مقالات الرأي

اقتراح لصياغة معايير الوطنية السورية

في أثناء حرب تموز/ يوليو، بين “حزب الله” اللبناني و”إسرائيل”، في عام 2006، وجدت نفسي في جلسة حوارية مع مجموعة من الشيوعيين السوريين المنتمين إلى أحزاب (الجبهة الوطنية التقدمية) حول تداعيات تلك الحرب التي رغب فيها “حزب الله” للهروب من الاستحقاقات اللبنانية والدولية لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005، وقد أظهروا حماسًا مطلقًا لوطنية “حزب الله” اللبناني وشرعيته في هذه الحرب، وكأن حسن نصر الله -بالنسبة إليهم- قائد ثوري أممي لا يقل أهميّة عن لينين!! حاولت نقل النقاش إلى تحديد المعايير التي تمكننا من الحكم على أي نظام سياسي أو مكون سياسي بالوطنية، بناء على معايير وممارسة سياسية لبرامج تخص الداخل (الشعب) بالدرجة الأولى، لا بناء على مواقف سياسية خارجية، محاولًا تذكيرهم بأن “حزب الله” هو من اغتال أهمّ الشخصيات الوطنية الشيوعية اللبنانية (مهدي عامل، حسين مروة… وغيرهم) وهو من قام باحتكار حمل السلاح في الجنوب اللبناني، على حساب الحزب الشيوعي اللبناني والمقاومة الوطنية اللبنانية، وبأنه ارتكب مجازر وحشية بحق اللبنانيين والفلسطينيين، وبأن حسن نصر الله يجاهر، ليل نهار، بتبعيته لولاية الفقيه في إيران.. ولكن لم يأت كل ذلك الطرح بجدوى؛ فقد كان معيارهم الوحيد للوطنية العداء للولايات المتحدة و”إسرائيل”، وأما طروحاتي للوطنية بالنسبة إليهم فكانت تصبّ في سياسة الولايات المتحدة وحلفائها (الليبرالية الجديدة) حتى انتابني الشك في أنني بدوت عميلًا للإمبريالية العالمية، في ذلك الحوار، ولذلك افترقنا مع نيّات سالبة متبادلة بعدم اللقاء مستقبلًا. وبعد سنوات؛ بدأت الثورة السورية، واعتقدت أن وجه “حزب الله” الطائفي الحقيقي انكشف، بالنسبة إليهم، بوقوفه عسكريًا إلى جانب النظام السوري الاستبدادي ضد الثورة، وارتكابه العديد من المجازر بحق السوريين، ولكن تبيّن لي أيضًا أنهم اصطفوا إلى جانب النظام الاستبدادي وميليشياته الإجرامية، واتهموا رفاقهم الشيوعيين المناصرين للثورة السورية بالعمالة وبالمعارضة الصهيوأميركية.

قصدت من هذا الحوار السياسي القول: ليس هناك مفاجأة في موقف العديد من التيارات السياسية العربية (قومية، إسلامية، يسارية وشيوعية) من مقتل الإرهابي الإيراني قاسم سليماني، ومن معه من الإرهابيين الإيرانيين والعراقيين المرافقين له، من تقديم العزاء الحار للنظام الإيراني الاستبدادي الطائفي، وإقامة خيم العزاء في بعض البلدان العربية. وعلى سبيل المثال، نذكر نعي الحزب الشيوعي السوري الموحد للمجرم قاسم سليماني، ووصفه له بأنه “صديق الشعب السوري”، متجاهلًا مشاعر ملايين السوريين الذين فقدوا منازلهم وأهليهم على يد سليماني وميليشياته الإرهابية، وفي الوقت نفسه قام العديد من السوريين -في الداخل والخارج- بتوزيع الحلويات ابتهاجًا لمقتل ذلك المجرم، بسبب المجازر التي ارتكبها، وهي ظاهرة طبيعية لما يمثله هذا المجرم من صورة بشعة في الضمير الجمعي للشعب السوري، الذي عانى إرهابه ومجازره في المدن والبلدات السورية كافة.

إن أقلّ ما توصف به هذه المواقف السياسية بأنها حالة انفصام سياسي ووطني، ففي الوقت الذي كان فيه السوريون والعراقيون وغيرهم من العرب يوزعون الحلويات ابتهاجًا بمقتل سليماني، وجدنا بعض الأحزاب السياسية العربية (الإسلامية، القومية، واليسارية الشيوعية)، التي تدعي أنها تمثل مصالح الشعوب العربية التواقة لإنجاز دولة القانون والحرية، تتباكى وتلطم نفسها على مقتل هذا الإرهابي المجرم، الذي تخصص في ممارسة العدوان على الشعوب العربية، وبخاصة في سورية ولبنان والعراق واليمن، بهدف تصدير عقيدته الشيعية، ومساندة الأنظمة الاستبدادية والتنظيمات الطائفية في المنطقة العربية المقاومة لقوى الحرية والتغيير الحقيقي.

من الواضح أن هذه المعايير السياسية لمفهوم الوطنية ما زالت تقبع خلف ظل استبداد النظم الحاكمة، التي تستند إلى أوهام أيديولوجية عابرة للوطن، جغرافيًا وسياسيًا، تجمعها النزعة الاستبدادية الشمولية التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وتتعلق بالعداء للإمبريالية العالمية، وما زالت تلك الأوهام تعيش في كهوف عقولهم، من خلال مقولات سياسية صدئة تجاوزها الفكر السياسي العالمي.

هؤلاء ذاتهم من أبدع نظرية التمييز بين الإرهاب والمقاومة، حيث يكفي هذا النظام أو ذاك أن يعادي الولايات المتحدة الأميركية، وإن كان إعلاميًا، حتى يصنف في المنظومة الوطنية والمقاومة مهما ارتكب من إرهاب ومجازر بحق مواطنيه، كالنظام السوري والإيراني وميليشياتهما الطائفية، ومن يعارضهما يصنف في حقل العمالة للإمبريالية الأميركية والصهيونية.

أعتقد أن الوقت قد حان للحديث عن معايير معاصرة للوطنية، لأي نظام سياسي -بغض النظر عن الموقف من الولايات المتحدة الأميركية أو غيرها من دول العالم- تستند بالدرجة الأولى إلى التوجهات والبرامج الداخلية (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية وغيرها) التي أجد أهمها تبني مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان، نظريًا وممارسة، والعمل على ممارسة الاتصال الديمقراطي مع الآخرين كقوى سياسية معارضة ومتباينة معه، وضمان الواجبات والحقوق في الدستور نصًا وممارسة، ونبذ لغة التخوين وشتم الآخرين من القاموس السياسي والحزبي، وتبني استراتيجية (دولة المؤسسات القانونية والدستورية) صاحبة السيادة والقرارات المستقلة داخليًا وخارجيًا، والعلاقات المتوازنة مع دول العالم كافة، والتشديد على وحدة الأراضي السورية وتحريرها من كل المحتلين، كهدف سياسي استراتيجي، له الأولوية في نضالاتها السياسية وغيرها، ومحاربة الدعوات التقسيمية من خلال الاعتماد على إيجاد المؤسسات السورية الديمقراطية التي تجمع السوريين كافة، للدفاع عن وحدة سورية المستقبلية والتصدي لكل محاولات الهيمنة الخارجية التي تستهدف وجود سورية كدولة مستقلة ذات سيادة حقيقية، من خلال تعبئة طاقات السوريين كافة في نضال وطني شامل متعدد الأساليب والأدوات، على الصعد كافة، والتعاون والتنسيق مع الدول والقوى السياسية العالمية، بغض النظر عن توجهاتها الأيديولوجية التي تساند الشعب السوري، في نضالاته بالخلاص من الاستبداد والاحتلالات، والاستفادة من تعددها واختلافاتها وتناقضاتها السياسية لصالح القضية السورية.

باختصار: تتحدد معايير الوطنية السورية بمجموع المواقف والممارسات الديمقراطية، التي تعمل على تحقيق حقوق المواطنين وتلبية حاجاتهم، وتحقيق درجات عالية من العدالة الاجتماعية من جهة، والاستقرار السياسي والمجتمعي من جهة أخرى، أما العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم، والاختلاف والاتفاق معها، فهي مسألة آنية تتحدد بالأحداث السياسية العالمية الجارية المتغيرة، وبما يخدم المصالح الوطنية بالدرجة الأولى، وذلك هو جوهر معايير الوطنية السورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق