تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“البرق الأزرق”

كانت الأمور تسير بهدوء معتاد في دمشق، التي حضر إليها قاسم سليماني قادمًا من بيروت، برفقة زوج ابنته وزوج ابنة عماد مغنية، وقد أنهى عمله كالمعتاد، وعند الساعة العاشرة مساءً كان سليماني في الطائرة (6Q501) إيرباص A320 التابعة لشركة “أجنحة الشام”، لينطلق من مطار دمشق الدولي، من دون أن يشعر أن هناك من أرسل خبر مغادرته أرض المطار إلى جهات خارجية متجهًا إلى بغداد، في رحلة تستغرق خمسة وأربعين دقيقة تقريبًا، وكان الوقت قصيرًا، لكنّ التحضير لعمل كهذا كان عملًا مستمرًا بلا انقطاع.

متلقي خبر مغادرة الطائرة أعطى إشارة على الفور إلى قاعدة قريبة من مطار بغداد، فأقلعت مروحيات أميركية، من نوع أباتشي (AH-64) مجهزة بالأسلحة والمعدات اللازمة كصواريخ (هِل فاير – نار جهنم) نحو الهدف، وقبيل الحادية عشرة كانت الطائرة تحط بالهدف الثمين الذي لا يحتاج إلى المرور عبر البوابات الرسمية، ولا يحتاج إلى عرض جواز سفره أو ختمه، وكانت سيارة جمال جعفر (أبو مهدي المهندس)، نائب قائد الحشد الشعبي، برفقته زوج ابنته مدير المراسم في قوات “الحشد الشعبي”، تنتظر أمام سلّم الطائرة، ولحظة خروج الموكب من بوابة جانبية للمطار، وصلت إشارة من راصد أرضي في الموقع إلى غرفة العمليات، تعلمهم بوجود الهدف ضمن السيارتين، بما لا يدع مجالًا للشك، حيث تبلغ نسبة الخطأ 0 بالمئة، وقبل بوابة التفتيش الأخيرة كان الهدف في مرمى نيران القوة الأميركيه التي عاجلته بأربعة صواريخ شديدة الانفجار قضت على جميع ركاب العربتين، وبقيت المروحيات الأميركية في أجواء المنطقة حتى أتى خبر نجاح المهمة؛ فغرد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على منصة التواصل المفضلة لديه (تويتر)، ووضع صورة العلم الأميركي من دون إضافة كلمة واحدة.

البرق الأزرق” هي عملية حربية مخابراتية، بدأت لحظة مباغتة القوات الأميركيه لقوات “حزب الله” العراقي على الحدود السورية العراقية، ردًا على استهداف إحدى القواعد الأميركية في كركوك ومقتل مستخدم مدني أميركي نتيجة لذلك، وأتت هذه العملية بعد أوامر إيرانية للضغط على الولايات المتحدة من أجل رفع الحصار عن إيران، ومنع أميركا من التدخل في الأحداث العراقية، وكان ذلك نتيجة سوء تقدير موقف من الجانب الإيراني الذي كان يراهن على أن الرئيس ترامب لن يدخل في مواجهة مفتوحة مع إيران، وهو عَلى أبواب عام انتخابي، مما دفع إيران إلى أن تطلب من ميليشياتها في العراق مهاجمة السفارة الأميركية ردًا على هجوم القائم، وقاد هذه التظاهرات كبار قادة “الحشد الشعبي” بتواطؤ صريح من قوات الأمن العراقي المكلفة بحراسة “المنطقة الخضراء”، مما أحدث أضرارًا مادية في سور السفارة وأبوابها الخارجية، وقد قدّرت جهات أميركية قيمة إصلاح هذه الأضرار بمئة مليون دولار.

ظن المهاجمون، ومن خلفهم إيران، أن أميركا لن ترد على هذا الهجوم، لكن تجربة الحكومة الأميركية  مع سفارتها في طهران، ومع سفارتها في ليبيا، جعلت الإدارة الأميركية أكثر حساسية تجاه الحفاظ على هيبة الدولة الأميركية، ولذلك أمرت على الفور بتعزيز القوة الأميركية المدافعة عن السفارة بـ 750 جنديًا إضافيًا، وألغى وزير الخارجية الأميركي جولته الخارجية، وكان هذا الإلغاء المؤشر الأول نحو التصعيد القادم، حيث تم استنفار القوات الأميركية والحليفة في المنطقة، وتعزيز أمن السفارات الأميركية، وتحذير المواطنين الأميركيين في المنطقة.

إيران اليوم هي أكثر جهة بحاجة إلى التصعيد الدولي، كمخرج لها من أزمتها الداخلية، ومخرج لها من أزمتها العراقية واللبنانية، حيث أدى الحصار الأميركي المفروض على الاقتصاد الإيراني إلى خنق إيران و”حزب الله”، أما في العراق، حيث تكشّفت كل أوراق إيران، فقد بات خروجها من العراق مطلبًا شعبيًا، انطلاقًا من مدن عراقية كانت محسوبة على إيران، وهذا التصعيد كان منتظرًا إذ لا مخرج آخر لإيران.

في العراق، خرجت بعض البيانات المنددة من مجموعات صغيرة تتبع للميليشيات الشيعية، وبيانات خجولة من أطراف حكومية، تصف ما جرى بأنه “خرق”، تم التنديد به، حيث دان المرجع العراقي السيستاني العملية، وطلب ضبط النفس والتصرف بحكمة، أما على على الصعيد الشعبي فقد كانت هناك فرحة شعبية عارمة، إذ توافد العراقيون إلى الشوارع في الرابعة صباحًا للاحتفال بالخبر، بحسب بعض المقاطع المصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام.

عربيًا، تحفظت الجهات الرسمية العربية على الخبر، ولم تُعلّق بشكل مباشر على العملية، لا تأييدًا ولا استنكارًا، وفي المقابل كانت ردة الفعل الشعبية بين الارتياح والاحتفال، خاصة في سورية والعراق ولبنان واليمن.

رجّح بعض المراقبين وجود نصيحة من الحزب الديمقراطي الأميركي، من خلال قنوات خلفية للجانب الإيراني، بالتصعيد لإحراج ترامب في عامه الانتخابي، وتكرار تجربة الرهائن، حيث تم الحديث عن سيناريو اختطاف رهائن أميركيين من السفارة الأميركية في بغداد، على غرار ما حصل سابقًا في السفارة الأميركية في طهران، وقد تآمر الخميني آنذاك مع الديمقراطيين ضد الجمهوريين، لكن ترامب لم يكن ليحبذ هذه اللعبة، فاستعدّ لها من خلال تعزيز أمن السفارة ومباغتة إيران بعملية “البرق الأزرق” التي لم تكن إيران تتوقعها في حال من الأحوال.

ما بعد العملية: من الواضح أن الجانب الأميركي لا يسعى للتصعيد، بالرغم من إجراء كل الاحتياطات اللازمة والضرورية في المنطقة، في حال قررت إيران الرد، وإيران التي أرادت من خلال مهاجمة السفارة عملًا محدودًا تفاجأت بمستوى الرد الأميركي، وأصبحت في مأزق بين رد حقيقي سيعود عليها وبالًا، وبين رد خجول لا يُقنع الداخل الإيراني، وبذلك تبدو سلطة الولي الفقيه ضعيفة ومزعزعة، وفي حال قررت إيران الرد، فسيكون ذلك حتمًا في الساحة العراقية أو الأفغانية، فالساحة اللبنانية مستبعدة في الظرف الراهن لأسباب كثيرة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق