مقالات الرأي

بنية الدولة العربية أعاقت الربيع العربي

تفجر الربيع العربي عام 2010 في تونس، وفي المنطقة العربية، تلبية لحاجة وطنية داخلية، بعد خمسة عقودٍ من الاستبداد الشمولي، كان فيها الإصلاح محتجزًا والتغيير والتعبير مصادرين، سنوات طويلة عاشت فيها الشعوب في ظلال الخوف والرعب، في دول ذات بنية أمنية تسلطية، فصَّلها قادة انقلابات عسكرية.

مهَّد للثورة التي انطلقت بالربيع العربي تظاهرات سلمية، بدأت بتونس مع بوعزيزي وفي اليمن وسورية، وبلغت سن الرشد في ميدان التحرير بمصر، ثم انطلقت إلى ليبيا والسودان والجزائر، والآن تصل إلى بغداد وطهران، وسيدقّ الربيع أبواب موسكو.

سبق هذا الربيع وبشَّر به ربيعُ دمشق بداية عام 2000، على الصعيد السوري، بمنتدى جمال الأتاسي للحوار الوطني ولإعلان دمشق عام 2005، وعقد مؤتمر إعلان دمشق وشارك فيه 167 مواطنًا، وإرهاصات التغيير الديمقراطي في الربع الأخير من القرن العشرين، مع بيان تأسيس “التجمع الوطني الديمقراطي” للتغيير الديمقراطي عام 1979، ونشرت وثيقته عام 1980 برفض الخيار العسكري في سياق تحرك النقابات المهنية والمثقفين، هذه الإرهاصات واكبت الحركة الديمقراطية التي وُلدت تحت الرماد، في منظومة الدول الاشتراكية بأوروبا الشرقية وربيع براغ وباريس عام 1968 وانهيار الاتحاد السوفيتي.

تضافرت عوامل عديدةٌ وقفت في وجه الربيع العربي، انجدلت فيما بينها داخليًا وخارجيًا، وحرفت الثورة عن مسارها الشعبي العفوي السلمي المنادي بالحرية والكرامة، متضمنًا مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية.

“إن نظرية غرامشي، ببلورة الإستراتيجية الثورية الرامية إلى تجسيد الواقع لهذا المجتمع، كما هي في واقع الأمر، وليست كما ينبغي أن تكون من الوجهة النظرية” هوبزباوم.

استجابت الثورة في بعض الدول للعسكرة، بعد تردد ستة أشهر، دفاعًا عن التظاهرات السلمية لمواجهة توحش النظم وخيارها العسكري الأمني وبربرية شبيحتها وميليشيات الغرباء، و”اكتشف هوبزباوم مجددًا أن بوسع الناس أن ينزلوا إلى الشارع ويتظاهروا ويُسقطوا الحكومات”. لكن المال السياسي الذي تدفق إلى سورية كان محمولًا على ظهور أجندةٍ إسلامية متطرفة، لا علاقة لها بثورة الحرية والكرامة، ففاقد الشيء لا يعطيه، لم تكن في مشروع الشباب وطلبة الجامعات الذين فجروها سلميًا، وأراقوا دماءهم الطاهرة في الساحات وفي الأقبية.

كُتب كثير عن الربيع العربي والعناصر التي أعاقته، لكن بقي دور بنية الدولة العربية باهتًا في البحث وفي تعثر الثورة والربيع. إن التجربة العربية عامةً كشفت عن هشاشة الدولة التي قامت بعد الاستقلال الوطني وبعد الانقلابات العسكرية، وأظهرت بنيةً مقاومةً للإصلاح وللتغيير الديمقراطي، وحاولت وأد جنين دولة ما بعد الاستقلال. “لماذا تستغرب انتصار تيار الإسلام الأصولي الضيق والمتزمت على تيار الإسلام العقلاني والمنفتح والمتسامح؟ شيء طبيعي جدًا ومفهوم، ولا ينبغي أن يثير أي استغراب؛ فمعظم الأنظمة السياسية راحت تحافظ على التعليم التقليدي للدين، أي التعليم الضيق والمبتسر، وراحت تفصل بين تعليم الدين من جهة، وتدريس العلوم الإنسانية والفلسفية من جهة أخرى. ويلاحظ أن العلوم الإنسانية لم تدخل في برامجنا التعليمية بشكل كافٍ حتى الآن…” (محمد أركون، ترجمة هاشم صالح).

تقدّم التجارب صورةً حيةً عن انهيار الدولة، مع تقدم طلائع قوى العدوان الخارجي، فيتداعى النظام، وتسقط الحكومة، ويذوب الحرس الجمهوري، وتتفكك عرى الدولة والمجتمع. هذا ما حصل في العراق عام 2003 وليبيا واليمن، وقد أعاد الجيش العراقي التجربة في الموصل في صيف 2014، أمام (داعش) مخلفًا وراءه عتاد ألويته وكتائبه، ويواصل اليوم الحوثيون في اليمن حصارهم للعاصمة صنعاء، وقد أحكموا قبضتهم عليها، وسبقها إلى هذا المصير بسنوات الصومال وتقسيم السودان.

عندما يرتفع الغطاء عن الدولة العربية، تظهر على حقيقتها، فهي وهم دولة، فزاعة حقل، وصنوها المجتمع الذي يشاركها في بعض سماتها، فنحن يحكمنا كرياكتير دولة ومجتمع. وثمة فرق كبير بين دولة عندها عسكر، وعسكر عندهم دولة، الفاتورة تعلن أن الاستبداد لا يحمي السيادة الوطنية. لا سيادة وطنية حيث لا يكون الشعب حاضرًا حرًا سيدًا كريمًا. السيادة الوطنية هي في جوهرها سيادة الشعب. الدولة التي لا تضمن حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية ليست دولة.

آل الربيع العربي في الجمهورية الليبية الشعبية العظمى إلى تجمعات وتكوينات وقبائل وعشائر بلا مجتمع مندمج، وبلا دولة، وإلى حلبة صراع دولي. ذهب رئيسها قائد القادة العرب وملك ملوك أفريقيا إلى مزبلة التاريخ مورثًا لا دولة، لا مجتمع. أما في العراق فكان سهلًا على بريمر بعد صدام أن يلغي عرى الدولة، ويسرّح الجيش ويقسم الوطن على أساس قومي شمالًا، وعلى أسس طائفية جنوبًا، ويلحق شيعته بإيران.

لا أعتقد أن وضع الدولة في الساحات العربية الأخرى أحسن حالًا، فتربعها على ريع نفطي كبير يستر عوراتها، ويحجب ارتهان سيادتها وقرارها للخارج.

كان أمام الحكام العرب خياران، لمواجهة الربيع العربي وثوراته المشروعة، يجنبان المجتمع والدولة ما آلت إليه وما كشفت عنه: الرحيل أو الإصلاح، لكنها اختارت الخيار العسكري الأمني، وما زالت مصرة عليه وعلى مواجهة ثورة شعوب خرجت منتفضة متحررة من عقدة خوفها المزمن، واحتلت الساحات والشوارع، وتعثرت الثورة في السودان والجزائر. هذه الشعوب لن تعود إلى بيت الطاعة ولن ينسى شعب مصر ميدان التحرير كمخمر للثورة والحداثة والتقدم، وسينجز ثورته ببناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، مهما طال الزمن. أما آن للحكام العرب أن يقفوا ويعلنوا فشل خيارهم العسكري الأمني والاستعانة بالغرباء؟.

لقد قدّمت الشعوب، طوال عقد تقريبًا، ما لم يقدّمه شعبٌ حرٌ آخر في العالم، على الرغم من تعثر الثورة وتقاطع مصالح دول إقليمية وعربية ودولية فوق تراب أوطانها. إن هؤلاء الحكام هم من استقدم الجيوش الأجنبية وميليشياتها لمواجهة شعوبها، وابتليت الثورة ببعض من ادعى تمثيلها وقيادتها.

إن (داعش) الشيعية تحرّض وتستدعي (داعش) سنّية والدولة الإسلامية، وتحرض على التطرف والإرهاب. من استقدم التحالف الدولي وطائراته وذخائره لتدمير “الدولة الإسلامية” انتهك السيادة الوطنية ووضعها في المزاد.

تربَّت “الدولة الإسلامية” في حضن النظم العربية، وترعرعت أمام عينيها. إذا كان الخيار العسكري الأمني أسوأ ما اتخذه الحكام، فإن وقوفهم أمام إرهاب “الدولة الإسلامية”، واستباحة السماء والأرض والسيادة الوطنية من قبل التحالف الدولي والجيوش الأجنبية وشبيحاتها، كان خيارًا لمتابعة تدمير المدن بأحدث القذائف وارتكاب المجازر، ودفع مواطنيها إلى النزوح والهجرة، فتعرفت إليهم أعماق البحار ومحطات القطارات والحدائق والمقابر، وفيهم حملة شهادات ومهنيون ومزارعون هم رأسمال أوطانهم.

ألا تؤدي استعانة الدولة بالجيوش الأجنبية والغرباء، لمواجهة ثورة شعوبها، إلى انهيار الدولة ومجتمعاتها، وإلى الإرهاب وظهور دعاة الإمامة والخلافة! وتحوّل قواتها إلى مجموعة من الإمارات الحربية التي لا تحتاج إلى قرار مركزي أو سلطة مركزية، العراق وليبيا نموذجًا؟ إن مسؤولية انهيار ما بقي من الدولة العربية وبنيتها المفتتة ومؤسساتها تقع على بنية الدولة العربية أولًا، وثانيًا على بعض النخب وبعض المعارضة. “إن النظام العربي العام بلغ من الهشاشة حد الانهيار”، هذه البنى لم تعق بنية الدولة العربية الربيع العربي وحسب، بل هيّأت العواصم والمدن للاحتلال والتدمير والسيادة الوطنية للانتهاك وتفكك مجتمعاتها وظاهرة ما قبل الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق