تحقيقات وتقارير سياسية

جمهوريات الرجل الواحد

مذهل حجم الإشادات بشخص رئيس الأركان الجزائري الراحل، والمذهل أكثر هو ما أشار إليه صحفيون ومحللون وكتاب جزائريون، حول دور الرجل في استقرار الجزائر، وكيف أن العناية الإلهية هي التي حفظت الجزائر، بأن كان رحيل الرجل بعد اجتياز مرحلة اختيار رئيس جديد للجزائر، والبعض صور للجمهور الأمر بأنه لو رحل رئيس الأركان قبل الانتخابات لذهبت الجزائر في خبر كان.

لسنا في وارد التقليل من أهمية رئيس أركان جيش الجزائر، ولا التقليل من دوره أو إنجازاته، طوال مسيرته التي امتدت أكثر من ستين عامًا كضابط في الجيش الجزائري، إذ رحل عن عمر تجاوز ثمانين عامًا، وبهذا يكون أكبر ضابط في العالم سنًا ما زال على رأس عمله.

ما سبق يُشير إلى شخصية الرجل القوية ونفوذه الواسع على التراب الجزائري، لكن هذا مؤشر خطير على هشاشة بنية الدولة المرتكزة على شخص واحد، ومصير الدولة المرتبط بمصير رجل واحد، فهذا ينسف أسس الدولة الصحيحة ومؤسساتها، وهذا يفصح كذلك عن أن جميع أجهزة الدولة -من برلمان وحكومة وأحزاب- ما هي إلا واجهات كرتونية تُستخدم من أجل الديكور، ولا فعالية لها، فهل كان من المعقول، لو وافى الأجل هذا الرجل قبل الانتخابات، أن تُدفن الجزائر معه؟ حقًا إن مجرد التفكير بهذه المسألة أمرٌ يبعث على التعجب.

هل النظام الجمهوري في البلاد العربية مجرد أكذوبة؟

من خلال نظرة سريعة إلى جميع الأنظمة الجمهورية في المنطقة العربية؛ نجد فعلًا أنها مجرد خدعة للجماهير، ولا يوجد في المنطقة العربية كلها نظام جمهوري صحيح وسليم، وأن جميعها، بين جمهوريات وراثية وعسكرتارية، مُقنّعة بقناع مدني، ومؤطرة بنظام جمهوري وهمي لا يُعمل به، وهذا ما حصل منذ إعلان الجمهورية العربية الأولى في طرابلس عام 1918، واتخاذ العزيزية مقرًا لها، وذلك على يد زعماء ووجهاء وعلماء المدينة آنذاك، على إثر اتفاق لوزان بين إيطاليا والدولة العثمانية، وتوالت بعدها الجمهوريات في مصر وسورية ولبنان والسودان والعراق وتونس، وكان الرئيس جمال عبد الناصر أول من حوّل الجمهوريات إلى جمهوريات عسكرتارية مخابراتية، وأصبح رؤساء الجمهوريات من ضباط الجيش حصرًا، ففي ليبيا كان القذافي، وفي السودان النميري وبعده البشير، وفي العراق البكر ثم صدام، وفي سورية الأسد الأب ثم الابن، حيث نجح النظام السوري في تحويل الجمهورية إلى عسكرتارية ووراثية في آن معًا، وفي جميع الأنظمة الجمهوية عادة ما تكون انتخابات البرلمان شكلية، حيث يتم تعيين أعضاء هذه المجالس من طرف أجهزة الاستخبارات، ودائمًا تكون الغلبة لأحزاب السلطة، والأحزاب التي أنشأتها أجهزة المخابرات على شكل أحزاب معارضة لا تلبث أن تتحالف مع حزب السلطة.

على الطرف الآخر في الممالك والإمارات والسلطنات، نجد نظام الحكم أكثر استقرارًا وأقلّ عنفًا، وأن جميعها تسير بخطى تنموية ثابتة، ويكاد يختفي من سجونها المعتقلون السياسيون أو معتقلو الرأي، وعادة ما تكون الدولة أكثر رسوخًا، وأقلّ تعرضًا للهزات الاجتماعية والسياسيه، وربما يقول قائل إن هذه الأنظمة تفتقر إلى الديمقراطية، وهنا نجيب: وهل الدول ذات النظام الجمهوري ديمقراطية؟! وهل تُعدّ هذه البرلمانات الكرتونية جزءًا من الأنظمة الديمقراطية أو مؤشرًا عليها؟ وماذا يفيد الزعم من طرف هذه الدولة أو تلك أنها دولة ديمقراطية، وسجونها تغصّ بمعتقلي الرأي والضمير؟ وهل يوجد جمهورية عربية واحدة تسمح بالتظاهر السلمي؟

لا يحق للدول ذات النظام الجمهوري الصوري الزعم بوجود ديمقراطية، في وجه الأنظمة الملكية والسلطنية، بينما يحق للأخيرة الزعم بأنها دول مستقرة تحترم حقوق الإنسان أكثر من الأنظمة الجمهورية، وإن لم يكن ذلك بالمستوى المطلوب. وتبقى الدول الملكية والسلطنية، في أي حال، أرحم بشعوبها من جمهوريات العسكر وجمهوريات الشخص الواحد.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق