مقالات الرأي

إيران في الطريق إلى التفاوض على تركة حرسها الثوري

بعد تلكؤٍ ونفي وارتباك استمر أربعة أيام، فاجأ إعلان إيران مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة الأوكرانية الجميع. حصل ذلك بعد ساعاتٍ من إعلان الولايات المتحدة ودول أخرى أن لديها معلومات عن إصابة الطائرة بصاروخ إيراني، ربما عن طريق الخطأ، في وقتٍ كانت فيه الدفاعات الجوية الإيرانية مستنفرة للرد على ردٍّ محتمل للأميركيين على قصف قاعدتين عراقيتين فيهما قوات أميركية، في مسلسل عض الأصابع بين البلدين أخيرًا.

كانت قضية التحقيق في الكوارث الجوية قضية دولية دومًا؛ لأن الأمر يتعلق بسلامة النقل الجوي ككل، وبالتالي من الصعب على إيران احتكار المعلومات وتزييفها، بخاصة معلومات الصندوقين الأسودين، فكان تمرير الكذبة صعبًا، وهو يؤكد الشبهات التي تحوم حولها ولا ينفيها.

كما أن الحدث يأخذ أبعادًا أوسع من حيث توقيته، ويرتبط بالمأزق الذي تعيشه إيران، بسبب العقوبات الأميركية، والعقبات التي تعترض ملفها النووي الذي تتفاوض عليه مع الأوروبيين، وإمكان أن ينفض هؤلاء أيديهم منه ويصطفون إلى جانب الأميركان. حتى الاعتراف بإسقاط الطائرة يعدّ مؤشرًا مهمًا في هذه الظروف، وقد يعكس التناقض بين جناحي السلطة في إيران، وربما يكون، بصورة ما، “نداء استغاثة” من إيران الرسمية إلى العالم، أن أنقذونا من هذه المآزق التي يتسبب فيها الحرس الثوري!

تدقّ هذه المؤشرات، وغيرها، ناقوس الخطر بأن لا مستقبل للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، وفي نهاية المطاف، ستكون إيران الولي الفقيه محظوظة إن عادت إلى ما وراء حدودها الدولية من دون خسائر جسيمة أخرى، بما سيذكر بالانسحاب المهين للاتحاد السوفييتي من أفغانستان عام 1989. وفي هذه الحالة، سيلاقي النظام الإيراني مصيره، عاجلًا أم آجلًا، على يد الشعب الإيراني، بعدما تسبب بكل هذه المآسي، وأهدر موارد إيران على مشاريع طموحة ألّبت عليه جهاتٍ دولية وإقليمية كثيرة، الشعب الذي قال ويقول كلمته في الشارع، بأنه يريد التخلص من سلطة الولي الفقيه ومستتبعاتها، والاستفادة من موارد بلده ليعيش حياة حرة وكريمة.

لقد خسرت إيران في الأسبوع الأخير أربع جولات بالنقاط؛ حين اغتيل قاسم سليماني، وحين مات العشرات بالتدافع في جنازته، وحين ضربت صواريخ لم تُصب أهدافها، وحين أسقطت الطائرة الأوكرانية. وسواء أعددنا هذه الأمور مجرد مصادفات أم أن بعضها كان مقصودًا، فذلك يضرب صدقية إيران وأهليتها في الصميم، ويعدّ تحولًا دراماتيكيًا في غير مصلحة المشروع الإيراني في المنطقة، وربما سيرسم مسار بداية نهايته.

شيء ما في هذا الحدث يشي بأن هناك ما يشبه “انتفاضة” لإيران الرسمية، المتمثلة بمؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية، على سلطة الولي الفقيه وحرسه الثوري الذي يقود السياسات التوسعية الخارجية، بما وصف كصراع بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، مع أن التيار الإصلاحي كان قد بنى سياساته على “إنجازات” الحرس الثوري الخارجية. في هذه الحالة، تكون الولايات المتحدة، بقتلها لسليماني، قد قدمت خدمة جليلة للرئيس روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف، وأضعفت من سلطة الولي الفقيه وطاقمه. وفي حال كان الحرس الثوري هو المسؤول عن إسقاط الطائرة، بسبب وجود قيادة عسكرية برأسين، الجيش الرسمي والحرس الثوري، فإن ذلك يعطي لاعتراف إيران الرسمية بسقوط الطائرة بعدًا مهمًا في هذا الاتجاه، ويمهد لحصول مفاوضات غير مشروطة مع الولايات المتحدة، من أجل اتفاق جديد حول مشروع إيران النووي، وعلى تركة الحرس الثوري في الدول التي أقام قواعده فيها.

يبدو أن خيارات إيران لم تعد كثيرة بالفعل، وأن التفاوض قد يكون المخرج الوحيد الذي يحفظ ماء الوجه، في حين صار بديله، الخيار “المقاوم”، أشبه بالانتحار، لكن الخيار الأخير ليس من تقاليد الدبلوماسية الإيرانية، التي اعتادت اللعب على حافة الهاوية، ويبقى أن يتم حسم هذا الخيار الأول داخليًا، على حساب الحرس الثوري ومرشده الأعلى. يتوقف الكثير هنا على موقف الولايات المتحدة، ولا سيّما أن الرئيس الأميركي ترامب ترك الباب مواربًا للتفاوض بلا شروط بعد اغتيال سليماني.

وبالرغم من الاعتراف بإسقاط الطائرة المدنية، فإن ما تبقى من صدقية إيران قد لا يكفي لاستمرار ما بقي من علاقاتها الدولية، باستثناء علاقاتها بالميليشيات التي تأتمر بأمرها في المنطقة، وهذه إدانة إضافية لها، وعبء قد لا تستطيع إيران تحمله بعد الآن. في كل الحالات، لن ينتهي هذا الحدث بمجرد دفع التعويضات المترتبة عن الاعتراف بالمسؤولية عن إسقاط الطائرة، وها هي التظاهرات تندلع في المدن الإيرانية لتدعم وترجح كفة التيار الإصلاحي في المضي في طريقٍ قد تنقذ إيران في اللحظة الأخيرة.

لقد نجحت إيران منذ ثورة 1979، التي هيمن عليها أنصار الخميني، بإنعاش أوهام الإسلام السياسي، بأن “الإسلام هو الحل” في المنطقة، وأحدثت انقساماتٍ عمودية أهدرت كثيرًا من الوقت والموارد، وعززت من هيمنة الأنظمة المستبدة والمطلقة، وساهمت في إيقاظ المظلوميات التاريخية وتوظيفها على حساب المصالح الحيوية والحياتية لشعوب المنطقة، بما فيها الشعب الإيراني نفسه، وبات انسحاب إيران وحرسها الثوري مقدمة ضرورية، ولو أنها غير كافية، للكفّ عن استغلال المشاعر الدينية والمتاجرة بها.

وفي سورية، قد يسهل انحسار النفوذ الإيراني من تسريع الوصول إلى حل ما، من خلال نزع الحجج من الأطراف الإقليمية الأخرى الراغبة في حصة أكبر من الكعكة السورية، ما يجعل العامل الدولي هو المتحكم في معظم خيوط الحل، كخطوة أولى لا يمكن تجاوزها على طريق سورية الشائك نحو المستقبل.

في كل الأحوال، يجب ألا تأخذنا الأوهام بعيدًا، فحتى في حال انحسار نفوذ إيران الإسلامية وتغيير النظام الحاكم فيها، سوف تحاول إيران العودة ثانيةً إلى المنطقة من باب علاقات التحالف مع الغرب، كذلك الحال في استمرار التأثير التركي الفاعل، وذلك في حال لم ترتق أنظمة الحكم في المنطقة العربية إلى ديمقراطيات يمكنها التطور والاستمرار في عالمٍ لم يعد للضعفاء فيه مكانًا على هذا الكوكب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق