقاب السوريين، وكل ذلك مقابل التزامات يغدو بموجبها أي حديث عن السيادة الوطنية مجرد خرافة.

الوضع السوري بصورة عامة بات جزءًا من الوضعية الإقليمية؛ ومن الصعب توقع انفراج سياسي قريب، قبل تبلور ملامح مآلات التصعيد الأميركي – الإيراني غير المسبوق في المنطقة. هذا بالإضافة إلى القضايا الإقليمية الأخرى المتداخلة.

وإضافة إلى ذلك، لا يمكن توقع حلول جذرية، ونحن على أبواب حملات الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستكون على الأغلب حامية، خاصة في أجواء محاكمة الرئيس ترامب في مجلس الشيوخ، والاستقطاب الحاد الحاصل بين الديمقراطيين والجمهوريين.

أما التصريحات التي أدلى بها المبعوث الدول الخاص بسورية غير بيدرسون، سواء في دافوس أم في موسكو، حول إمكانية عقد جولة جديدة من اجتماعات اللجنة الدستورية في المستقبل القريب، فهي لا تخرج عن نطاق سياسة إدارة الأزمة، وكسب الوقت، وإيهام الناس بإمكانية الوصول إلى حل، تؤكد المؤشرات والمعطيات الراهنة أنه ما زال بعيد المنال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق