تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

المركزية واللامركزية في سورية.. ضوابط ومعايير وأطر

ضمن واقع يفرض نفسه من الإدارة المنقسمة في الداخل السوري، بين مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، وما بقي في يد المعارضة في الشمال الغربي، وما استعاد النظام السيطرة عليه من الأراضي السورية، لا يمكن إغفال الاختلاف في الطبيعة الإدارية للمناطق المختلفة من الرقعة السورية، وهذا الواقع يلفت النظر إلى فكرة ومبدأ اللامركزية الإدارية: هل هي النظام الإداري المستقبلي الذي تحتاج إليه سورية بالفعل؟

تختلف أشكال اللامركزية بين لامركزية إدارية، وسياسية، ومالية، ومرفقية، وجغرافية. ويختلف طيف اللامركزية، من الفيدرالية إلى اللامركزية الجزئية مرورًا بالكونفيدرالية.

الدولة الفيدرالية هي نظام يتألف من عدة أنظمة للحكم تكون مستقلة ذاتيًا، وتتّحد فيما بينها بنظام مركزي. ويرتكز النظام الفيدرالي على قاعدتين مهمّتين: الأولى أنَّ الأقاليم أو الولايات المتحدة يتوفر لكل منها نظام مستقل ذاتي، حيث يكون لكل ولاية سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة، ويكون لها حق السيادة على حدودها الطبيعية؛ أمّا القاعدة الثانية فهي أنّ هذه الولايات أو الأقاليم تآلفت فيما بينها ببعض الخصائص، وتنازلت عن دويلتها لمصلحة حكومة أو هيئة موحّدة تجمع كل الولايات الأخرى.

بينما تقوم اللامركزية في جوهرها على مبدأ توزيع السلطة والحكم، بين الحكومة المركزيَّة والإدارات المحلية، حيث تتمكن المجتمعات المحلية من المشاركة في الإدارة وصنع القرار في ما يتعلق بحاجاتها وحاجة مناطقها، فتشارك الإدارة المركزية في الحكم، وتمتلك القدرة على التعبير، وتُعدّ اللامركزية أحد أبرز معايير الديمقراطية في العصر الحديث، فهي تُمكّن من تداول السلطة، وتُمكّن بشكل كبير من استقلالية السلطات المبنية على الشفافية وأساسها الانتخابات.

قد تكون اللامركزية بتفويض من المركز للإدارات المحلية في إدارة بعض القطاعات، لتحقيق نتائج تنموية أفضل، ويمكن لها -إن مورست كما ينبغي- أن تُعزّز التمثيل السياسي، وتسمح مبدئيًا بزيادة تمثيل الأقليات العرقية والدينية، كما تُشجّع على المرونة الإدارية والإبداع بالابتعاد عن السلطة المركزية في إصدار القرارات، في ما يتعلق بأدق وأصغر التفاصيل، ويُشكّل ذلك عائقًا أمام التنفيذ والإنجاز.

هناك فرق بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية، فاللامركزية الإدارية هي أسلوب إداري يقوم على توزيع الوظيفة الإدارية والموارد المالية، بين الإدارة المركزية وهيئات أخرى مستقلة، على أساس إقليمي؛ بينما اللامركزية السياسية هي تدبير دستوري يقوم على توزيع السلطات الحكومية المختلفة التنفيذية والتشريعية والقضائية.

أثبتت اللامركزية نجاحها في دول مختلفة، على الرغم من اتهامها بأنها مدخل نحو الانفصال، وتتمثل أعلى مظاهر اللامركزية السياسية بالفيدرالية. وقد يسمح تنازل الإدارة المركزية عن بعض الصلاحيات، للإدارات المحلية، بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية والاقتصادية للمواطنين، لكن في ظل التنوع الاثني والطائفي والطبيعة المركبة للدول، يصبح تطبيق اللامركزيَّة كاملةً مهدِدًا لوحدة الدولة.

ضمن الواقع السوري، تبدو فكرة اللامركزية بالمعنى الدقيق (الذي لا يعني الفيدرالية أو الانفصالية) حاجةً للتجاوب مع الطبيعة المختلفة لمكونات المجتمعات السورية في المناطق المختلفة.

ويبقى للامركزية تحديات كبرى، ضمن نسيج المجتمع ذي الأطياف المتعددة العرقية والاثنية، فمدى تطبيق اللامركزية، ومدى إمكانية السيطرة عليها لتبقى ضمن إطار اللامركزية، وضمان عدم وصولها أو تحولها إلى الفيدرالية، هو من التخوفات الأساسية في الحالة السورية، ويختلف تطبيق اللامركزية ونوعها باختلاف البلدان والحاجة فيها، ومن الممكن أن تكون هناك مستويات مختلفة من اللامركزية الإدارية ضمن البلد الواحد، تطبّق بحسب حاجة وطبيعة كل منطقة.

حول أي مستوى وأي شكل من الفيدرالية تحتاج إليه سورية، يرى بسام قوتلي، مدير مجموعة البحث والإدارة، أن هناك إجماعًا من السوريين على حاجة سورية إلى اللامركزية، على أن لا تصل إلى الفدرلة، وقال لـ (جيرون): “هناك توافق سوري على ضرورة اللامركزية في سورية، لكن هناك اختلافًا حول نوعية اللامركزية، نحن نعلم أن السوريين بحاجة إلى أن يقرروا شؤونهم بذاتهم، كل مدينة أو محافظة تتخذ قراراتها بعيدًا عن العاصمة دمشق، بغض النظر أين هي، وتستطيع هذه الإدارة في هذه المدينة أو المحافظة أو المنطقة أن تأخذ قراراتها بالتواصل المباشر مع السكان في مناطقها، وتكون إدارتها وقيادتها منتخبة من المواطنين في تلك المناطق مباشرة، وتكون مسؤولة أمامهم”.

وعن شكل اللامركزية الذي تحتاج إليه سورية، قال: “السؤال هو إلى أي مرحلة سنصل بهذه اللامركزية؟ إذ يجب أن لا ننسى أننا خارجون من حرب ودمار كامل، مما يعني أن هناك عملية إعادة إعمار مطلوبة. وإعادة الإعمار والبناء والنشاط بحاجة إلى شيء من المركزية، وهذا أمرٌ مهم يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، كما يجب أن لا نصل إلى حد نخلق فيه دويلات، وهي شكليًا تحت إطار مركزي، لكنها فعليًا هي دويلات، كل دولة لها جيشها شؤونها وقضاياها”.

ضمن المعطيات في الحالة السورية، يرى قوتلي أن هناك حاجة إلى شيء من المركزية الاقتصادية، ويقول: “سورية ليست الولايات المتحدة، وليست ألمانيا، سورية دولة صغيرة الحجم، تعداد سكانها 25 مليون، بالحد الأعلى، والمساحة المفيدة والقابلة للحياة فيها صغيرة ومحدودة، هناك قسم كبير صحراوي غير مسكون، وعندما نحاول أن نُجزئها فعليًا إلى دويلات صغيرة، فإننا نُدمّر أي إمكانية لمستقبل فعلي، بينما الدول كلها تتجه نحو التوحد وزيادة كتلتها السكانية وزيادة مساحتها الجغرافية وكتلتها الاقتصادية، حتى تستطيع أن تُنافس في المجتمع الدولي أمام العمالقة، كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، والدول متوسطة الحجم كتركيا والبرازيل وإيران ومصر، فاللامركزية مطلوبة لكن ليس إلى حد الفدرلة، وليس (سورية الاتحادية) الذي يطرحه البعض، وبحاجة إلى إمكانية إعادة بناء اقتصادي مركزي الطابع على الأقل، إلى حين أن يستطيع الاقتصاد أن يقف على قدميه ويصبح بإمكانه أن ينافس بين الدول”.

من البلدان التي طبقت تجارب اللامركزية العراق والأردن والبوسنة وتونس وغيرها، لكن التجربة اللامركزية تختلف بين بلد وآخر، بحسب احتياجات البلد، وتختلف نسبة نجاحها.

في لبنان، بعد انتهاء الحرب اللبنانية عام 1990 واتفاق الأحزاب اللبنانية في الطائف الذي عُدّ بمنزلة دستور للبنان، ونصّ هذا الاتفاق على أن السلطات لامركزية، ويوجد في لبنان العديد من السلطات المحلية، كالبلديات واتحاد البلديات، لكنها ضعيفة وبدون صلاحيات، وبعد 28 سنة من اتفاق الطائف لم يُقرّ أي قانون لامركزية بعد، على الرغم من دراسة أكثر من مشروع لامركزية. إقرار اللامركزية الإدارية أصبح ضرورة ضمن واقع الفساد المتفشي ضمن النظام المركزي، ويقوم البرلمان اللبناني بدراسة مشروع قانون لامركزية، لكن هناك اختلافات حول الموارد المالية التي هي أساس اللامركزية.

في الأردن، صدر عام 2015 القانون 49 الذي ينصّ على اللامركزية في الأردن، حيث هدف إلى تخفيف حدة المشاكل في الأردن المتمثلة بشكل عام في العجز في الموازنة، والسعي لتحقيق الإنماء في المحافظات، ضمن كوتا نسائية، لكن الحكومة المركزية ما تزال متمسكة بإدارة الشؤون العامة وتحديد الموازنة للمحافظات، وما يزال القانون بحاجة إلى كثير من التطوير.

أما في تونس، فقد كانت هناك تجربة طويلة للانتقال من نظام شديد المركزية، في زمن حكم الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، من أجل بناء الدولة القومية، فنصّ قانون اللامركزية في تونس على أن تونس دولة موحدة، تخضع لسلطة لا مركزية، وتم إنشاء السلطات المحلية التي تبدأ بالبلديات وتنتهي بالأقاليم مرورًا بالجهات، وتمتلك السلطات المحلية استقلالية مالية وإدارية عن السلطة المركزية، وتم زيادة عدد البلديات لتصل إلى 350 بلدية عام 2016، وكان الهدف في تونس من الاتجاه نحو نظام الإدارة اللامركزية هو المشاركة الأوسع للسلطات المحلية في اتخاذ القرارات، وتوفير الخدمات الأفضل للمناطق كل منطقة بحسب حاجتها. وتم إجراء أول انتخابات للمجالس المحلية في 2018، بعد سبع سنوات من إدارة المجالس الانتقالية.

تختلف الحاجة إلى اللامركزية من بلد إلى آخر، بحسب احتياجات البلد، وتختلف نسبة نجاحها من بلد إلى آخر، ففي العالم العربي ما تزال تجارب اللامركزية غير ناضجة، وتحتاج إلى كثير من التطوير، وفي الحالة السورية يُعتقد أن اللامركزية أصبحت حاجة لا بدّ من تطبيقها، لكنها تحتاج إلى ضوابط ومعايير وأطر تُبنى عليها، حتى تحقق الغاية والهدف منها في المشاركة الأشمل لمكونات المجتمع السوري كافة في إدارة مناطقهم، وممارسة حقهم الطبيعي في إدارة شؤونهم المحلية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق