اقتصادسلايدر

نهاية الحرب التجارية

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي، في البيت الأبيض، يوم 15 كانون الثاني/ يناير 2020، اتفاقًا تجاريًا تاريخيًا، يمهد لإنهاء الحرب التجارية الطويلة المستمرة بين البلدين منذ نحو عامين، وقد تضمن الاتفاق خمس نقاط رئيسة هي:

1- شراء الصين بضائع أميركية بقيمة 200 مليار دولار، على مدى عامين لخفض العجز التجاري.

2- زيادة الصين مشترياتها من الطاقة إلى 50 مليار دولار.

3- خفض معدل الرسوم الأميركية على الهواتف المحمولة الصينية وأجهزة الكمبيوتر والألعاب، إلى 7.5 بالمئة.

4- حماية الملكية الفردية والابتعاد عن تقليد البضائع في الصين.

5- إزالة الصين من قائمة الدول المتلاعبة بالعملة.

وكما يبدو، ستدوّن كتب الاقتصاد هذا التاريخ المهم، لكنه لن يمنع استمرار “الحرب الباردة الجديدة” بين الصين و الولايات المتحدة، فالحرب التجارية -برأي بعض المراقبين- لم تنتهِ فعليًا، ولكن بالمقابل ارتفعت أسهم البورصة الأميركية على الفور وانتعشت، وقد تجاهلت الإعلان عن محاكمة دونالد ترامب في الأسبوع التالي للاتفاقية، بعد فضيحة أوكرانيا غيت، ونجاح الكونغرس الأميركي في المطالبة بإجراءات عزل ترامب ومحاكمته عبر مجلس الشيوخ، وقد قلل الرئيس الأميركي من قيمة تلك الحملة التي استهدفته، وأكد أنها لن تؤثر في شعبيته بالانتخابات المقبلة.

يُعدّ الاتفاق التجاري جائزة لإرضاء مزارعي فول الصويا الأميركيين، كونهم أكبر المتضررين من الحرب الباردة الصينية الأميركية، وكذلك خففت الضغط على مزارعي الغرب الأوسط الأميركي الذي يعدّ السلة الغذائية للولايات المتحدة الأميركية، ونقطة إيجابية لمصلحة انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة.

كيف يمكننا قراءة هذه الاتفاقية؟

اتفاق هدنة لا معاهدة سلام: لم يتفاءل كثير من المحللين الغربيين بالاتفاقية، وعدّوها حلًا وسطًا بانتظار الصفقة النهائية بعد الانتخابات.

السلام التجاري لن يخفف حدة العلاقات بين البلدين (إدلب، هونغ كونغ، الإيغور): على الرغم من توصلهما إلى هذا الاتفاق، فإن الحزبين الرئيسيين بالولايات المتحدة يُجمعان على ضرورة إحداث تغيير جذري في العلاقات التجارية الأميركية مع الصين، فالصين بالنسبة إليهم تتلاعب في التجارة، ولا ننسى المواقف السياسية المتعددة للولايات المتحدة تجاه الصين، كموقفها المناهض لقمع تظاهرات هونغ كونغ، وتعاطف وسائل الإعلام الأميركية والدوائر الرسمية بالولايات المتحدة تجاه شعب الإيغور المسلم، الذي يضطهده النظام الشيوعي الصيني، والتعارض الأخير بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى، بعد استخدام الأخيرتين للفيتو الرابع عشر، لإيجاد حلّ نهائي للوضع السوري، ومنع التمديد للأمم المتحدة من العمل، وإدخال مساعدات إنسانية إلى محافظة إدلب السورية التي تتعرض لمجازر يرتكبها النظام السوري وروسيا، إلا أن الولايات المتحدة تمكنت من تمرير قرار تمديد عمل الأمم المتحدة لستة أشهر إضافية.

تمّ تأجيل القضايا الصناعية المهمة في هذا الاتفاق، وكما ذكرنا آنفًا القضايا السياسية ليست مطروحة على الطاولة في الاتفاق التجاري، فالصين منافس رئيس للولايات المتحدة على النفط العراقي، كما ترشح الصين نفسها للقيام بإعادة إعمار سورية، وحجتها باستخدام الفيتو إلى جانب الروس وجود جماعة إسلامية صينية متشددة ضمن تنظيم القاعدة في سورية أو “هيئة تحرير الشام”، ولتبرر جرائمها التي ترتكبها ضد الإنسانية بحق شعب الإيغور.

لم يعد الصينيون والأميركيون يتشاركون الحلم ذاته: تعد الحرب التجارية واجهة لصراع دولي بين أول اقتصادَين عالميَين، فقد انتقلت العلاقة من الأمل والمثالية، إلى قلة الثقة بينهما، بعد ثلاثين عامًا من العلاقات الوثيقة في مختلف المجالات، ومع ذلك، ففي الأسبوع الأول من عام 2020، قدّمت الشركة الأميركية المصنعة للسيارات الكهربائية “تيسلا”، نموذجها الأول لسيارتها في مصنع شنغهاي الجديد لها هناك.

وعلى الرغم من ذلك، لم يعد الصينيون والأميركيون يتشاركون الحلم ذاته، فالولايات المتحدة ترى الصين المنافس الأكبر لها في الأسواق الآسيوية، وباتت تأخذ موقع الصدارة العالمية، عدا انحدار الصين نحو الانغلاق السياسي، وهو ما لا يتناسب مع القيم الأميركية، لأن الأخيرة تعدّ نفسها النموذج الأوحد للعالم والقوة المهيمنة المتفردة، فالصراع التجاري مجرد صراع شكلي لحرب سياسية حقيقية بين الطرفين.

اتخاذ موقف: عدّت الولايات المتحدة شركة الهواتف المحمولة “هواوي” رمزًا للتكنولوجية الشيوعية الصينية، وحظرتها في الولايات المتحدة، على الرغم من تفوقها في طليعة الجيل الخامس للتكنولوجيا العالمية، وضغطت الولايات المتحدة الأميركية على أقرب حلفائها، مثل بريطانيا لحظرها أيضًا، إلا أن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ما زال مترددًا باتخاذ مثل هذا القرار. فالحرب التكنولوجية الأميركية الصينية جزءٌ من حربهما التجارية.

أشكال أخرى للحروب التجارية الأميركية:

تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ عالمي وتأثير اقتصادي هائل، فهي تفرض -منذ عامين- عقوبات قاسية على ثلاث دول استراتيجية بالعالم هي: إيران الملالي، وسورية الأسد، وفنزويلا مادورو، كما فرضت عقوبات على روسيا في إثر احتلال الأخيرة للقرم قبل عدة أعوام. وفي الوقت ذاته تسعى لتحجيم دور الصين في أفريقيا والشرق الأوسط ووقف توسعها الاقتصادي.

وهنا نذكر عدة أشكال للحروب الاقتصادية الأميركية في العالم:

1. إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وفرض عقوبات اقتصادية عليها، وقتل الرجل الأول في إيران قاسم سليماني بداية عام 2020.

2. البدء بتطبيق وفرض عقوبات اقتصادية قاسية على نظام الأسد، وإقرار قانون سيزر القائم على حماية المدنيين السوريين وملاحقة مجرمي الحرب وعلى رأسهم بشار الأسد.

3. دعم المعارضة المناهضة لمادورو في فنزويلا، إذ يحاول الأخير عبثًا إنقاذ عملته المنهارة واقتصاده المنهار.

4. التلويح بعقوبات اقتصادية على تركيا، في حال استمرار الأخيرة في تعميق علاقاتها مع روسيا، مثل أزمة صواريخ إس 400 وطائرات إف 35، وأزمة القس الأميركي، وخطوط الغاز الروسية العابرة للأراضي التركية.

وفي النهاية، تسمح الاتفاقية لترامب بالتقدم على منافسه الديمقراطي بالانتخابات المقبلة، وربما يحقق النصر لمرحلة رئاسية ثانية، وإذا خسر، فهناك بالتأكيد رئيس مقبل، سيحدد مستقبل العالم في السنوات الأربعة المقبلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق