تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل تستطيع “إسرائيل” الاحتفاظ بالجولان؟

يُعدّ يوم الاثنين 25 آذار/ مارس 2019، يومًا أسود آخر في التاريخ السوري والعربي عمومًا، وتاريخ هضبة الجولان خصوصًا، فهو يوم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تاجر العقارات السابق، اعترافه بسيادة “إسرائيل” على الجولان. فهو يعتقد أن الجولان قطعة أرض أميركية وعقار يمتلكه ليتصرف به كما يشاء، ومن جهة أخرى يخالف الأعراف التقليدية للسياسة الأميركية التي ساهمت بالقرار 242 إثر نكسة حزيران عام 1967، الذي أُطلق عليه آنذاك قرار “الأرض مقابل السلام”، واليوم بعد حوالي 52 عام على احتلال الجولان، يضرب ترامب القانون الدولي بعرض الحائط، ويسجل سابقة ويثير إشكالية قانونية لثلاثة أسباب على الأقل:

الإشكالية الأولى أن الحكومات الأميركية جادلت، على مدار خمسة عقود من الزمن، بأن أي تغيير في السيادة على الأرض يجب أن يحدث من خلال المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية، لا عبر تصريحات أحادية، لأن ذلك يتعارض مع القانون الدولي. الذي لا يعترف بسيادة “إسرائيل” على الأراضي المحتلة خلال حرب عام 1967. والإشكالية الثانية أن القرار يجازف بمنح الشرعية لسياسة الضمّ المثيرة للجدل، التي تبنتها “إسرائيل” عام 1981، واستمرت حتى أُسقطت دوليًا. والإشكالية الثالثة أن هناك آثارًا ستترتب على القرار في المناطق المتنازع عليها، مثل الضفة الغربية وشبه جزيرة القرم.

السؤال معقّد للغاية، سواء بالنسبة إلى تاريخ مرتفعات الجولان، أو إلى الآثار السياسية والقانونية للقرار الذي أعلنه ترامب، فالجولان ذو موقع إستراتيجي، وكان مركز النزاعات والاشتباكات العسكرية منذ العصور القديمة، وقبل حرب 1967 كان تحت سيطرة سورية، وكان يقطن فيه حوالي 150 ألف سوري، غير أن خسارته عام 1967، إضافة إلى الضفة الغربية وشبه جزيرة سيناء، أدت إلى قرار مجلس الأمن الشهير بعنوان “الأرض مقابل السلام” تحت الرقم 242 ، الذي يُلزم “إسرائيل” بإعادة الأراضي التي احتلتها، مقابل الاعتراف العربي بوجودها، لكن القرار لم يُطبّق قط، لأن الدول المعنية آنذاك لم توافق عليه، ورفضت اتخاذ الخطوة الأولى، ثم جاء قانون ضم الجولان لـ “إسرائيل” عام 1981، الذي رفضه مجلس الأمن والأمم المتحدة، وبعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، عقدت محادثات مباشرة بين سورية و”إسرائيل” برعاية واشنطن، ثم توقفت عام 1996، لتُستأنف عام 1999 وتفشل مجددًا في قمة جنيف عام 2000، ثم استُؤنفت كمباحثات سرية أو غير مباشرة عبر النافذة التركية، من عام 2006 حتى عام 2011، من دون نتيجة تُذكر، يقطن في الجولان، اليوم، نحو خمسين ألف مواطن سوري، وعدد النازحين منه حوالي مليون، توزعوا في أنحاء متعددة من العالم، وبخاصة بعد الثورة السورية عام 2011، فيما يقطن فيه من المستوطنين حوالي 35 ألف مستوطن. وكان النازحون السوريون من الجولان عام 1967 قد بلغ عددهم 135 ألف نسمة، توزعوا حينها في أربع محافظات سورية: دمشق وريف دمشق ودرعا وحمص.

يُعدّ الجولان اليوم بالنسبة إلى دولة الاحتلال ذا أهمية إستراتيجية مستجدة، إذ تعده “منطقة عازلة”، تفصل أراضي فلسطين التاريخية التي تغتصبها “إسرائيل” عن الأراضي السورية، حيث الوجود الإيراني، العدو التاريخي لـ “إسرائيل”، كما يعلن نتنياهو وحكومته ليل نهار، حيث تعد “إسرائيل” وجود إيران تهديدًا خطيرًا لأمنها القومي، وبسبب ذلك تنفذ “إسرائيل” هجماتها الجوية والصاروخية في سورية، وتستهدف القواعد الإيرانية وقواعد “حزب الله” المتمركزة في سورية.

تغير الظروف السياسية السورية شجع القرار الأميركي

كانت الولايات المتحدة تعد الجولان طوال نصف قرن أرضًا سورية محتلة، لكن تغير الظروف السياسية السورية، ووجود ترامب بالسلطة وحاجته لدعم اللوبي الصهيوني في واشنطن بعد فضيحة الانتخابات الأميركية، وخشية تقرير مولر الذي كاد يدين ترامب بتزوير الانتخابات، اتخذ أخطر قرارين في السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، الأول بقراره نقل السفارة الأميركية إلى القدس، والثاني الاعتراف بسيادة “إسرائيل” على الجولان، وبالتالي تحولت الجولان من أرض محتلة إلى أرض “مرفقة” بالكيان الإسرائيلي.

زار نتنياهو قلعة السنام في منطقة فيق جنوب الجولان، وأعلن عن تأسيس مستوطنة “هضبة ترامب” شمالي الجولان، وباركته السياسة الترامبية بذلك. على الرغم من معارضة مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وكافة الهيئات الدولية والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية.

حجج ترامب ونتنياهو “الأرض لمن يأخذها بالقوة” بمبرر “الحرب الوقائية”

بعد أن أعلن ترامب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، قال نتنياهو: “هناك مبدأ مهم للغاية في الحياة الدولية، عندما تبدأ حروب العدوان، وتفقد الأراضي، لا يمكنك القدوم إلينا والمطالبة بها، إنها تنتمي إلينا”، وباليوم الثاني بعد عودته إلى “تل أبيب” من واشنطن، صرح بأن الأرض التي قمنا باحتلالها في حرب دفاعية، حسب زعمه، أصبحت تنتمي لنا، في رده على من يقول له: إنك تحتل أرضًا ليست لك، وفي كلا التصريحين أشار نتنياهو للطابع الدفاعي المزعوم لتبرير العمل العسكري الإسرائيلي عام 1967 في ممارسته العملية.

في اليوم الثاني بعد إعلان ترامب، تحدث وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو: “كانت (إسرائيل) تخوض معركة دفاعية لإنقاذ شعبها، وليس من المقبول أن يكون قرار الأمم المتحدة بمثابة اتفاق انتحاري، إنه ببساطة لا يمكن أن يكون، وهذه الحقيقة التي اعترف بها الرئيس ترامب في أمره التنفيذي”. لم يحدد بومبيو القرار الذي كان يتحدث عنه، ولكن المعروف وعلى مر السنين أن وافق مجلس الأمن الدولي على كافة القرارات التي تعد الجولان أرضًا سورية محتلة.

كل تصريحات ترامب ونتنياهو لا تتعدى كونها تقييمات سياسية، وبالمقابل لا يوجد معيار دولي ينص على أن الدولة التي تحتل أراضي غيرها يمكنها أن تطالب بالسيادة على تلك الأراضي التي قامت باحتلالها، حتى لو كانت تحت مسمى “حرب وقائية” أو “حرب دفاعية”. فالطرق الوحيدة لإنشاء “حدود قانونية” جديدة من خلال الاتفاق بين الدول المعنية، مثل الهند وبنغلاديش على سبيل المثال، في عام 2015، عندما اتفقتا على “حدود جيب داخل جيب داخل جيب”، أو من خلال الاعتراف بالوضع الجديد من قبل المجتمع الدولي، كما حدث بعد تفكك يوغسلافيا وولادة دول وطنية جديدة معترف بها من الغالبية العظمى من دول العالم، ومن وجهة النظر هذه يمكن لـ “إسرائيل” الإدعاء أن اعتراف دولة مؤثرة في المجتمع الدولي مثل الولايات المتحدة قد يكون بداية اعتراف أوسع من قبل المجتمع الدولي، ولكن هذا مرفوض دوليًا. وعلى المجتمع الدولي تعريف مفهوم “الحرب الوقائية” التي شنتها “إسرائيل” على العرب عام 1967. وهو موضوع نقاش بين الخبراء منذ سنوات طويلة.

هل تُعدّ سابقة في القانون الدولي؟

من الواضح أن الآثار القانونية والسياسية المترتبة على قرار ترامب هي في المقام الأول في نوعين، الأول هو إمكانية استخدام البلدان الأخرى الذريعة ذاتها لإضفاء شرعيتها على ضم الأراضي التي احتلتها بالقوة، والثاني هو احتمال أن تتمكن “إسرائيل” من تنفيذ المنطق ذاته على الضفة الغربية، وربما غزة، وهي أراضي أخرى احتلتها عام 1967.

فيما يتعلق بالنقطة الأولى، طلب العديد من الصحفيين من بومبيو توضيح كيف يكون الضم الإسرائيلي لمرتفعات الجولان مختلفًا عن الضم الروسي لشبه جزيرة القرم، الذي فرضت بسببه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا، جادل بومبيو بأن الحالتين مختلفتين، لأن الهجوم في البداية سيتم تعريفه كأداة للدفاع لمنع أي هجوم من الدولة المعادية، بينما في حالة القرم فلم يكن هناك تهديد وشيك لأوكرانيا تجاه الروس (الذرائع ذاتها استخدمها الروس لتبرير تصرفهم بضم القرم وهي الذرائع الدفاعية، وذكرت صحيفة نيويورك تايمز آنذاك ذرائع روسية أخرى، منها أن المجتمع الروسي المحلي الكبير في القرم، تعرض للتمييز من قبل حكومة كييف)، بالإضافة إلى ذلك، قال بومبيو: إن الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان هو عمل يعيد تأكيد الوضع القائم على الحقائق الموجودة على الأرض، وعلى نحو مماثل يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لشبه جزيرة القرم، وهي المنطقة التي تمارس فيها السيادة الحكومة الروسية.

التضمين الرئيس الثاني يتعلق بإمكانية استفادة نتنياهو من قرار ترامب لتمهيد الطريق لضم كامل الضفة الغربية مستقبلًا، الخطاب معقد إلى حد ما، من جهة يبدو الموقفان مختلفان للغاية، وقبل كل شيء لأن المدنيين الذين يعيشون في مرتفعات الجولان هم أقل بكثير من أولئك الذين يعيشون في الضفة الغربية، ففي عام 1981، عندما أقرت “إسرائيل” قانون ضم مرتفعات الجولان، أعطت الحكومة الإسرائيلية الفرصة لجميع المدنيين السوريين الذين يعيشون تحت الاحتلال لاختيار ما إذا كانوا سيصبحون مواطنين إسرائيليين، وهي خطوة هامة لضم فعلي، ومع ذلك فإن تبني السياسة ذاتها في الضفة الغربية لا يبدو أنه ضمن خطط نتنياهو، لأنه سيعني ولادة دولة “إسرائيل” ثنائية القومية، وهو من وافق على قانون “دولة الأمة اليهودية” الصادر في تموز يوليو 2018.

وبالنظر للموضوع من وجهة نظر القانون الدولي، فقد كتبت الصحفية الإسرائيلية نوا لانداو في (هآرتس) الإسرائيلية، أن احتلال الجولان يشبه احتلال الضفة الغربية، ويمكن للحكومات الأخرى أن تنضم للولايات المتحدة، إذا استمر الاتجاه في قبول شرعية السيادة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، فقد لا يمر وقت طويل قبل أن يبدأ الحديث عن ضم الضفة الغربية وربما غزة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق