تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أربعة قرارات أميركية صبّت في مصلحة الشعب السوري

انتصار الولايات المتحدة الأميركية في الحرب العالمية الثانية عام 1945، بالقضاء على النازية والموسيلينية والإمبريالية اليابانية، سبّب تأسيس الأمم المتحدة، ومنح الاستقلال لدول العالم الثالث، وإنهاء الاستعمارَين التقليديين أي فرنسا وبريطانيا، وقد صبّ ذلك في مصلحة استقلال سورية آنذاك. وفي الخمسينيات من القرن الماضي، حاولت الولايات المتحدة -عبر مشروع أيزنهاور- تحويل منطقة الهلال الخصيب (الذي يضم العراق وبلاد الشام) إلى حليف لها، في مواجهة الشيوعية السوفييتية، وتوسيع حلف الناتو وتطوير العالم العربي، والتأسيس لحالة سلمية بالمنطقة العربية، وتغيير خريطة الشرق الأوسط بعملها على إنهاء سايكس – بيكو آنذاك، وفي عام 1989، تمكنت الولايات المتحدة من القضاء على الاتحاد السوفييتي، وهدم جدار برلين، وانهيار المعسكر الشرقي، والتفرد بقيادة العالم لأكثر من عشر سنوات تلتها، كانت فيها النزعة الأميركية تتجه إلى إحلال السلام بالشرق الأوسط، وفق القرارات الدولية التي تعود لعام 1967.

ومع ذلك، لم تنجح الولايات المتحدة الأميركية في تغيير الكثير في العالم العربي، بالرغم من تغييرها للعالم أجمع، كإنهاض أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، وبشكل غير مباشر الصين، لأسباب عدة منها صدامها مع القومية العربية التي جسدتها ثلاثة تيارات مناوئة لها علنًا، هي الناصرية والصدامية والأسدية، وكانت أهدافها الخروج بالعالم العربي من الصفرية الثورية لتنتكس وتعود إلى ما دون الصفرية. وعابها الدكتاتورية والحكم الاستبدادي الشمولي، والقمعية المتراوحة بين البوليسية النازية والماوية الصينية والمدرسة الكورية الشمالية والسوفييتية. فالتيارات الثلاثة تسببت في دمار العرب وعودتهم للوراء، بالرغم من تقاطعات تلك الأنظمة أكثر من مرة مع الولايات المتحدة، مثل نظام الأسد الأب الذي دخل لبنان بموافقة أميركية عام 1976، وتحالف معها في حرب الخليج الثانية عام 1991، وتأسيس دول إعلان دمشق التي ضمت دول الخليج العربي وسورية ومصر، وكانت الولايات المتحدة الراعي الرئيس لمفاوضات السلام السورية الإسرائيلية، من عام 1991 حتى فشل قمة جنيف عام 2000، وكذلك نظام صدام حسين كان حليفًا للولايات المتحدة إبان حربه ضد إيران من عام 1980 إلى عام 1988، مقابل القومية العربية على الطريقة الخليجية التي توافقت مع الولايات المتحدة، لكنها لم تتوازن في علاقاتها داخل العالم العربي، وعابها بالمقابل الصراعات داخل البيت الخليجي والخلافات الخليجية الخليجية، والعلاقة بين القومية العربية والقومية الإسلامية، والالتزام تجاه قضية فلسطين، وصراعها مع إيران.

خلال الأشهر الأخيرة من عام 2019 وبداية 2020، ظهرت تحولات ملحوظة على صعيد القرارات الأميركية. وللمصادفة صبّت أربعة قرارات أميركية في مصلحة الشعب السوري وثورته ضد نظام الأسد، على الرغم من أن عام 2019 شهد أيضًا صدور قرار أميركي لا يصب في مصلحة السوريين ألا وهو الاعتراف بـ “سيادة إسرائيل على الجولان”، فضلًا عن غموض (صفقة القرن) حول الشعب السوري وتقرير مصيره.

فما هي القرارات الأميركية الأربعة التي صبت في مصلحة الشعب السوري؟

  1. تقويض حلم روجافا الكردي الانفصالي في سورية: أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لتركيا للبدء بعملية (نبع السلام)، في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، متخلية عن حلفائها الأكراد في حربها ضد (داعش)، بعد نهاية الأخيرة والقضاء على دولتها التي عادلت مساحة البرتغال عام 2014، مقابل الحفاظ على حليفها التاريخي منذ خمسينيات القرن الماضي والعضو في حلف الناتو. وقد صبّ هذا القرار في مصلحة الشعب السوري وإنهاء الأحلام الانفصالية للأكراد في سورية، سواء أخذت طابع حكم ذاتي أم أخذت طابع دولة مستقلة.
  2. القضاء على البغدادي: بعد أن تمكنت الولايات المتحدة من القضاء على دولة (داعش) عام 2019، بقيادتها للتحالف الدولي منذ عام 2014، في سورية والعراق. قررت إنهاء ملف زعيم (داعش) أبو بكر البغدادي، وقتلته في إدلب في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وبذلك أسدلت الستار عن فصل آخر من الفصول السوداء في التاريخ السوري، وكان العامل المساعد لاستمرار نظام الأسد، وإلهاء العالم عن جرائم الأسد ضد الإنسانية، وكان وجود تنظيم (داعش) على مساحة 90 ألف كيلومتر مربع عبارة عن سيناريو تشغيلي لمصلحة سياسة باراك أوباما آنذاك، الذي أنقذ الأسد بعد جريمته الكيمياوية بالغوطتين، وفسح المجال للتدخل الروسي عام 2015، فضلًا عن إخضاع ثمانية ملايين من السوريين والعراقيين لرحمة تنظيم قروسطي متخلف، وقطع طريق الهلال الشيعي الإيراني، وإنهاك نظام إيران. ودفعها إلى التورط أكثر فأكثر في المستنقع السوري. ونهاية البغدادي كانت المعنى الفعلي لنهاية مشروع الجهادية الإسلاموية في سورية، وأكدت أن المستقبل المخطط لسورية يختلف عن ذلك.
  3. قانون سيزر: بعد مجزرة الكيمياوي في الغوطتين عام 2012 التي ارتكبها النظام السوري، وتمرد ضابط سوري لُقب بالقيصر أو سيزر، نقل 55 ألف صورة عن التعذيب حد الموت لأكثر من 11 ألف ضحية على يد النظام السوري، ليضعها باراك أوباما في الدرج عام 2014، مقابل إنجاز الاتفاق النووي مع طهران، ألغى الرئيس ترامب الاتفاق النووي مع إيران، ومرر قانون سيزر للكونغرس، ومن ثم مجلس الشيوخ، اللذين وافقا عليه بالإجماع، ليوقع عليه في الرابع من كانون الأول/ ديسمبر 2019، وليصبح نافذًا بعد ثلاثين يومًا من توقيعه. وهذا يعني حماية المدنيين السوريين من القتل، واستخدام القوة لو تطلب ذلك لحمايتهم، وتهديد كل من النظام وروسيا وإيران، في حال قامت بأي اعتداء عليهم، وهو ما يفسر تخفيف حدة المعارك في إدلب ووقف إطلاق النار، وعدم تمكن كل من روسيا والنظام السوري من كسب الوقت والتقدم في مناطق المعارضة السورية، فضلًا عن وجود أربعة ملايين مدني سوري فيها، معظمهم من المهجرين من مختلف المناطق السورية. وقانون (سيزر) سيحمل في طياته أقصى العقوبات الاقتصادية والسياسية على نظام الأسد، ويساهم في تقويضه بشكل أو بآخر.
  4. القضاء على سليماني: لا يمثل سليماني قائد “فيلق القدس” مشروع الهلال الشيعي بالعالم العربي فحسب، بل يمثل ميليشيا الإرهاب والعنف المنتشرة في دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء، تلك العواصم العربية العريقة التي عانت بسبب التدخلات الإيرانية ممارسات أنظمة كاكيستوقراطية بمعنى حكم الأسوأ في بلادهم على مدى عقد أو أقل من الزمن، وما قامت به الولايات المتحدة من قتل قاسم سليماني هو ضربة قاضية للمشروع الإيراني برمته، الذي أوغل بقتل السوريين وتدمير العراق وتقويض الدولة اللبنانية وذبح اليمن. وكشفت هذه العملية مدى انكشاف ووهمية النظام الإيراني، الذي نسي طوال أربعة عقود -من شدة استخدامه للميليشيات الإرهابية خارج أراضيه كأذرع أخطبوطية بالمنطقة- أنه دولة لديها جيش وسلاح، فظهر سلاحه الكرتوني في قصف قاعدة عين الأسد الأميركية بالعراق، وبدا أنه نمر من ورق، حاول توريط الولايات المتحدة بفضيحة إسقاط الطائرة الأوكرانية في طهران، ليعترف بالخطأ الذي ارتكبه، فتندلع التظاهرات في إيران من جديد، بعد أقل من شهر على قمعها في كانون الأول/ ديسمبر 2019. هذه التعرية الأميركية لنظام الملالي في طهران صبّت أيضًا في مصلحة الشعب السوري، وكانت زيارة بوتين لدمشق، بعد مقتل سليماني، لتأكيد النهاية الفعلية للمشروع الإيراني في سورية.

يشكك كثيرون في أن القرارات الأميركية على الأرض السورية أو خارجها تصبّ في مصلحة الشعب السوري، وأنها تخدم مصالح “إسرائيل”، نتيجة ما يسميه بعض المعارضين السوريين بحالة “الأميركوفوبيا”، التي لها خلفيات تاريخية بسبب الصراع العربي الفلسطيني والغزو الأميركي للعراق عام 2003، لكن الواقع يقول بالمقابل إن قانون سيزر هو أهم وأشجع قرار يصدر من دولة عظمى بالأمم المتحدة لحماية المدنيين السوريين، وهناك من قال إنه يجعل السوري مواطنًا أميركيًا من الدرجة الأولى، وهو أيضًا القرار الوحيد الأكثر فاعلية بالعالم منذ بداية الثورة السورية عام 2011، لتحقيق العدالة للشعب السوري وملاحقة مجرمي الحرب، مقابل 14 جولة للفيتو الروسي الصيني، لمنع معاقبة أو ملاحقة الأسد في مجلس الأمن. وكذلك لا يمكن لأحد أن ينكر أن الولايات المتحدة قضت على ألد عدوين للشعب السوري، وأهم حليفين مباشر وغير مباشر لنظام الأسد، وأنها قطعت ذراعه: البغدادي والسليماني. كما قوضت أكبر الحركات الانفصالية في التاريخ السوري الحديث.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق