مقالات الرأي

هل سيعود العرب إلى التاريخ؟

سؤال طرحه أحد المفكرين العرب. ومن واجبنا أن ننظر إلى أحوالنا من منظار عام وشامل، تاريخي واستراتيجي، لكي نفهم ماذا يجري، وإلى أين نحن سائرون.

عندما نتحدث عن الوضع في سورية، نقول إن الموضوع السوري خرج من أيدي السوريين، بالرغم من أن الثورة السورية العظيمة أثبتت للعالم شجاعة وصمود السوريين وأظهرت تضحياتهم من أجل كرامتهم وحريتهم، ولو انتصرت الثورة السورية (وشعلتها قائمة) لغيّرت وجه المنطقة والعرب بشكل خاص.

وعندما نتحدث عن حال العرب، فإننا نقول إن الأنظمة الحاكمة لا خير فيها، لأنها ارتهنت لأجندات خارجية، ولا ننتظر منها أي فعل يعيد الكرامة لشعوبها.

لقد وصلنا إلى حالة ميئوس منها. فهل يا ترى نحن المذنبون أم غيرنا فيما جرى ويجري أمام أعيننا؟

الشعوب العربية قالت كلمتها، وفجرت انتفاضات شعبية حقيقية ذات صوت وطني إنساني بامتياز، وكانت ردات الفعل قاسية ووحشية لا ترحم.

ونفكر في حالنا: هل نحن قاصرون وخرجنا من التاريخ، لكي يقرر مصيرنا الآخرون في الإقليم والعالم؟ هل نحن غير جديرين بالتنمية الاقتصادية والعلمية والبشرية؟ أم أن هناك أجندات وخططًا رُتبت لمنطقتنا من مئات السنين لكي نظل مكبلين سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وعقليًا؟

لا تنقصنا الثروات الطبيعية بل نتفوق على معظم دول العالم، ولا تنقصنا القدرات البشرية، والدليل أن علماءنا موجودون في العالم ويبدعون إلا في أوطانهم العربية، فهم مقموعون ومبعدون عن الإبداع الحقيقي.

هل تشكل الكيان الإسرائيلي الصهيوني مثلًا صدفةً، أم أن وجوده قرار متسرع من بريطانيا؟ هل الحركة الصهيونية العالمية اختفت من الوجود؟ ألم نسمع بالمؤسسات الدولية التي تخطط لمئة سنة لمصير العالم كله وليس منطقتنا فحسب.

كان الشاه الإيراني شرطيّ أميركا في المنطقة، ولكنه لم يبث الطائفية، ولم يشكل ميليشيات مسلحة ذات شعارات مقيتة، ولم يشعل الحروب مع جيرانه. ومع ذلك انتهى دوره واستبدلوه بأهل العمائم بشعاراتهم الدينية التي تؤثر في قلوب البسطاء، وأسمو الانقلاب على الشاه “ثورة إسلامية”، وهي لا تمت إلى الإسلام بصلة. من يعتقد أن الخميني ونظام الملالي الأوتوقراطي في طهران لديه أجندات لخدمة المسلمين أو حتى شعوب إيران، فهو واهم تمامًا. لماذا؟ لأن كل ما فعلته ولاية الفقيه هو خدمة مباشرة للحركة الصهيونية وأميركا. كما سهّلت أميركا لإيران تنفيذ خططها التوسعية والطائفية التي تكمل المشروع الاستعماري في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وتوزيع النفوذ فيها، من خلال تقسيمها وتحطيم الدول العربية والإقليمية (خاصة السنّية منها)، ونهب ثرواتها ووضعها تحت رحمة القوى الدولية والإقليمية المهيمنة.

قد يقول قائل إنني أروّج لنظرية المؤامرة التي تستخدمها الأنظمة الشمولية القمعية، مثل نظام الأسد في سورية. ولكن الحقيقة أن المؤامرة موجودة، ولكن المهم أن نعرف من الذي يخطط وضد من تستخدم؟ وهنا بيت القصيد. فهل الحديث عن الخطط الدولية الشاملة ضد شعوبنا هو هروب من تحمّل المسؤولية من قبلنا نحن أبناء المنطقة؟ بالتأكيد لا.

تشكلت في الخمسين سنة الأخيرة شبكةٌ من الأنظمة السياسية القمعية التي حرمت الشعوب من الحرية وحقوق المواطنة ومن المشاركة في تقرير مستقبل أوطانها. وكانت كلها ترفع شعارات “وطنية تقدمية” برّاقة. وتأكدنا أخيرًا أن تلك الأنظمة كانت مهمتها قمع شعوبها ومنعها من التقدم الحقيقي، وهذا يصبّ في مصلحة الأجندة الاستعمارية العالمية. ولماذا الاستعمارية العالمية؟ لأن أي نظام عربي لا ترضى عنه تلك المنظومة سيخلقون له ألف مشكلة ومشكلة، لكي يغيروا قيادته بأي طريقة ممكنة.

هناك دول (بغض النظر عن طبيعة الحكم فيها) أرادت خلق قوة وطنية علمية تكنولوجية واقتصادية مستقلة؛ فسلّطوا عليها كل مصائب الكون لكي يقضوا عليها. فورطوها في حروب أدت إلى القضاء عليها.

وهنا نتساءل هل العداء بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، هو عداء حقيقي أم أنه مسرحية هوليودية لإبقاء العرب متخلفين ومقيدين وخاضعين لهيمنة الطرفين بشكل مباشر أم غير مباشر؟

باختصار: إن كل الوقائع تثبت -بلا أدنى شك- أن أهل العمائم في إيران فاسدون، ويروجون للمخدرات والطائفية، ويشعلون الحروب من أجل تثبيت سيطرتهم على المنطقة، وذلك يصب في أجندة إسرائيل وأميركا أيضًا. ونتساءل عن المغزى الحقيقي من قيام أميركا بإسقاط نظام صدام وتسليم العراق لطهران، بالرغم من أن إيران حاربت العراق عشر سنوات، ولم تتمكن من الانتصار عليه. فجاءت القوات الأميركية لتسقط النظام في بغداد وتسلّمه لإيران على صينية من ذهب، حيث جلبت عملاء إيران وأزلامها ليتحكموا في العراق، وينهبوا ثرواته ويخنقوا شعبه. فأصبح العراقيون محرومين من الماء والكهرباء والأمان، بينما العراق من أغنى دول العالم. فمن سرق ثروات العراق ومن تصرّف بها. يقال إن ثورة العراق خلال 16 سنة، من حكم أزلام إيران، تُقدر بألف مليار دولار، نهبتها الحكومة والميليشيات الشيعية والبرلمان والأحزاب السياسية العفنة التابعة لإيران. وهناك تسريبات خطيرة تقول إن العراق من أيام الطائفي الحاقد نوري المالكي، كانت تقدم المليارات لطهران، لتقاوم بها العقوبات الغربية (المصطنعة)، وكذلك دعمَت نظام الأسد الإجرامي و”حزب الله” والحوثيين. أي أن أموال الشعب العراقي تستخدم من قبل إيران لتنفيذ أجندات تخريبية هدامة ضد شعوب المنطقة. وهذا يصبّ في مخططات استعمارية ضد شعوب المنطقة، ويساهم في تحقيق طموحات تاريخية في تفتيت المنطقة وإضعاف الشعوب وتقسيم الدول وفرض هيمنتها. والمهم ألا تقوم قائمة للدول العربية (السنية).

ما الذي أخذ إيران إلى لبنان وإلى اليمن وإلى سورية وإلى غزة وكل مكان؟ هل إيران أقوى من إسرائيل مثلًا أو أميركا؟ بالطبع لا. لكن إيران يمكنها استغلال العامل الطائفي، بخلاف “إسرائيل” وأميركا. لذلك قامت بخلق بؤر وقنابل موقوتة، لكي تخلق فوضى في المنطقة، وهذه بالضبط نظرية الفوضى الخلاقة الأميركية الصهيونية. أيّ أن المشروع الفارسي يتقاطع بشكل واضح مع المشروع الاستعماري، لكن الأدوار تختلف بالشكل والمضمون، وتصب في النهاية في الهدف نفسه.

انتفضت الشعوب العربية لتقول كلمتها، وقد اهتزت عروش الحكام وسقط بعضهم، ولكن الثورات المضادة تعمل بدعم من قوى دولية وإقليمية بعضها عربي، لا تريد للشعوب أن تتحرر. ولكن السؤال: ما الذي يضرّ هذه الدول في قيام نظام وطني ديمقراطي في سورية؟ هل يشكل ذلك خطرًا فعليًا عليها، أم أن هناك أجندات كبيرة لدول كبرى وإقليمية، في مقدمتها “إسرائيل”، لفرض خريطة سياسية وجغرافية معينة.

ألا يلاحظ بعضنا أن كل ما فعلته إيران في المنطقة يخدم “إسرائيل” بشكل مباشر، وأن العداء الإعلامي بينهما كذب بكذب. إن الخميني وأتباعه يشكلون خطرًا على شعوب المنطقة بدرجة لا تقل عن خطر “إسرائيل” التي تمتلك أجندة توسعية على حساب الفلسطينيين والعرب، لن تتراجع عنها.

ولكن حديثنا عن تلك المشاريع الخطيرة التي تهدد مستقبلنا كشعوب في منطقة الشرق الأوسط يبقى ناقصًا، ما لم نحاول الإجابة عن سؤال: ماذا علينا أن نفعل؟

فما جرى في سورية ومصر واليمن وليبيا يؤكد أن قوى الثورة المضادة الإقليمية والدولية، مع تنوع أسمائها ومع وجود اختلافات وعداوات فيما بينها، كلها حاربت الثورات العربية ودعمت التدخلات العسكرية ضدها.

نسمع أن دولًا تعلن عداءها الشديد لإيران، لكنها تبني علاقات مع نظام الأسد، الذي تهيمن عليه إيران، فكيف يستوي الأمر؟

نرى أن دولًا تعلن عداءها لنظام الأسد، بينما تدعم قوى لها علاقة وثيقة بإيران وبالنظام السوري.

كلنا أصبح متيقنًا اليوم أن أميركا و”إسرائيل” لا تريدان إسقاط نظام الأسد، لكن روسيا التي تدخلت عسكريًا وساهمت في إبقاء الأسد حتى اليوم، تعلن العداء لأميركا والصداقة مع “إسرائيل”.

يبدو أن مركز القرار الدولي موجود في عاصمة دولة كبرى، حيث يجري توزيع الأدوار والهدف هو توزيع الغنائم وإبقاء الشعوب مكبلة بقيود التخلف والقمع والحرمان، لأن في ذلك ضمانة لبقاء “إسرائيل” دولة متفوقة ومتحكمة في مصير المنطقة.

يتحتم على شعوب ونخبها الوطنية الصادقة فَهم حقيقة كبرى، مفادها أن الشعوب يمكن أن تتعايش ويمكن أن تبني مجتمعات حرة تتساوى فيها كل المكونات والأفراد، والمشكلة هي في الأنظمة العربية التي يجهل كثيرون قصة ظهورها ووصولها إلى الحكم، وكيف استمرت عقودًا، ومن يدعمها؟ ولماذا يتخلى الداعم عنها، كما حدث في الربيع العربي، حيث تم التخلي عن بعض الحكام العرب واستبدالهم بحكام أسوأ منهم، باستثناء التجربة التونسية.

الذي خنق الثورة السورية هو القوى التي ادّعت أنها تمثلها وتدعمها وتموّلها. ولكن هل حدث ذلك بالصدفة؟ طبعًا لا. فهناك قوى دفعت الأمور في هذا الاتجاه، وأدارت الأزمة حتى نصل إلى ما وصلنا إليه، لنصبح جاهزين لأي حل يُفرض علينا.

علينا أن نسلط الأضواء على العدو الحقيقي لشعوبنا، المتمثل بالقوى المتحكمة في القرارات الدولية والإقليمية والمحلية، والتي ترفض قيام دولة مواطنة يسودها القانون، وأن تلك القوى قد تبدو مختلفة بشدة، إلا أن الحقيقة أن هناك تفاهمات كبرى موجهة ضد الشعوب.

نحن نتحدث عن قوى سياسية واقتصادية ومالية وعسكرية وثقافية تريد الاستمرار في استعمار الشعوب، من خلال ممثليها المحليين، بطرق جديدة ومسميات مزيفة، ليكون ذلك حقًا يراد به باطل.

ويجب ألا يقودنا هذا التحليل إلى فهم خاطئ، وهو أننا نعادي الغرب وحضارته وتقدمه، وإنما الحديث يجري عن رفضنا لممارسات وخطط القوى الغربية والإقليمية في منطقتنا، التي تتناقض تمامًا مع ما تروج له تلك الدول من قيم وشعارات إيجابية، تتحدث عن الديمقراطية والسيادة والعدالة والحرية.

ويبقى الدور الحاسم للشعب، الذي يجب أن يدرك مصلحته الحقيقية، ويميز بين العدو والصديق. شعوبنا التي ضحت كثيرًا، وأعلنت رفضها حياة الظلم والهوان، لن تستكين ولن تصمت، وستستمر في كفاحها من أجل مستقبل يُحترم فيه الإنسان.

وأمام النخب المثقفة، مسؤولية وواجب وطني وإنساني، تكمن في مساعدة الشعب، في تحقيق طموحات الشعب لا ما تريده تلك النخب التي قد تغرد بعيدًا من الشعب.

أعداؤنا كثر وأصدقاؤنا قلة. ولكن الشعب هو صاحب الحق في تقرير مصيره، وعليه أن يمتلك قراره الوطني المستقل. فما نراه من صراعات دموية على الأرض السورية هو صراع جيوسياسي دولي وإقليمي لا مصلحة للشعب السوري فيه.

لدى بلداننا ثروات طبيعية وبشرية كافية للتقدم والاكتفاء الذاتي، ولكن ينقصنا الاستقرار السياسي المبني على احترام حقوق الناس وحريتها وكرامتها.

ينقصنا اليوم مشروع حضاري نهضوي، يعتمد على قدراتنا وإمكاناتنا ويحقق لشعوبنا الرخاء والازدهار. والتجربة الماليزية مفيدة في هذا الإطار.

تحية لشعوبنا التي أثبتت أنها جديرة بالحرية والكرامة والعدالة الإنسانية.

ولا بد من أن يأتي يوم ينال فيه المجرمون والفاسدون قصاصهم العادل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق