مقالات الرأي

تحرّك الجوار والسكون السوري

تتوالى التظاهرات من لبنان إلى العراق وصولًا إلى إيران، وتتعالى صيحات الشعوب لأجل حقوقهم التي سلبتها أنظمة فاسدة ترفض أي إصلاح، ويسقط الضحايا. فسلطة الطغيان واللصوصية المتشابهة لا تعترف بمطالب الشعوب وحقوقها أو بما يسمّى شعوبًا، فمن تحكمهم هم مجرد رعاع يفترض أن يطيعوا من دون احتجاج أو مطالب أو حقوق، هذا هو القانون العام الذي حفظته الأنظمة الفاشلة، وعملت على تطبيقه بالقوّة، وحين يرفض الشعب ما تُفصّله الأنظمة، مهما اختلف توصيفها، فإن رداء المؤامرة سيحيط بالمتظاهرين، تلك هي الوصفة السحرية المتقنة التي يمكن استخدامها في كل الأحوال، لتبرير الفشل وتبرير العنف والتوحّش.

في واقع الشعوب التي تنادي بمطالبها، لم يعد ممكنًا النظر إلى المؤامرة إلا من باب السخرية المرّة، نعم إنها مؤامرة كبرى أن تدرك الشعوب حقيقة عيشها من دون كرامة ومن دون حقوق أو ضمانات، فإدراك المصيبة لا يمكن تفسيره إلا بـ “المؤامرة”، لكنها ليست كما وُصفت في قاموس الأنظمة، فهذه المؤامرة لم تكن خارجية ومدفوعة لمصلحة دول الغرب و”إسرائيل” والكون ورجال المريخ. إنها “مؤامرة الإدراك” بأن هذه البلدان ليست لهم، إنها لطُغْمة حاكمة تمتصّ قوتهم وتهدر دمهم، مؤامرة أدارها الفساد ولقمة الخبز، وأدارتها فواتير الكهرباء وسوء الخدمات وإهدار الثروات الوطنية التي يستخلصها العراق من النفط، ولبنان من الدعم الأجنبي، وإيران ثالث أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، والشعوب فيها جائعة ومحرومة.

وإذا أردنا أن نعود للوراء؛ فإن المؤامرة كانت موجودة منذ 2011 في سورية، إنها المؤامرة المستمرة من الشعوب ضد الأنظمة، وعلى الرغم من خصوصية هذه البلدان وتوصيف مشكلاتها الداخلية، فإن التشابه بين تظاهرات العراق ولبنان يبدو كبيرًا، فكلتاهما وُلدتا من رحم معاناة آفة الفساد السياسي والإداري الذي أثقل حياة المواطنين العامة، بغض النظر عن طوائفهم، فعباءة الطائفية باتت صيغة غير مناسبة للحكم في أيّ بلدٍ يسعى أهله ليكونوا مواطنين.

وكان التشابه الأكبر بين البلدين بالوقوف ضد التدخل الإيراني، باعتبار أن في كلا البلدين جماعات شيعية مسلّحة ترتبط بقوة بإيران، وليست طرفًا في أجهزة الأمن الرسمية. ما دفع “حركة أمل” و”حزب الله” إلى محاولة كسر المطالب ومواجهتها، بشارع مقابل شارع، ورفع شعار “شيعة شيعة”، في محاولة لجرّ اللبنانيين نحو منزلق آخر يصل إلى هاوية الحرب الأهلية، في بلد تأسّس على بنية طائفية متوارثة ومتأصّلة. فالطائفية هي وقود استمرار هذه الكتل وقوّة وجودها، طالما أنها تمتلك السلاح للمواجهة وقدرة التعطيل الحكومي، هذا ما غيّره وعي اللبنانيين بعدم الانجرار خلف بؤس دعوات القتل. ويُضاف إلى ذلك أن “حزب الله”، الذي يمثّل قوّة إيران الفعلية في لبنان، يدرك المعادلة السياسية الصعبة التي تخضع فيها جميع الطوائف لاتفاق المشاركة في السلطة القائم منذ مدة طويلة، ما يغيّب مفهوم المنتصر والفائز، ويجعل من المستحيل على أي جماعة أو طائفة أن تهيمن بمفردها على مؤسسات الدولة، فـ “حزب الله” كغيره له عدد محدّد من المقاعد في الحكومة، واشتعال الواقع اللبناني لن يكون لمصلحته بأي حال من الأحوال.

أما في العراق الذي تسيطر عليه إيران بشكل شبه كامل، فالوضع فيه مختلف، يكفي أن يرفع شعار حريته معلنًا “عراق حرّة حرّة.. إيران برّا برّا”، ليشكّل ضربة كبيرة لدولة “إمبراطورية” تعتبر هذه الدول “ولايات” تحت سلطتها أو سلطة أعوانها، وتسارع لاعتبار هذه الأحداث “فتنة” يجب إخمادها، وكأن ذلك “تصريح مقدّس” بالقتل، فدماء الشعوب من دون حساب في قواميس الطغاة. فتنة لبنان والعراق وصلت إلى حيث بات الشعب “عدوًا” في إيران، هكذا صرّح المرشد الأعلى علي خامنئي، في خطاب بثّه التلفزيون الإيراني بتاريخ 20/11/2019، مؤكدًا أنه تمّ “دحر العدو”، في إشارة إلى التظاهرات التي عمّت إيران احتجاجًا على رفع الوقود، وأعلن روحاني “انتصار” الحكومة على ما وصفها بـ “الاضطرابات”، متّهمًا “أعداء أجانب بإشعالها”.

في هذه البلدان، تتشابه مؤامرات الشعوب حين تفكّر في مصيرها، تتشابه الحلول بتصفية الحراك وقتل المتظاهرين المتآمرين، وتتشابه الانتصارات على “الشعب العدو”. وهو ما عايشه السوريون في المستويات كافة، لقد كانوا يومًا “متآمرين ومندّسين وخونة”، وكان الانتصار عليهم حتميًا بقوة البراميل، ومواقف الدول المختلفة التي راوحت بين مساندة النظام في قتل الشعب، ودعم الميليشيات المسلّحة الطائفية التي لا تخدم الشعب أو الثورة، وإدارة ظهرها للمأساة، ليدخلوا مرحلة السكون في إنتاج حلول فعالة وفاعلة لواقعهم، مع تدوير الحلول السياسية التي وصلت نحو إغلاق السبل كافة بوجههم، ليصلوا بعد تسع سنين من الإفناء والتشرّد، نحو منح الأولوية لإعادة صياغة الدستور، واكتسابها الشرعية الدولية كخطوة أولى، ورسم جدول أعمال “المماطلات والمهاترات الدستورية”، انطلاقًا من بحث الثوابت الوطنية “للدولة السورية”، إلى إقرار العقد الاجتماعي، وكلاهما -على ضرورتهما- لا يقدّمان في الوضع السوري الراهن إلا مشهدًا سورياليًا مؤلمًا. فالدولة السورية تحت الاحتلال، ولا تمتلك هذه الوفود المتحاورة لإقرار دستور أي قرار بشأنها، فوفد النظام الذي يعدّ نفسه حقق انتصارًا، لا يقرّ أننا أمام سورية مختلفة، وأن هناك بقايا دولة تقرّر مستقبلها قوى الاحتلال، ولا يمتلك من أمر سورية شيئًا، ووفد المعارضة “المختزل” في الائتلاف، ثم في هيئة التفاوض ذهب خاسرًا ميدانيًا وسياسيًا، ولا يمتلك أوراق القوة والشرعية، أما وفد المجتمع المدني فلا يمتلك مرجعية رسمية مؤسّسية تكسبه قوة إملاء الشروط، وهذه الوفود كافة لا تمتلك القدرة على المطالبة بطرد أي محتلّ من سورية أو بناء دولة ليكون لها دستور.

والأهمّ أن السوريين، حتى من وقف منهم على الحياد، يدركون أنه لا يمكن لأي دستور، مهما كان متقدّمًا وعصريًا، أن يكون ذا معنى، ما لم تكن هناك حلول للضيق الاقتصادي والانفلات الأمني واستشراء الفساد، بمعنى لا حلول ما لم تكن هناك مرحلة انتقالية تؤمّنُ الانتقال إلى مرحلة جديدة، لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما كانت عليه سورية منذ استقلالها في منتصف أربعينيات القرن الماضي، فما فائدة دستور يضمن كل الحريات العامة، ويفصل بين السلطات في غياب رجال ومؤسّسات على استعداد لتطبيقه.

إنها مؤامرة العيش بكرامة التي تجمع هذه الشعوب، مهما اختلفت أحوالهم، مؤامرة لا بدّ منها، وإن أحالت سورية إلى جحيم وجعلت السوري الذي كان شاهدًا على مجازر بلده مشاهدًا لحراك الجوار، وهو يمضغ المرارة حينًا والأمل حينًا، فماذا بقي له من سورية المحتلّة، إنها سورية الهوامش الضيقة والوعود الصعبة التنفيذ، فالدستور السوري الموعود مسلسل للتسويف، والشعب يزداد غرقًا في مثلث الموت (القتل والجوع والفساد). فهل ستتوسّع حدود المؤامرة، ليخرج الشعب من الجحيم مبصرًا النور؟ إنها دعوة كي يتآمر الأمل مع السوريين، ومع كل الشعوب الحالمة بأوطان تعيش فيها بكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق