تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل قرروا طرد إيران؟

بعد خمسة أيام من قتل قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، قصفت “إسرائيل” مقار عسكرية ومستودعات تابعة لإيران، في مدينة البوكمال السورية (أقصى شرق سورية) على الحدود مع العراق، واستهدفت بسلسلة غارات جوية سريعة ومكثفة مستودعات أسلحة نشطة، تُخزّن فيها إيران أسلحة منقولة من العراق إلى سورية على مرأى من سكان المنطقة من دون خوف، تحتوي على أسلحة باليستية متوسطة المدى، ويحرسها مقاتلون من ميليشيا “الحشد الشعبي” العراقي التابع لإيران.

لم تذكر وسائل الإعلام السورية الرسمية أي شيء عن الغارات الجوية أو الأهداف، كما لم يصدر أي رد فعل روسي يندد بالغارات التي قامت به طائرات عسكرية إسرائيلية عبرت كل الفضاء السوري من غربه إلى شرقه لتقصف أهدافًا لحليف روسيا في مؤتمر سوتشي واجتماعات أستانا الخاصة بالحل السياسي للأزمة السورية.

إذن؛ لم تؤثر التهديدات التي أطلقتها إيران ضد أميركا وحلفائها بعد مقتل سليماني، ولم تحِد “إسرائيل” قيد أنملة عن استراتيجيتها الضاربة بيد من حديد لكل تحرك إيراني خارج إطار قوانين اللعبة التي وضعتها الولايات المتحدة في المنطقة ويلتزم بها كل الأطراف، فهي مستعدة -حتى بعد مقتل سليماني- لأن تضرب إيرانَ بيد من حديد، إن هي خرقت المحظورات التي تضعها، ويبدو أيضًا أن “إسرائيل” استسهلت الضربة على تلك المنطقة بسبب موت سليماني، حارس تلك المنطقة، ومهندس فتح معبر البوكمال بين سورية والعراق لتأمين خط إمداد الأسلحة من العراق إلى سورية، بعيدًا من سلطة منع الأميركيين.

ويبدو أن الولايات المتحدة تتجه إلى إنهاء، أو بالحد الأدنى، إلى تقليص النفوذ الإيراني في سورية، وهي تقوم بذلك بشكل غير مباشر، وتستخدم الحلفاء أو اللاعبين الأساسيين في المنطقة، كـ “إسرائيل” وتركيا وروسيا، وتضع كل طرف من هذه الأطراف أمام استحقاق يؤدي تلقائيًا إلى تقليص جزء من النفوذ الإيراني، ليتم بالمحصلة قضم النفوذ الإيراني خطوة خطوة، وليس بشكل مفاجئ وعبر مواجهة مباشرة.

بعد قتل الولايات المتحدة لسليماني، وضرب “إسرائيل” مقارّ إيرانية في سورية؛ قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة مفاجئة غير مُعلنة في السابع من الشهر الجاري إلى دمشق، قبل أيام من توجهه إلى “إسرائيل”، تجول خلالها في أحياء دمشق القديمة، وزار بطريركية الروم الأرثوذكس، ولم يزر القصر الجمهوري، كما لم يقم بزيارة قاعدة حميميم في اللاذقية التي قام بزيارتها عام 2017 والتي يتخذها الروس قاعدة لهم غرب سورية، بل تقصّد زيارة العاصمة هذه المرة، ليوصل ربّما رسالة للإيرانيين بأن روسيا تُهيمن على كل سورية وليس فقط على قواعد عسكرية مترامية هنا وهناك.

التقى بوتين الأسدَ في مركز العمليات العسكرية الروسية في دمشق، وهو مركز سري لم يسمع به السوريون، وهو -وفق ما يبدو- مركز عسكري كبير مدجج ومُحصّن، وفي هذه الزيارة رسالة روسية أخرى تقول إن روسيا أقوى بعد مقتل سليماني، وإن العاصمة السورية هي ميدان عسكري لروسيا، لا لإيران كما يُروّج الإيرانيون، وكما يعتقد السوريون الذين باتوا يشتكون من كثافة الوجود الإيراني في دمشق، بشريًا واقتصاديًا وعسكريًا.

بُعيد الزيارة مباشرة، اتفق العسكر الروس والأميركيون على فتح معبر الصالحية في محافظة دير الزور شمال سورية، وفتح هذا المعبر يضرّ بالوجود الإيراني، ويضع الميليشيات الإيرانية المتمركزة بكثافة في تلك المنطقة تحت المجهر، وهو ما سيشلّها عمليًا، لأنها لن تستطيع التحرك في ميدان فيه عدو كالولايات المتحدة، وحليف لا يرغب في وجود نفوذ حقيقي لإيران في المنطقة كروسيا.

كذلك جاءت زيارة بوتين رسالة إلى دمشق بضرورة مراقبة الحدود مع “إسرائيل” جيدًا، وعدم السماح لإيران باستغلال هذه المنطقة الحدودية مع “إسرائيل” لتنفيذ انتقامها، ما دامت “إسرائيل” لا تستهدف القوات السورية، خاصة بعد أن تحدث علي شمخاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، في 6 الجاري عن وجود 13 مسرحًا للثأر الإيراني بعد اغتيال سليماني، منها هضبة الجولان السورية التي تحتلها “إسرائيل”.

وصلت الرسائل الروسية بالفعل إلى إيران، التي لم تكن مرتاحة من زيارة بوتين ورسائله، فقد قال النائب الإيراني علي مطهري: “إن سلوك الرئيس بوتين في زيارته إلى سورية كان مهينًا مثل سلوك ترامب في زيارتيه إلى أفغانستان والعراق. بوتين بدلًا من زيارة الأسد في مقر الإقامة، جلس في القاعدة العسكرية الروسية في سورية، كي يلتقيه. قدم الآخرون الشهداء، وروسيا المستفيدة”.

إلى ذلك، جاء ضرب المقار الإيرانية أيضًا قبل يومين من لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، حيث أعلن الرئيسان هدنة في إدلب شمال غرب سورية، ليس للنظام السوري ولا لإيران أي رأي فيها، بل هي تتعارض مع توجهاتهما الميدانية العسكرية، فلم يُستشارا ولم يؤخذ رأيهما فيها، وفرضها الروس والأتراك فرضًا على الجميع، وهذا ما يوحي بأن العلاقة الروسية – الإيرانية هي الآن علاقة هشّة لا ترتقي لأن تكون ندّية أو حتى علاقة ودّية.

تريد إيران أن تبقى في ساحة إدلب إلى جانب قوات النظام، وتزجّ بمقاتلين من ميليشيات تابعة لها لمحاولة استعادة النظام السوري السيطرة على شمال غرب سورية بمساعدتهم، لكن الروس والأتراك يتصرفون ويقومون بتفاهمات لا تناسب الإيرانيين، وواضح من تهميش إيران، من الاتفاقات التي تُعقد بخصوص إدلب، أن التمدد الإيراني لا يُقلق الولايات المتحدة و”إسرائيل” فقط، بل يُقلق أيضًا تركيا وروسيا.

لكن الروس لن يتحولوا تمامًا إلى المعسكر المعادي للوجود الإيراني في سورية، فبوتين الذي التقى قبل أيام المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قال إن روسيا وتركيا وإيران ستواصل دعم اللجنة الدستورية السورية، أي أنه مستمر في اعتبار إيران حليفًا عضويًا لا بد منه، وهناك حاجة إليه.

بعد أن انتهج الأسد الأسلوب الحربي لردع المحتجين على نظامه والمطالبين بتغيير الوضع الأمني والسياسي عام 2011، وخسارته مناطق شاسعة من سورية لصالح المعارضة المسلحة عام 2013؛ دخلت إيران على الخط لحمايته وإنقاذ نظامه، ومنذ ذلك الوقت، صارت دمشق بحاجة دائمة إلى طهران، لحماية النظام والإسناد العسكري والمالي، وكسر عزلة النظام السوري عربيًا ودوليًا، إلا أن الحال وصلت الآن إلى عكس ذلك، فبعد الإعلان عن وجود عسكري أميركي في الأرض السورية عام 2014، والتدخل الروسي العسكري المباشر في الحرب السورية عام 2015، والعمليات التركية الواسعة شمال سورية، والعقوبات المفروضة على إيران من الولايات المتحدة والغرب؛ بدأ دور طهران ونفوذها التراجع في سورية، وصارت الآن طهران بحاجة إلى دمشق، خاصة أن سورية هي قاعدة أساسية لمشروعها الاستراتيجي التوسعي في المنطقة العربية، وخسارتها لسورية تعني انتهاء هذا المشروع.

من المرجّح أن تكون الأطراف المتدخلة بالشأن السوري، وخاصة روسيا والولايات المتحدة وتركيا، قد قررت، بالتوافق، أن تحشر إيران تدريجيًا في زاوية حرجة، وتدفعها إلى التخلي عن الساحة السورية دون مواجهات مباشرة، وقبول حلول سياسية قد لا يكون لإيران فيها نصيب مهم، لكن رد الفعل الإيراني غير واضح تجاه نيات من هذا القبيل، لأن التخلي عن سورية -بالنسبة إلى إيران- يعني التخلي عن مشاريع تصدير الثورة الإسلامية الشيعية الفارسية إلى الأبد.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق