تحقيقات وتقارير سياسية

حين يضع الروس الدستور خلف العربة

الدستور -بالتعريف- هو عقد اجتماعي، وهو شأن وطني، وتراقب الهيئة الدستورية العليا القوانين الصادرة من السلطة التشريعية، ومن رئيس الجمهورية، بحسب مواد الدستور.

وفي الحالة السورية الراهنة والمُعقّدة، يرتبط الدستور المرتقب بقرارات مجلس الأمن، وبيان جنيف 1، الذي نصَّ على أن “تكلف هيئة حكم كاملة الصلاحيات، في المرحلة الانتقالية”، وبالقرار رقم 2254 الذي يشير إلى أن هذه الهيئة تختار وتنتخب شخصيات مهنية مؤهلة وكوادر سياسية لصياغة الدستور.

في الواقع السوري، تدخّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير خارجيته سيرغي لافروف، مباشرة في صوغ الدستور السوري في أستانا، وتجاوزا قرارات الشرعية الدولية، أي جنيف 1 والقرار الأممي رقم 2254 وغيرها من القرارات، وقفزا إلى الدستور قبل تكليف هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات، حيث وضعوا العربة أمام الحصان، بعد مماطلة دامت ثلاث سنوات.

منذ عام 2015، بعد أن أقام الرئيس الروسي قاعدة بحرية وأخرى جوية في سورية، ونشر وحدات خاصة على الأرض، سعى ليجني مكاسب اقتصادية، وارتكب مجازر استهدفت المدنيين والبنى التحتية والمدارس والمشافي والمؤسسات العامة، ولم يتوقف عن ذلك حتى أثناء اجتماعات اللجنة الدستور في جنيف، اجتماعها الأول الهزيل والثاني الذي لم يتم.

يحتاج صوغ الدستور إلى مقدمات تُعبّر عن حسن نوايا الأطراف كافة، ومراعاة المصلحة الوطنية والسيادة الوطنية، وعلى رأسها:

1 – وقف الحرب ونزيف دم الشعب السوري.

2 – التمسك بوحدة سورية أرضًا وشعبًا ودولة.

3 – التمسك بمبدأ المواطنة المتساوية لجميع الموطنين.

4 – الإفراج عن المعتقلين وبيان مصير المفقودين والمخطوفين.

5 – خروج جيوش الاحتلال الأجنبية وميليشياتها والإرهابيين والغرباء من سورية.

6 – عودة السيادة الوطنية إلى الشعب السوري ودولته.

هذه الشروط التمهيدية ضرورية وإلزامية، ومن دونها سيكون من الصعب التفكير أو العمل على وضع دستور لدولة حديثة حرة متوازنة آمنة.

في هذا الصدد، يمكن التذكير ببعض بنود القرار الأممي رقم 2254 الصادر في 18/ 12/ 2015، أي قبل أربع سنوات كاملة، فهو في مادته الأولى يؤكد من جديد تأييده لبيان جنيف المؤرخ 30 حزيران/ يونيو 2012، ويؤيد بياني فيينا في إطار السعي إلى كفالة التنفيذ الكامل لبيان جنيف، كأساس لانتقال سياسي بقيادة سورية، في ظل عملية يمتلك السوريون زمامها من أجل إنهاء النزاع في سورية، ويشدد على أن الشعب السوري هو من سيقرر مستقبل سورية.

وفي مادته الثانية، يطلب إلى الأمين العام أن يقوم، من خلال مساعيه الحميدة وجهود مبعوثه الخاص إلى سورية “بدعوة ممثلي الحكومة السورية والمعارضة إلى الدخول على وجه السرعة في مفاوضات رسمية بشأن عملية انتقال سياسي، مستهدفًا أوائل كانون الثاني/ يناير 2016 كموعد لبدء المحادثات، عملا ببيان جنيف وتماشيًا مع بيان الفريق الدولي المؤرخ 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، بهدف التوصل إلى تسوية سياسية دائمة للأزمة”.

أما مادته الثالثة، فتقول “يقر بدور الفريق الدولي باعتباره المنبر الرئيس لتيسير الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة لتحقيق تسوية سياسية دائمة في سورية”.

والرابعة يُعرب فيها عن دعمه لـ “عملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة وتقيم، في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، حكمًا ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولًا زمنيًا وعملية لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه لانتخابات حرة ونزيهة تجرى، عملًا بالدستور الجديد، في غضون 18 شهرًا تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية، من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة”.

كل ما سبق من بنود، ومواعيد، لم يتم تحقيقه، وضرب الروس ومن يلف لفّهم عرض الحائط بالقرار الأممي المذكور، وتجاهلوا كلية وجود بيان (جنيف 1) الذي يستند إليه هذا القرار الأممي.

وفق ما سبق، يبدو أن الدستور السوري المأمول ما يزال بعيد المنال، ولن يراه السوريون، طالما أن الروس ماضون على نهجهم، وطالما أن الوضع السوري مرتبك، والجيوش المحتلة في سورية، والميليشيات الطائفية تسرح وتمرح على هواها، وطالما أن المعتقلين في السجون، والمختفين طيّ الغياب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق