تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إستراتيجية إيران في مواجهة الحراكين العراقي واللبناني

لا يوجد طرف آخر في العالم يقف في وجه الحراكَين الثوريَين في لبنان والعراق، إيران هي المعني الوحيد بالوقوف بالمرصاد لأي حراك، سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا، فقد عملت على مدار سنوات طويلة، منذ استلام الملالي زمام السلطة في طهران، من أجل ما وصلت إليه من سيطرة على لبنان والعراق وسورية لاحقًا، وأنفقت المليارات من الدولارات، وعاش الشعب الإيراني تحت خط الفقر ثمنًا للحلم الفارسي، وأي حراك اليوم هو تهديد لهذا المشروع، ولن تسمح به إيران مهما كان الثمن، وإذا كانت إيران هي من دفع لبناء هذا المشروع فإن من سيدفع ثمن دمار هذا المشروع هم أبناء المنطقة من شبابهم وبنيتهم التحتية ولقمة عيشهم، فإيران قد نقلت معركتها مع العرب إلى دول عربية كثيرة.

استراتيجية إيران في مواجهة أي حراك ثوري والقضاء عليه تكاد تكون ثابتة، وباتت معروفة لدى الجميع، وتمرّ هذه الاستراتيجية بمراحل عدة، تأخذ طابعًا تصعيديًا بعد كل خطوة، مع بعض الفوارق البسيطة بين استراتيجياتها في هذه الدولة أو تلك، وذلك تبعًا للبنية الاجتماعية للدولة، وقوة ميليشيات إيران فيها، وعلى نحو تقريبي هي كالتالي:

في المرحلة الأولى تحاول القوى العاملة بإمرة إيران احتواء الحراك، وتحاول الزعم بأنها مع الحراك، وأنه يمثل أهدافها ومطالبها، وتحاول بشكل مستمر وعلى مدار الساعة، في لبنان والعراق، التأكيد على أن الحراك مجرد حراك مطلبي، أي أن الناس خرجوا لأجل الأسعار والماء والكهرباء إلخ، وتحاول بذلك نفي أي صبغة سياسية للحراك، وحقيقة الأمر -والجميع يعلمها- أن الحراك سياسي، وإن أخذ مظهرًا اقتصاديًا أو مطلبيًا، فمن أوصل العراق ولبنان إلى هذه المرحلة من الاقتصاد المتردي هو إيران والقوى التي تدور في فلكها وتعمل بإمرتها، إذ لا يمكن نقاش الوضع الاقتصادي من دون نقاش من يقف خلف الاقتصاد في لبنان والعراق، وهما حكومتان لا يمكن تشكيلهما من دون موافقة الخامنئي، بأي حال من الأحوال.

المرحلة الثانية تبدأ بعد فشل خطة الاحتواء، وفيها يتم الانتقال من الاحتواء إلى مرحلة التخوين والتهديد ومحاولة تشويه صورة النشطاء وإلصاق التهم بهم، كالقول: إنهم عملاء وصهاينة ومرتزقه وأجندات خارجية، وهنا يكون التهديد على مستويين، المستوى الأول هو على الصعيد العام، مثل خطابات حسن نصر الله التي تهدد بشكل عام بحرب أهلية ودمار البلاد وإفقار العباد، إن لم يعودوا إلى بيت الطاعة والقبول بما يفرضه الحزب، وكذلك فعل في العراق قادة ميليشيات الحشد الشعبي، والمستوى الآخر هو التهديد على المستوى الشخصي الفردي للناشطين، من خلال إرسال رسائل تهديد شخصية لهم، كما حصل في لبنان مع الكاتب المعارض لقمان سليم وغيره كثر، وذلك في محاولة لتحييدهم عن الحراك، لأنهم يشكلون المحرك الفكري النموذجي الذي يمد الحراك بالطاقة الفكرية والأخلاقية (في حالة العراق تم الانتقال فورًا إلى لتصفية من دون المرور بمرحلة التهديد) فثورة من غير مفكرين وقادة أخلاقيين بالتأكيد ستفقد البوصلة، ويسهل جرها إلى العنف للقضاء عليها، وقد حصل ما يشبه ذلك في سورية.

المرحلة الثالثة تبدأ بعد فشل المرحلة الثانية، وهي محاولة خلق شارع في وجه شارع، للقول: إن الثوار لا يمثلون كل المجتمع، وإن هناك طرفًا يؤيد خلق حالة من الانقسام تؤدي إلى حالة من العنف والفوضى، كما يحصل في لبنان الآن، وبالتالي يصبح من واجب الدولة القضاء على حالة الفوضى، أي القضاء على الحراك الثوري ضمنًا.

المرحلة الرابعة، وفي حال صمد الثوار أمام المراحل الثلاثة السابقة، ستكون أكثر دموية، إذ ستلجأ القوى الإيرانية في المنطقة إلى سلاح الإرهاب، ويتم من خلاله تفجير السيارات، وتنشط حالات الاغتيالات والمفخخات وإلصاق التهمة بتنظيمات إسلامية، يتم تصنيعها وفبركتها وتدبيج بياناتها بواسطة “حزب الله” و”الحشد الشعبي”، وهنا سينسى الناس مطالبهم ويبحثون عن الأمن؛ وبذلك ينتهي الحراك.

أما المجتمع الدولي أمام كل هذا، فهو يأخذ موقف المتفرج والباحث عن استثمار جديد في كل هذا الخراب والدمار، إذ لا مصلحة لأحد بإنهاء حرائق محلية ذات ثمار دولية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق