مقالات الرأي

حال السوريين على أبواب سنة 2020

في 15 آذار/ مارس 2011، خرج السوريون في ثورتهم للتعبير عن تطلعات وأحلام وطنية جامعة، رافعين شعارات وطنية (حرية، كرامة، عدالة،) وكانت رغبتهم الرئيسة بناء سورية، الدولة التي تتوفر فيها قيم الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، تداول السلطات الحكومية والرئاسية، الحريات السياسية كافة، احترام حقوق الإنسان والمساواة.

وبدلًا من أن يستجيب النظام السوري لهذه التطلعات الوطنية الجامعة للسوريين كافة، شنّ حرب الأرض المحروقة عليهم، واصمًا إياهم بـ “الإرهابيين والعملاء”، وبعد تسع سنوات من هذه الحرب، تحوّلت سورية إلى أكبر كارثة إنسانية، بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، في العصر الحديث، حيث اعتُقل عشرات الآلاف تعسفيًا، ومورس عليهم الإخفاء القسري والتعذيب، وصار عدد الوفيات بالآلاف في المعتقلات، وكثيرٌ منهم أصحاب خبرات وكفاءات، وقُتل مئات الآلاف من المدنيين في بيوتهم الآمنة، ودُمّرت المدن والبلدات السورية، بمعالمها الحضارية والثقافية، وتم افتعال المجازر ذات الصبغة الدينية والطائفية، بهدف خلق حالة من عدم الثقة بين المكونات الاجتماعية السورية كافة، حيث أدت سنوات الحرب التسعة إلى جعل أكثر من نصف الشعب السوري مهجرًا ولاجئًا في دول العالم كافة.

أما حال السوريين على أبواب سنة 2020، في أماكن وجودهم المتعددة، بداية في المدن والبلدات السورية التي تسيطر عليها القوات المشتركة (الروسية، الإيرانية، الأسدية) فإننا نجد معظمهم مهددين بمجاعة حقيقية، حيث تدهورت الأوضاع المعيشية بالمطلق، وتفاقم معدل الفقر ليصل إلى أكثر من 85 بالمئة من السوريين نتيجة فقدان مصادر رزقهم الرئيسة، وارتفع معدل البطالة إلى أكثر من 75 بالمئة، وانخفض معدل الإنفاق على الغذاء نتيجة تآكل القيمة الشرائية لليرة السورية، حيث وصل معدل التضخم إلى أعلى من 1000 بالمئة، وتقرّ التقارير الاقتصادية الرسمية التابعة للنظام بأن أكثر من 85 بالمئة من السوريين لا يتمتعون بالأمن الغذائي، أي أنهم عاجزون عن تأمين الحدود الدنيا من مستلزمات المعيشة، حيث بيّنت الدراسات الرسمية للنظام السوري أن 85 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ومعظمهم يعيش على “المساعدات الخارجية” من المنظمات الدولية الإغاثية ومن أقارب وأبناء في دول الخليج، تركيا وأوروبا، إضافة إلى عدم توفر الخدمات الأساسية للمواطن، من كهرباء ومحروقات وغاز، وأصبح حلم المواطن السوري الحصول على أسطوانة غاز، حيث يتنقل من مركز إلى آخر لمدة شهرين أو أكثر للحصول على أسطوانة واحدة، خصصتها الحكومة السورية لكل عائلة سورية لمدة ثلاث أشهر، ومئة لتر مازوت للشتاء بالكامل، بل أصبح المواطن السوري بحاجة إلى “واسطة قوية” للحصول على هذه الخدمات، حتى في وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك) وجدنا من يسجد على الأرض شاكرًا الله على حصوله على أسطوانة غاز، أو يتلقى التهاني والمباركات بهذه المناسبة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخدمات الصحية والطبية، حيث انعدام القدرة المالية لمراجعة الطبيب في حال المرض أو شراء الدواء إذا ما توفر، وكذلك الخدمات التعليمية، ويكفي أن نتصور أن عدد الطلاب في القاعة الواحدة في بعض مدارس دمشق يصل إلى ستين طالبًا، أما التقديرات الرسمية لمؤسسات النظام لما تحتاج إليه الأسرة السورية المؤلفة من خمسة أشخاص، فقد وصلت إلى مبلغ 250 ألف ليرة سورية شهريًا، للحصول على حياة معيشية بالحدود الدنيا فوق خط الفقر، بينما الدخل الشهري الحقيقي يراوح ما بين 45 – 75 ألف ليرة سورية.

في الشمال السوري، الخارج عن سيطرة القوات المشتركة الحليفة للنظام السوري، وتحديدًا مدينة إدلب وريفها، يشهد السوريون موجات من النزوح اليومية إلى المجهول، نتيجة حرب الأرض المحروقة التي تشنها القوات المشتركة (الروسية، الإيرانية، الأسدية) حيث لا تميز بين المدنيين والتنظيمات المسلحة. فالموت والتهجير والدمار على مدار الساعة، وجلّ ما يتمناه الناس ملاذًا آمنًا لأطفالهم، حيث أصبح النزوح الآمن حلمًا محفوفًا بالمخاطر للكثيرين. ومن حالفهم الحظ ونزحوا في البراري أقاموا تحت الأشجار، يحلمون بخيمة تقي أطفالهم برد الشتاء، وربطة خبز تسد رمق جوعهم.

كذلك الأمر في تركيا، حيث تتحدث الإحصاءات الرسمية عن حوالي أربعة مليون سوري يقيمون فيها، قد يكون وضعهم أفضل من السوريين المقيمين في المخيمات الحدودية والشمال السوري، ولكن الهواجس الحياتية والمعيشية تلاحقهم، وخاصة قي هذا العام 2019، حيث عاشوا هواجس الترحيل القسري من قبل السلطات التركية إلى الشمال السوري، كما حصل مع الآلاف منهم، إضافة إلى هواجس إيجاد فرصة العمل، والحاجة إلى الإقامة الرسمية التي يفتقدها العديد منهم، تأمين إيجار السكن، الذي يبلغ أكثر من نصف دخل من يعمل، ويزداد سنويًا، تعليم الأبناء في المدارس والجامعات التركية، تأمين بطاقة الإقامة المؤقتة (الكمليك) التي لم يعد الحصول عليها بالأمر السهل، وهناك البعض ممن يحلم بإمكانية تأمين المبالغ المالية المطلوبة للمهريين، لركوب قوارب الموت باتجاه أوروبا والمخاطرة بحياتهم.

كذلك الأمر بالنسبة إلى السوريين في لبنان، حيث يتعرضون لعنصرية رسمية منهجية من قبل الحكومة اللبنانية، وقد حمّلهم آخر تصريح لوزير الدفاع اللبناني مسؤولية كل الخراب اللبناني الناتج عن الفساد الحكومي تاريخيًا، قائلًا: إن نسبة 5 بالمئة من اللاجئين السوريون في لبنان إرهابيون. إضافة إلى السكن في الخيم والوضع المعيشي المتدني، وعدم إمكانية تأمين فرص التعليم والطبابة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السوريين في الأردن ومصر والسودان.

أيضًا السوريون في دول أوروبا الذين يُنظر إليهم على أنهم محظوظون وأفضل حالًا، مقارنة بالسوريين الآخرين، وقد يكون هذا الرأي على حق، ولكن بعضهم يعيش هواجس عدم إمكانية الحصول على الحماية أو اللجوء، وإذا حصل عليها حضرت معاناة لمّ شمل العائلة، وهواجس البعض من عدم إمكانية تعلم اللغة والاندماج الاجتماعي، في ظل ثقافة ومعايير قانونية لم يعتدها السوريون، وقد حصلت لدى العديد من الأسر السورية تصدعات أسرية بين الزوجين، وبين الأهل والأبناء، إضافة إلى هواجس تأمين فرصة العمل للعيش بكرامة من دون انتظار المساعدات المقدمة من الحكومة، وإضافة إلى البحث في إمكانية توفير مبلغ مالي لإرساله إلى الأهل والأقارب في سورية علّه يساعدهم في تأمين الحدود الدنيا للمعيشة والبقاء على قيد الحياة… إلخ.

هذه حال السوريين بعد تسع سنوات من الحرب المجنونة التي شنّها النظام الأسدي على السوريين، التي أوصلتهم -بنسب متفاوتة- إلى العيش تلازمًا مع كل أشكال القلق الاجتماعي النفسي المتصاعد لديهم، الذي أفقدهم إمكانية الوصول إلى الاستقرار الاجتماعي النفسي المتوفر لدى معظم مواطني دول العالم.

هذا القلق الاجتماعي النفسي المتصاعد لدى السوريين كافة، كان من الطبيعي أن تظهر آثاره الاجتماعية والنفسية على العلاقات الاجتماعية بين السوريين، حيث يسودها التوتر والعصبية التي تصل إلى القطيعة في أي لحظة، حيث أصبح جلّ اهتمامهم تأمين الحدود الدنيا للمتطلبات الحياتية الشخصية والأسرية اليومية، لمواجهة الشرخ الاجتماعي والهشاشة في العلاقات الاجتماعية، مقابل التلاحم والتضامن الاجتماعي العالي المستوى الذي برز في الأشهر الأولى من الثورة السورية السلمية، في ظل أحلامهم الوطنية الجامعة بالحرية والكرامة والعدالة، لتصل إلى أسطوانة الغاز وربطة الخبز وخيمة بمثابة منزل لهم نتيجة حرب هذا النظام عليهم.

أخيرًا، أعتقد أن المسألة الأكثر إلحاحًا اليوم، بالنسبة إلى السوريين كافة أينما وجدوا، هي قضية الحفاظ على توازنهم الاجتماعي والنفسي، والعمل للوصول إلى التوافق الاجتماعي النفسي مع البيئة الاجتماعية المحيطة بهم، الذي يجعلهم يشعرون بالأمن الاجتماعي النفسي، فيمكنهم من الحصول على ثقافة وطنية قيمية جامعة تكون بمثابة بوصلة توجههم باتجاه العمل من أجل بناء دولة سورية الديمقراطية الجديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق