تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

اثنتا عشرة حقيقة في تداعيات قتل سليماني والعواقب الثمانية المحتملة

احتفل الفنان السوري عزيز الأسمر، في بنش بإدلب، بلوحته الجدارية، حيث تمثل بنش أجمل ما في ذاكرة الثورة السورية، والتقط صورة له وقد وضع قاسم سليماني في مزبلة التاريخ، ووزع السوريون الحلويات في مختلف أماكن تهجيرهم، فرحًا بمقتل جزار سورية قاسم سليماني، فقد اغتالت القوات الأميركية، ليل الخميس الجمعة، الثاني والثالث من كانون الثاني/ يناير  2020، قائد “فيلق القدس” الإيراني قاسم سليماني، وهو الجناح الخارجي للحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى نائب رئيس “الحشد الشعبي” بالعراق، واثنين آخرين، قرب مطار بغداد بعد قدوم سليماني من دمشق. وقد أشرف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنفسه على عملية تصفية ثاني أهم رجل في إيران، بعد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي. في رده على اقتحام السفارة الأميركية في بغداد من قبل قوات “الحشد الشعبي” العراقية، وهي ميليشيا إيرانية، وقيامهم بإحراق السفارة في المنطقة الخضراء المعروفة بتحصينها ببغداد، وقد ذكّرت هذه الرسالة الأميركيين باقتحام سفارتهم بطهران عام 1979 وأزمة الرهائن آنذاك. لكن ما هي حقيقة تداعيات قتل أحد أعتى المجرمين والجزارين في سورية والعراق واليمن ولبنان، وهو الذي ساهم في تدمير مدن سورية بكاملها، مثل حلب والغوطة الشرقية، وأنقذ الأسد، وتعاون مع بوتين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟

  1. قرار غير مجنون: حقيقة أن ترامب وافق على قرار قتل سليماني هو بحد ذاته إعلان حرب على إيران، ومن أعلى قيادة أميركية واستكمال للعقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران والقاسية جدًا. كل ذلك يؤكد أن القرار غير مجنون، وأن العملية ليست سياسة حافة الهاوية، كما يحاول البعض تصويرها.
  2. هجوم انتقائي وانتقامي ساحق: من الواضح انتقائية الهجوم، فقد ضم المطلوب الأهم للولايات المتحدة، بعد أن عدّت أميركا الحرس الثوري الإيراني تنظيمًا إرهابيًا، إضافة إلى ذراعه الخارجية “فيلق القدس”، إضافة إلى بطل سيناريو اقتحام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد، أبو مهدي المهندس، نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي الذي يبلغ تعداده 100 ألف مقاتل، وقد طالبت الولايات المتحدة في وقت سابق بإعادة هيكلته ضمن الجيش العراقي، وألا يكون مجرد ميليشيا تابعة لإيران. ويُعد ذلك ردًا انتقاميًا ساحقًا على مقتل متعاقد أميركي في قصف لميليشيا “حزب الله” العراقي لإحدى القواعد الأميركية بالعراق.
  3. تصعيد الحرب الأميركية ضد إيران: لم تكن الرسائل الأميركية كافية لإيران لتحقيق شروطها، على إثر إلغاء الاتفاق النووي، وفرض الحصار السياسي والاقتصادي المطبق على إيران. فقد تحدت إيران المجتمع الدولي بإرسال ناقلة نفط لسورية، وقامت باحتجاز سفينة بريطانية، واستمرت في تدخلها واحتلالها لأربعة عواصم عربية، وقامت باعتداءات مباشرة وغير مباشرة في الإمارات والسعودية. جميع هذه الذرائع والرسائل المتبادلة لم توقف إيران، ولم تردعها عن التدخل في شؤون الدول المجاورة لها.
  4. أزمة النظام العالمي الجديد: منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، تفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم، وكانت القطب الأوحد لحكم العالم، ثم عادت للهيمنة بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001، فغزت أفغانستان والعراق. واليوم تجد الولايات المتحدة في إيران قاعدة لطريق الحرير الصيني، وترغب الولايات المتحدة في البدء بصراعها ما بعد الإسلاموية، لتنتقل إلى الصراع مع الصين. وبالتالي فإيران والعراق وسورية هي قلب أوراسيا والشرق الأوسط الجديد، وروح الهلال الخصيب، منذ أيزنهاور وحلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي، في منطقة لم تتغير حدودها منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1916.
  5. إيقاف التحول الجيوسياسي الجديد: لا تسمح الولايات المتحدة بتحول سياسي جديد بغير مصلحتها، فترى أنه لا يمكنها التخلي عن حليفها القديم التركي أو دول مجلس التعاون الخليجي، مقابل روسيا والصين اللتين سعتا أخيرًا، لإحداث انقسام بمنظمة المؤتمر الإسلامي، بقمة كوالالمبور الإسلامية، وتمرير مسلمي الصين وروسيا مقابل مسلمي الولايات المتحدة، إضافة إلى تحولات الهند، ففي عام 2050 يكون هناك، من بين كل ثلاثة مواليد، مولود من الهند والصين. وبذلك تهددان الهيمنة الغربية لقرنين على العالم، وقيام عالم متعدد الأقطاب.
  6. صراع عالمي مجزأ: يُعدّ الصراع الأميركي ضد إيران جزءًا من سيناريو عالمي جديد، تتمثل ميزته الرئيسية في مواجهة سياسية مباشرة، في المناطق الرئيسية من العالم، بين كتل القوى المركزية للنظام العالمي (الولايات المتحدة والغرب الأوروبي) وكتل القوى الإقليمية الدولية الناشئة (الصين وروسيا ودول المحيط مثل الهند والبرازيل) التي عمقت حالة التعددية النسبية التي تعيشها. وعلى عكس المراحل السابقة، يتم تكثيف التوترات بين كتل القوى العالمية بالمناطق الرئيسية، وإيران هي السيناريو الأخير حتى الآن، فمن الصراع في سورية منذ اندلاع ثورتها عام 2011، إلى أوكرانيا عام 2013، إضافة إلى النزاعات على بحر الصين، والأزمة الكامنة في فنزويلا، وتدويل الحرب الليبية، وصراع النفوذ الذي للولايات المتحدة دور مباشر فيها.
  7. إيران ونهاية حلمها بالقنبلة النووية: أعلنت إيران أنها تخلت عن الاتفاق النووي، على إثر مقتل سليماني، وأنها استأنفت تخصيب اليورانيوم بالمرحلة الخامسة. في العالم هناك تسع دول فقط لديها أسلحة نووية، هي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا و”إسرائيل” والهند وباكستان وكوريا الشمالية، فماذا تستفيد إيران لو حصلت على القنبلة النووية، في ظل حيازة “إسرائيل” عليها؟ إنه نوع من الانتحار، هذا إذا اعتقدنا بحجم العداء الشديد بين “إسرائيل” وإيران. وإذا حصلت إيران عليها؛ فستفتح الباب لتحصل عليها 15 دولة أخرى، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والبرازيل والسعودية ومصر والجزائر وغيرها. وبذلك يكون هناك صعود للبلدان المتوسطة في مواجهة الهيمنة الأميركية.
  8. بداية إنهاء الوجود الإيراني في سورية وكسر الهلال الشيعي: ينافس إيران في سورية قوى إقليمية ودولية، بعد تحول سورية نظام الأسد إلى دولة فاشلة ونظام وظيفي، فهي في صراع غير مباشر مع روسيا (منافستها في التحالف مع نظام الأسد)، وغير مباشر مع تركيا، فضلًا عن صراعها المباشر في مواجهة القوى الثورية السورية، وضربات “إسرائيل” المباشرة لقواعدها، من دون ذكر الولايات المتحدة اللاعب الأكثر نفوذًا بالمنطقة والعالم، والتي وضعت ضمن شروطها لإعادة الاتفاق النووي، انسحاب إيران وميليشياتها من سورية، وبالمقابل تعاني إيران ثورة شعبية معادية لها بالعراق وكذلك في لبنان، فضلًا عن أهمية سورية كطريق رئيسة لاستكمال الهلال الشيعي الذي يمتد إلى اليمن والبحرين حتى أذربيجان الشيعية، وكذلك أفغانستان حيث تجند مرتزقتها الشيعة للقتال في سورية، وقد سقط لهم -بحسب رقم رسمي أفغاني- 5500 قتيل، من ميليشيا (فاطميون) عدا الآلاف من جنود إيران وميليشياتها العراقية واللبنانية.
  9. لا حرب عالمية ثالثة: على الرغم من أهمية إيران الإستراتيجية، بحكم موقعها في الخليج العربي، وحجم تدخلها بالدول العربية ودول المنطقة، وأهميتها النفطية العالمية، فلا يمكن لقوى عالمية صاعدة، مثل الصين والهند وروسيا، التدخل لمصلحة إيران.
  10. حروب بالوكالة: خاضت إيران معظم حروبها ضد الولايات المتحدة ومصالحها بالمنطقة، عبر حروبها بالوكالة وعبر أدواتها بالمنطقة، مثل “حزب الله” اللبناني، و(حماس) الفلسطينية، والحوثيين باليمن. وتغذت على التحريض الطائفي بالمنطقة لاستمرارها، وكانت مركزًا لتصدير الإرهاب بالمنطقة طوال عقود. ربما حاربتها الولايات المتحدة بالقفاز الإسرائيلي سنوات طويلة، وقبلها عبر دعم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ثماني سنوات، في الحرب العراقية الإيرانية، لكنها اليوم تدخل معها في حرب مباشرة وعلنية واضحة لتمريغ أنفها بالتراب.
  11. حرب غير متكافئة: تعرف إيران تمامًا، وهي التي خاضت حروبها الصغيرة عبر وكلائها، أنه لا يمكنها مواجهة الولايات المتحدة بشكل مباشر، وأن طبول الحرب التي تقرعها خارج أراضيها، تارة عبر برلمان عراقي قامت بتفصيله بنفسها طالب بإخراج الولايات المتحدة من العراق، وتارة عبر بهلوانيات حسن نصر الله زعيم ميليشيا “حزب الله” الإيراني في لبنان، أو عبد الملك الحوثي في صنعاء، هي طبول حرب غير متكافئة، فالولايات المتحدة هددت بالمقابل بنقل المعركة هذه المرة إلى داخل إيران التي عاشت في كانون الأول/ ديسمبر  2019 ثورة شعبية استمرت أيامًا عدة، راح ضحيتها 1600 قتيل على يد قواتها الأمنية القمعية، وكانت ثورة جياع بامتياز.
  12. تعميم الحروب غير المتماثلة: وهي المعروفة بحروب الأضعف لمواجهة الأقوى، لكنها اختلفت اليوم وانعكست، فتحولت إلى حروب الأقوى في تفتيت الأضعف، والتقنيات الأميركية اليوم تتطور تصاعديًا. ففي الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة لاستعادة حرب الفضاء التي أطلقها الرئيس ريغان في ثمانينيات من القرن الماضي، والتي تتطلب إطلاق ألفي قمر صناعي، هي تمتلك اليوم حوالي ألف قمر صناعي، عدا ميزانيتها العسكرية العملاقة مقارنة بإيران. حتى إن عملية تصفية قاسمي كانت عبر طائرة درون فائقة التطور، وأطلقت صواريخ جديدة ونوعية وذكية.

العواقب الثمانية المحتملة:

  1. إضعاف العلاقة بين (فيلق القدس) والميليشيات الشيعية التابعة له بالمنطقة.
  2. اختيار قآني الأكثر تشددًا خلفًا لسليماني يُعد خطوة غير محسوبة وغير سياسية، وعدم رغبة في التهدئة.
  3. يسود العقل بالنهاية، ولا رد إيرانيًا بحجم الفعل الأميركي نتيجة عجزها عن الرد المكافئ للعملية الأميركية.
  4. القاعدة الانتخابية للرئيس الأميركي بالمقابل لا ترغب في الحرب، وكذلك معارضوه من الحزب الديمقراطي.
  5. طبق الرئيس ترامب نظرية (المادمان) أو الرجل المجنون بإرسال 14 ألف جندي أميركي للمنطقة، ثم أرسل بعد تصفية سليماني 3500 جندي إضافي.
  6. دانت روسيا الهجوم وعدّته خطًا أميركيًا خطيرًا، وهي التي زارها سليماني سرًا عام 2015 للتدخل العسكري في سورية، وإنقاذ إيران وميليشياتها المتقهقرة أمام (الجيش الحر) والإسلاميين عام 2014.
  7. بنيامين نتنياهو أشار إلى نصر جديد لـ “إسرائيل”، وأنه ليس للولايات المتحدة، وإلى أن “إسرائيل” المستفيد الوحيد من جميع حروب وصراعات الشرق الأوسط.
  8. لن يقتصر تأثير أي حرب ممكنة على إمكانية تصدير 15 مليون برميل نفط يوميًا للعالم، عبر الخليج العربي، وإنما سترفع فاتورة التدفئة بالولايات المتحدة.

بالنهاية، أيًا كانت تداعيات قتل الجزار قاسم سليماني، فهي لن تصب في مصلحة نظام الملالي في طهران، فلا مقايضة سياسية معها بعد اليوم، ولا أدوار يمكن أن تُرسم لها هنا أو هناك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق