تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

سنة جديدة والسلام ما زال بعيد المنال

قبل تسع سنوات، بدأت الثورة السورية، واعتقد كثيرون أن الظروف لم تعد تسمح للنظام السوري الشمولي بأن يُطلق عنفه المطلق في وجه حركة التحرر الداخلية، وأن الظروف الموضوعية باتت ناضجة للخلاص من النظام الأمني، وتركيب نظام سياسي ديمقراطي، واعتقدوا أن المجتمع الدولي لن يسمح للنظام السوري المتجذر بأن يخرق كل المحظورات الأممية والدولية والإنسانية ليُحافظ على بقائه، وأن هذا المجتمع الدولي سيكون له بالمرصاد، وهو ما لم يحصل.

مارس النظام السياسي السوري وحلفاؤه أعتى أنواع العنف الدموي، الذي تدرج من قمع المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي، إلى محاولة افتعال حرب أهلية، وصولًا إلى ارتكاب مجازر لم يشهد مثلها التاريخ خلال العقود الأخيرة.

قال النظام السوري إن ما حصل هو “مؤامرة خارجية”، قامت بها السلطات “الاستعمارية” وأتباعها، بهدف القضاء على بلد “الصمود والتصدي”، وبلد “المقاومة” ضد “إسرائيل”، لوقف تطورها وتحررها وإغراقها في حرب أهلية طائفية واثنية ومناطقية، وتدمير المجتمع والعودة به عشرات السنين إلى الوراء.

لكن المنتفضين والمتظاهرين لم يطالبوا، في البدايات، إلا بتطبيق معايير الحرية والديمقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص وفصل السلطات، ونبذ الطائفية والتمييز والمحسوبيات، واحترام ثقافة حقوق الإنسان، ولم يحيدوا عن هذه المطالب، بالرغم من الضغوط الكبيرة التي مورست عليهم، ومن الأساليب الكثيرة التي وُجدت لتغيير مسار الثورة وعكسها وسرقتها.

سعى النظام السوري إلى تطييف الثورة في الداخل، وفتح الأبواب أمام كل أنواع التطرف الوارد من الخارج، وسمح لإيران ثم لروسيا أن تُحوّل سورية إلى ساحة لاستعراض القوى وتحقيق المصالح والأهداف الاستراتيجية، كما دفع المعارضة السياسية والمعارضة المسلحة إلى الاستعانة بالخارج، فأدخلت بدورها دولًا إقليمية كان يجب أن لا تتورط في المستنقع السوري.

وعلى الرغم من معرفتهم أن النظام السوري متجذر، وكرّس الدولة كلها، بمؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية، طوال خمسين عامًا، لدعم قوته ومركزه وتثبيت أسس حكمه، كأسرة وجماعة وطائفة، فإن السوريين أصحاب الثورة قرروا أن يختاروا الطريق المتعثر والصعب والدموي، الذي أدى إلى خسارتهم مئات آلاف القتلى، ودمار نحو ثلث البنى التحتية السورية، ومع هذا، لم يخطُ النظام السوري خطوة واحدة تجاه شعبه، ولم يقبل نهائيًا مبدأ تداول السلطة أو حتى القيام بعملية إصلاح.

في واقع الأمر، ولكل العوامل السابقة، وبسبب ممارسات النظام السوري، تحوّلت سورية إلى أرض لما يُشبه حربًا عالمية ثالثة، حربًا من نوع جديد، تعتمد على الوكلاء والوسطاء والتدمير العشوائي.

باتت الأرض السورية مستقرًا لأطراف دولية وإقليمية عديدة، ففيها أنشأت روسيا والولايات المتحدة عشرات القواعد العسكرية، كما عبثت إيران وسيطرت على جزء من سورية، ودخلت سورية عشرات الميليشيات المتطرفة والمتشددة دينيًا وقوميًا وإثنيًا، العراقية واللبنانية واليمنية والأفغانية والإيرانية وغيرها، وتمرّد الأكراد وأرادوا اقتطاع دولتهم من الأرض السورية، وتوسعت (داعش) وأشباهها، وانتشرت الفوضى وانهار الاقتصاد ودُمِّرت البنى التحتية وتحوّلت سورية إلى ما يُشبه دولة فاشلة.

يعتقد البعض أن سبب عدم وقف الحرب السورية هو تضارب المصالح الروسية والأميركية، وأحيانًا خلافات الدول العربية، والتحدي التركي – الإيراني، لكن هناك في حقيقة الأمر عاملًا أكثر قوة، وهو الرغبة الجامحة عند إيران لـ “احتلال” سورية، باعتبارها الجزء الأساس والحساس من “الهلال الشيعي” الذي عملت على تشكيله منذ انطلاق الثورة الإسلامية الإيرانية.

عبر نضالاتهم في السنوات التسع الماضية، حاول السوريون أن يستفيدوا من تجاربهم، وأن يُغنوا ثورتهم، وأن يبدعوا طرقًا مُبتكرة لاستمرارها والنجاح فيها، وأن يتجنبوا كل ما مرت به ثورتهم من عثرات وأزمات وتحديات ومصائب، لكن لم ينتج عن محاولاتهم هذه أي فائدة، فالمجتمع الدولي كان سلبيًا، ووعود “أصدقاء الشعب السوري” كانت خلّبية.

لم تنجح المعارضة السورية خلال تجربة تسع سنوات، إذ تبيّن أن بعض أخلاقيات النظام الشمولي ومفاهيمه وسلوكه انتقلت إلى بعض التيارات السياسية المعارضة، التي كان يُعتقد أنها ستكون حاملة للثورات، وصار جزء كبير من المعارضة مُسيّرًا ومرتهنًا وقاصرًا، ويحمل أمراض النظام الذي نشأت وترعرعت فيه، وبقيت الديمقراطية واحترام الرأي الآخر وقيم الدولة الحديثة ومعاييرها والشفافية وغيرها، خارج ثقافة غالبية التيارات السياسية المعارضة، فأبعدت الشركاء الرماديين المحتملين، وقدّست المصالح الفئوية، وكانت مشكلة الثورة السورية أن الشارع وضع سياسات الثورة، ولم يقم السياسيون بدورهم، ولم يكونوا هم قادة لهذا الشارع، ولم يضعوا الشارع في مساره الطبيعي.

ما زال الوضع السوري الراهن مُعقّدا، والخلاف مستحكم بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران، والتفاهم شبه مستحيل بين النظام والمعارضة، وقبول النظام بالتغيير شبه معدوم، وقبول المعارضة بالعودة إلى حظيرة النظام غير وارد، والتوتر الطائفي والعرقي والقومي في أعلى درجاته، وإن لم يصل إلى مستوى الحرب الأهلية، وكذلك كان حجم الدماء كبيرًا جدًا، والمصالحة ونسيان الماضي دون عدالة انتقالية ليست في قاموس ملايين المتضررين، وقبول المجتمع الدولي بنظام أجرم بحق شعبه كالنظام السوري أمرٌ فيه شكوك، وتخلي الأجهزة الأمنية عن سطوتها فوق النقاش، والإعمار يحتاج إلى مئات مليارات الدولارات التي لا تملك سورية منها شيئًا، والفوضى مستمرة والفساد والفقر وعدم الأمان.

بعد تسع سنوات من الموت، ومن الضغوط الدولية التي كانت لصالح النظام السوري فقط، ولم تستفد منها المعارضة ولا الشعب، كل ما توصّلت إليه المعارضة السورية، هو تشكيل “لجنة دستورية” ستقوم بدراسة الدستور السوري، وقد تُعدّل بعضه أو كلّه، وقد لا تنجح، وهذا الإنجاز الهزيل لا يتناسب بالمطلق مع كل التضحيات التي قدّمها السوريون من أجل حلمهم بدولة ديمقراطية تعددية تداولية.

إذا لم ينجح هذا الاحتمال الهش، أي اللجنة الدستورية؛ فإن سورية مرشحة من جديد للانفجار، فالميليشيات الطائفية التي تتبع إيران متواجدة بالآلاف، وروسيا مستعدة بسلاحها الجوي، والنظام السوري يُذخّر براميله المتفجرة، والولايات المتحدة ستبقى “مايسترو” اللعبة، كي لا ينتصر أي طرف، و”إسرائيل” ستستمر في استباحتها الأرض السورية، والكل جاهز للانقضاض على الكل، لكنهم جميعًا في انتظار لجنة متواضعة لا تُغني من جوع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق