قضايا المجتمع

“سوق النخاسة” في العام الجديد

في هذا الزمن الرديّ، أصبحت لقمة الرغيف سلعة للبيع في “سوق النخاسة”…

كيف؟… نعم؛ تفضل سيدي… يوجد الكثير من البضائع النفيسة هنا… أجساد أطفال ممزقة… تصلح مادة إعلامية موجعة… نساء وشيوخ جائعون تحت المطر وفي العراء… وإن أردتَ، يمكننا تقديم مادة مرئية لامرأة تنوح على موت المعيل، نصوّر كيف تبيتُ مع أطفالها السبعة في خيمتها الممزقة، أو تحت شجرة الزيتون… وللتوثيق أيضًا، لدينا أشلاء بشرية مُمزقة تُباع بسعر زهيد، لأنها بضاعة متوفرة بكثافة، وكل هذه البضائع ضرورة يومية للمواد الإعلامية.

نعم؛ في “سوق النخاسة” باتت أرواح الأطفال للبيع، والأرض والدماء والمآسي والأحزان والدموع كلّها للبيع، وحتى الرمق الأخير يمكن أن تجده هنا…

مرّ عام آخر… ويأتي عام ليس فيه من الجديد المُبشِّر بشيء… فكل ما فيه قديم… ثياب العيد وحبور الأطفال ودمعة الأم كلها قديمة، الحزن والكآبة والانتظار، والقصص القديمة الأليمة كلها قديمة… والجميع ينتظر جديدًا  قد لا يأتي.

الدخان المتصاعد من قصف المنازل هو شجرة الميلاد، وصليل الرصاص المندفع من البنادق هو أجراس العيد، وأغاني الاحتفال والبهجة هي بكاء الأطفال الجريحة.

لا تلمّهم يا سيدي، فهؤلاء ليسوا بنخاسين… لا تظلمهم بالحكم القاسي، فليس هم من يبيع أرواحهم ودمائهم وأشلائهم… ولا هم يبيعون فلذات أكبادهم وماضيهم. لا، أبدًا، من باعها هم أسياد لها أصابع خفية، تتربع هناك في الأعلى وراء الستار… تُحرّكهم كدمى مسكينة لا حول لها ولا قوة… ذنبها أنها تحت الضواء، تجعلهم جزءًا من مسرحية “تراجيدية” حزينة… ودوركم مهم، فهم الضحية وهم أبطال القصة في آن… فإن أردتم أن تشتموا، أو أن تلقوا اللعنات، اشتموا النخاسين، رغم أنهم أيضًا جزء من المسرحية.

إن مررت على “سوق النخاسة” ذات يوم، ستسمع اللوم كل اللوم على النخاس الكبير، ومن ثم الأصغر فالأصغر، ممن تاجروا بمآسي البشر وآلامهم، وبعضهم تاجر بالقضية، وباع ثورته، وجمع الملايين ونسي الأهداف، وفاته أن الشعوب لا تنسى.

من أوشك أن يموت جوعًا في “سوق النخاسة” لا يُلام إن سرق الرغيف، وحين يعرف ترف الشبع سيخيفه الجوع مرة أخرى، لهذا تختفي الابتسامة من شفتيه أبدًا، أما من احتكر لقمة الخبز وباع معها ضحكة الأطفال في هذا السوق البائس، يُصبح غنيًا، ومن عرف طعم المال المغموس بمآسي الآخرين سينسى الإنسانية والقضية والثورة، وسينسى أصوات الجياع من الأطفال، فللدراهم رنين يا سيدي يعلو فوق صوت الجائعين، وسيكنز المال فوق المال، ويُتاجر من جديد، فالتجارة للمال نماء، ولو كان فيها بعض الخسارة، خسارة القضية والمبادئ وبيعها، خسارة الإنسانية ودوسها، ولن يتّعظ، وسيرضى بدور الشرير في المسرحية ما دام الأجر أربح من القضية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق