مقالات الرأي

السينما والرئيس

بعد حضوره عرضًا خاصًا في قصر الإليزيه، للفيلم الفرنسي الجديد (البؤساء) الذي اقتبس عنوانه من كتاب البؤساء لفيكتور هوغو (1802 ـ 1885)، عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن “تأثره الشديد من صواب الفيلم”. وأشار إلى أنه طلب من الجهات المعنية في الدولة القيام بالخطوات العاجلة واللازمة لتحسين الأوضاع في ضواحي المدن الفرنسية الكبرى، وخصوصًا حول العاصمة باريس التي عكس الفيلم جزءًا من الحياة اليومية لشبابها العاطلين عن العمل، كما عرض لكل خيباتهم وانجرافهم في مسارات المخدرات والجريمة أو التطرف الديني من جهة، وتعامل السلطات الأمنية معهم، وهو تعامل يشوبه مزيج من العنصرية والتعب وضعف التنظيم والإمكانات، من جهة أخرى. كما يستعرض الشريط السينمائي الحياة اليومية لمجموعة من رجال الشرطة الفرنسية في الضواحي الفقيرة لمدينة باريس، التي يشكل الأجانب نسبة مهمة من سكانها، غداة انتصار الفريق الفرنسي لكرة القدم في المباراة النهائية لكأس العالم سنة 2018.

مشاهدة الفيلم الذي حاز جائزة لجنة التحكيم في مهرجان (كان) السينمائي للعام الماضي، والمرشح لتمثيل السينما الفرنسية لمهرجان الأوسكار الأميركي، كأفضل فيلم أجنبي، في شباط/ فبراير من العام القادم، حملت رئيس الجمهورية إلى الطلب من حكومته “الاستعجال في إيجاد أفكار، والعمل لتحسين شروط الحياة في الضواحي”. وكان مُخرج الفيلم قد عبّر عن رغبته في أن يشاهد الرئيس الشريط، وأرسل إليه لهذا الهدف نسخة على شريط مدمج، إلى قصر الإليزيه.

الشريط السينمائي الذي يعدّه مخرجه الأولَ من ثلاثية سينمائية تتعرّض للحياة التي يعيشها سكان الضواحي الصعبة، هو ضربة موجعة للضمير، وعرضٌ مؤلم لمآلات السياسات الإقصائية اقتصاديًا وحضريًا التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة في فرنسا منذ عقود، للتعامل مع هذه المناطق السكنية التي تعجّ بأصحاب الدخول الضعيفة أو العاطلين عن العمل. ويحاول العمل تحطيم القوالب الجاهزة التي انتشرت طويلًا لفهم ديناميكيات الحياة في هذه المناطق التي سعت السياسات العامة إلى عزلها عن الأحياء الغنية والمراكز الاقتصادية في المدينة.

في المشهد الأخير للفيلم، يستعيد المُخرج عبارة كتبها هوغو في كتابه (البؤساء) سنة 1862 إذ قال: “يا أصدقائي، افهموا هذا جيدًا، حيث لا يوجد أعشاب ضارة، وليس هناك بشر سيئون، لا يوجد بالفعل إلا من هم مزارعون سيئون”. وفي هذا الاقتباس، تبدو رسالة الفيلم واضحة من حيث اعتبار جميع أبطاله من شباب الضواحي ومن عناصر الشرطة ضحايا لمن وضع السياسات العامة، ولمن يقوم بتنفيذها أو بالدفاع عنها.

وقد سبق للسينما الفرنسية أن قدّمت عملًا آخر، كان له التأثير المباشر في وضع السياسات العامة وفي تعامل الحكومة الفرنسية مع مسألة الاندماج. فقد شكّل فيلم (البلديون) الذي عُرض سنة 2006 وحصد عددًا كبيرًا من الجوائز، نقطة فارقة في تعاطي الأجهزة الحكومية الفرنسية، مع عدد من الملفات التي تعالج مسألة الهجرة ودور الأجانب في البناء الاقتصادي المحلي، وفي الدفاع عن المصالح الحيوية، من خلال مشاركتهم في الحياة العسكرية. حيث يستعرض الفيلم مساهمة جنود من شمال أفريقيا في الحرب العالمية الثانية في صفوف الجيش الفرنسي، وهم جزائريان ومغربي. ونتابع في مجمل مراحل الشريط مزيجًا من الخيبات المتأتية من العنصرية، لكن الفيلم حمل أيضًا مؤشرات لانبثاق الوعي السياسي والأمل، لدى شريحة مهمّشة من الذين خدموا يومًا المصالح الفرنسية من دون أن يكونوا حاملين لمواطنيتها. وعلى إثر عرض الفيلم، قررت حكومة دومينيك دو فيلبان حينذاك، الذي كان رئيسًا للوزراء في آخر عهد جاك شيراك، أن تمنح راتبًا تقاعديًا لأكثر من 80 ألف جندي غير فرنسيين، حاربوا إلى جانب القوات الفرنسية في الحرب العالمية الثانية وما زالوا على قيد الحياة، وهم على الأغلب من بلدان شمال أفريقيا. وحمل القرار هذا تأكيدًا على أن مستوى هذا الراتب يجب أن يساوي راتب نظرائهم الفرنسيين. وقد كانت هذه الرواتب قد توقفت في خمسينيات القرن الماضي بعد استقلال مجمل دول شمال أفريقيا.

فيلمان فرنسيان أثرا في صانعي القرار في البلاد بشكل واضح وجلي. ومن المؤكد أن هناك أعمالًا فنية أخرى تركت لدى المسؤولين أثرًا مهمًا، ودفعت العديد منهم إلى التفكير بعمق وبتعاطف مع قضايا تم إهمالها قصدًا أو عفوًا من قبل الجسم السياسي التقليدي. وفي هذه التجارب مؤشرات مهمة إلى الدور الذي يمكن للإبداع الفني والثقافي أن يلعبه في مسارات السياسات الداخلية، كما الخارجية، في دول اختارت شعوبها من يتولى إدارة شؤونها العامة بالحكمة. وذلك على العكس تمامًا من الدول التي استبدّ بها طغاة مجرمون وفاسدون، يعدّون الفنَ والإبداع مكونين أساسيين للعدو الذي يجب القضاء عليه.

في بلاد الاستبداد والطغيان، يستمتع الحاكم بمشاهدة ما سبق، ويمكن له أن ينتشي بعنف مشاهد الفيلمين معتبرًا أن هؤلاء العامة الذين يعانون في (البؤساء) شظف العيش والإقصاء المنهجي استحقوا مصيرهم. كما أن جنود “البلديون” القادمين إلى مقاطعة الألزاس من شمال أفريقيا للدفاع عن الجمهورية الفرنسية، ما هم إلا ذخيرة حية يجب أن تحترق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق