سلايدرقضايا المجتمع

إعادة إعمار الإنسان

قرأنا كثيرًا عن مسألة إعادة الإعمار من خلال الدراسات التي تم نشرها في مراكز دراسات محلية وإقليمية ودولية، وكانت بمجملها تتحدث عن إعادة إعمار الدولة السورية من الناحية المادية والاقتصادية البحتة، مثل البنية التحتية، بما تحتوي من شبكة مياه الشرب والطاقة والمدارس والمشافي وما إلى ذلك في قطاعات مختلفة، وهذا الجانب من إعادة الإعمار يشتغل عليه اليوم الكثير من الباحثين والمختصين، وتتسابق على الفوز به الدول الباحثة عن فرص استثمارية، وليس الباحثة عن مساعدة الإنسان السوري، وإعادة الإعمار هذه ستبقى عالقة إلى حين إرساء حل سياسي للمقتلة السورية.

لكن السؤال الكبير الذي يتهرب منه الجميع، سواء بتجنب طرحة أو بالتهرب من الإجابة عنه، وهو كيف نعيد إعمار الإنسان السوري؟ وما فائدة بنية تحتية حديثة يعيش فيها إنسان مُدمَّر فقد قسمًا كبيرًا من القيم المجتمعية التي تآكلت على مدار سنوات الحرب التي شُنت على الشعب السوري، وهنا لا نقول: تلك القيم التي عاشها الإنسان السوري قبل نشوب الثورة السورية كانت قيمًا مجتمعية مُثلى وفي أحسن حالاتها، لكننا نستطيع الجزم بأنها أفضل بعشرات المرات من الواقع الاجتماعي السوري الجديد بعد التطورات التي حصلت في قيمه، وجميعها للأسف كانت باتجاه الأسوأ.

فعلى الصعيد الأسري مثلًا شاهدنا، وكل في محيطه الإجتماعي والعائلي، أمراضًا اجتماعية فتكت بالتركيبة الأسرية، سواء بشكل طوعي أو قسري، وفرضتها ظروف المرحلة، وهناك عشرات الحالات في كل قرية ومدينة قام فيها الأخ بوضع يده على أملاك أخيه المهجَّر، وتصرف بها تصرف المالك بملكه من دون الرجوع إلى أخيه ومن دون أدنى اعتبار لعلاقة أخوة الدم بينهم، ومئات حالات الطلاق وقعت لأسباب سخيفة، وغالبًا من دون مراعاة وضع الأطفال، سواء في الداخل حيث يكون الشارع هو الحاضن الجديد للأولاد، أو عند العائلات التي هُجرت، حيث يُلحظ ازدياد نسب الطلاق بصورة مذهلة.

في الداخل السوري كان المعلم ورجل الدين والوجه الاجتماعي وغيرهم من أصحاب المكانة الاجتماعية، وجميعهم تضررت صورتهم بفعل الحرب وظروفها، فرجل الدين وبسبب المواقف المتذبذبة والمتباينة له لم يعد محط ثقة المجتمع، وكذلك حال الوجه الاجتماعي لكون بعض الوجهاء مترددين في إعلان مواقفهم من الثورة، فتجاهلَهم شبابها ولَم يعودوا مصدرًا مهمًا للشورى وأخذ الرأي، كما قام النظام بتنصيب وجوه عائلية وعشائرية جديدة بدلًا من الوجوه التي وقفت في وجهه، من خلال منح بعض هذه الوجوه الجديدة بعض الامتيازات، وتقريبهم من دوائر القرار المحلية، وأحيانًا وصل بعضهم لالتقاط صورة مع الطاغية، يعرضها على الناس كدليل على شرعية وجوده كوجه اجتماعي جديد.

المعلم، وبسبب إغلاق المدارس في كثير من المناطق لسنوات، فقد دوره في المجتمع، ولَم يعد ذلك الشخص الذي يحظى باحترام غالبية الشعب السوري، بعد أن وجد نفسه معدمًا ماديًا، ينتظر صدقة من هنا أو مساعدة من هناك، أو العمل بمهن لم يكن يجرؤ على العمل بها سابقًا، لكونها أدنى من مستواه الاجتماعي، وهنا الشرح يطول عن الأمراض الاجتماعية التي أصابت المجتمع في كل مفاصله، ولا مجال لحصرها.

من سيتصدى لإعادة بناء المجتمع السوري بقيم جديدة؟ وما هي المدة اللازمة لنقول: إننا وصلنا إلى مجتمع معافى؟ أما متى تبدأ إعادة إعمار الإنسان؟، فمن المؤكد أن يجب علينا العمل من الآن، وأن لا ننتظر إعادة الإعمار الاقتصادي المرهونة بإرساء حل سياسي، حيث أن إهمال المعالجة يومًا إضافيًا يؤدي بالضرورة إلى تفاقم المرض بشكل سرطاني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق